الأغنية المتوحشة - سارة كرافن-روايات عبير القديمة - منتديات همسات روائية


الإهداءات

آخر 10 مشاركات
(549)عروس الطبيب المتمرد حصريا على منتدى همسات روائية (الكاتـب : نور الحيااة - آخر مشاركة : mjangel - المشاهدات : 77 )           »          رواية زيديني عشقاً (104) الجزء الرابع من سلسلة كتاب الحب بقلم جومانة علي منتدى همسات روائية كاملة... (الكاتـب : jomana Ali - آخر مشاركة : ندى المطر - المشاهدات : 6411 )           »          رواية لا أغار!! (91) الجزء الأول من سلسلة كتاب الحب بقلم جومانة علي منتدى همسات روائية كاملة مع... (الكاتـب : jomana Ali - آخر مشاركة : dinaamin - المشاهدات : 14417 )           »          رواية وقيد قلوبهن العشق(65) _ متميــــــــــزة _ الجزء الثالث من سلسلة قلوب عاشقة بقلمى نورسين... (الكاتـب : نورسين - آخر مشاركة : Siaa - المشاهدات : 161030 )           »          (194) قصة دفع الثمن - جيل رانستروم - حصرياً على همسات روائية (الكاتـب : nagwa_ahmed5 - آخر مشاركة : eden2017 - المشاهدات : 13871 )           »          رواية بقايا قيد ( 92 ) بقلمي Marwa Tenawi _مميـــــــــزة _ حصرياً على منتديات همسات روائية كاملة... (الكاتـب : Marwa Tenawi - آخر مشاركة : زهوركوم - المشاهدات : 13735 )           »          رواية غريب على شرفة بيتى العدد516 آن ميتيرميير (الكاتـب : نورسين - آخر مشاركة : ام الزين لالا - المشاهدات : 10210 )           »          رواية مدينة لك بالعشق I O U , SEX للكاتبة Clista Fox (59) كاملة (الكاتـب : نورسين - آخر مشاركة : سيلا..} - المشاهدات : 164694 )           »          رواية نسر في تكساس (33) بقلمي فراشة الربيع حصريا على منتدى همسات روائية كاملة مع الرابط (الكاتـب : فراشة الربيع - آخر مشاركة : زهرة وردة - المشاهدات : 30654 )           »          رواية ليلى والنسر (99)بقلمي Better Lonliness الجزء الاول من سلسلة وهل للقلب عودة على منتدى همسات... (الكاتـب : Better loneliness - آخر مشاركة : hanaa ali - المشاهدات : 15116 )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-23-2013, 06:50 AM   #1

lorry_jon

  عَضويتيّ : 2493
  تَسجيليّ : Mar 2013
مشآركتيّ : 550
 نُقآطِيْ : lorry_jon is on a distinguished road
شكراً: 0
تم شكره 2 في عدد 2 مشاركات
افتراضي الأغنية المتوحشة - سارة كرافن-روايات عبير القديمة

الأغنية المتوحشة سارة كرافن-روايات عبير
هااااي اعزائي ارجو ان تنال هذه الرواية اعجابكم



الأغنية المتوحشة - سارة كرافن-روايات عبير القديمة
الملخص
يقضي الانسان عمره باحثا عن الحب, لانه السعادة الحقيقة , وكثيرا مايحلم بملامح الحبيب المجهول .ويبقى منتظراَ حتى يصادفه في مكان ما . هكذا ظلت كاترينا مخلصة للاوقات التي جمعتها بجيرمي في تورفيج قريتها الاسكتلندية , وعدها بالزواج لكنها باتت وحيدة بعد سفره الطويل وموت عمها جيسي . ذهبت اليه في لندن . وساقتها الاقدار الى مقابلة عمه جيسون المنتج التلفزيوني الذي اصطحبها قي ليلة مشؤومة كان يعلن فيها جيرمي خطوبته على هيلين الثرية.. ضاع الحب وانكسرت الاحلام ولم يبق امامها سوى جيسون الشهير والمحاط بالمعجبات . هربت تركت حقائبها وكل حاجياتها وعادت الى قريتها الساكنة قرب البحركانت تعرف من تحب , لكن ترى من تتزوج ؟ والحب كالقضاء والقدر لانستطيع الاعتذار عن استقباله !


رابط تحميل الرواية مكتوبة كاملة

محتوى مخفي


محتوى مخفي



1- العريس الضائع



"هل انت متأكده يا فتاتى ؟"
قالت السيده ماكغريغور ذلك و جسمها الممتلئ محشور فى رداء مزهر و هى تتوقف عن اعداد عجينة الكعكه و تحملق فى ذلك الجسم النحيل الواقف فى الجانب الاخر من طاولة المطبخ الكبيره.
قالت كاتريونا موير , بتأكيد كانت هى من ان ةتشعر به :
"موقنه تماما . لابد لى من الذهاب . ان ال ماكنتوش يريدون اخلاء ملكهم فى اقرب وقت . و اشعر بعد بيع البيت بعدم الانتماء لهذا المكان بأى حال "
قالت السيده ماكغريغور و هى تعكف على العجينه بعزم متجدد :
"لا تنتمين و هو منزل عمتك الذى نشأت فيه كطفله ؟"
" ان ال ماكنتوش يملكونه الان "
قالت كاتريونه ذلك و هى تشعر بغصه . فمجرد التفكير فى ذلك كان لا يزال يؤذى مشاعرها كان البيت الرمادى الضخم القائم خلف الطريق هو منزلها منذ وعت ذاكرتها بل فى الحقيقه منذ قتل والداها , انها تتمثلهما مجرد صور غامضه فى ذهنها عندما قتلا فى حادث سياره , و هبطت عليها عمتها شقيقة والدها غير المتزوجه و قريبتها الوحيده التى كانت على قيد الحياه وقتئذ, و حملتها عائده الى قرية تورفيج الصغيره على الساحل الغربى لاسكتلاندا ؟
الان , و بعد ذلك بثمانية عشر عاما , العمه جيسى ماتت ايضا , و كان بيت موير قد بيع كذلك الى زوجين من غلاسكو.
قالت السيده ماكغريغور , و هى ترد عليها :
- نعم انهم يمتلكونه . و لكن الى متى ؟اذا كانت ارأه عظيمه مثل جيسى موير لم تستطع ان تجعل المكان يدر دخلا , فليس من الارجح اذا ان تفلح فى ذلك تلك المرأه المشعثه ذات الاصباغ هى و زوجها . ان هذا يا عزيزتى هو المكان الخطأ لأستقبال رواد الصيف . هذه هى حقيقة الامر . نحن بعيدان جدا عن فورت ويليام و عن الاماكن التى يأتى القوم لرؤيتها .
عقدت السيده ماكغريغور ذراعيها , و صرخت فى كاتريونا بشده قائله :
- و كذلك انت انت تذهبين وراء الفتى الذى لم يفكر بك مره واحده طوال العام .
احمر وجه كاتريونا و بدت فى عينيها الخضراوين نذر عاصفه , و قالت محتجه :
- ليس هذا صحيحا اننى اعلم ان جيريمى لم يأت هذا الربيع . ولكنه كتب الى .
قالت السيده ماكغريغور بكل الثقه الهادئه التى تتمتع بها شقيقة مديرة مكتب البريد فى القريه :
- لم يكتب لكى لعدة اشهر لا يوجد احد فى هذه القريه الا يفكر فى صالحك. و هم جميعا يرددون عليك ما اقوله الان . ان عناقا بجوار البحر لا يصنع زواجا.
قالت ذلك و هى تومئ برأسها مؤكده عبارتها لكاتريونا , التى التهب خداها احمرارا .
ثم مضت تقول بلطف :
- لقد مررنا بهذا جميعا يا فتاتى . ان الحب الاول شئ عظيم و لكنه لا يدوم . و عندما يأتى الحب الحقيقي فستعرفين تماما كما عرفته مع السيد ماكغريغور .
تطلعت كاتريونا الى الوجه المستدير الملئ , و الشعر الرمادى الملتف فى خصلات , و تخيلت السيد ماكغريغور الاصلع الصموت . و كادت تفلت منها رغم ضيقها ضحكه لولا انها قمعتها .
ماذا تعرف السيده ماكغريغور عن ذلك السر الحلو الرقيق الذى شاركت فيه جيريمى خلال الاسابيع القليله السحريه من العام السابق . عندما جاء الى تورفينج فى جوله على قدميه . و بقى حتى اضطر الى الرحيل لكى يعود الى الجامعه ؟
و عندما تذكرت جيريمى بشعره الاسود المجعد و عينيع الزرقاوين الضاحكتين , غص حلقها و غامت عينيها . لقد تشاركا فى المشى و ركوب الزوارق و السباحه خلال تلك الايام الذهبيه التى بدت كأنها ستدوم الى الابد .
و فى احدى الليالى شهدا حفلا فى قريه مجاوره و ادت كاتريونا التى كانت لعب الغيتار و تغنى الاغانى الشعبيه بالانكليزيه و الاوسكتلنديه , فاصلا خلال هذا الحفل , و بعد ذلك عادا الى القريه فى سياره انغوس دنكاك عبر الطريق الضيق الذى تكثر فى وسطه مجموعات العشب , و كان الطريق الوحيد الذى يربط تورفينج بالعالم الخارجى عنالك جذبها جيريمى اليه و قال هامسا فى اذنيها :
- لم اكن اعرف ان فى وسعك الغناء هكذا .
احمر وجه كاتريونا التى اعتادت صراحة عمتها و اهل القريه و قالت فى ارتباك :
- انه لا شئ .
القى جيريمى بصره الى السماء قائلا :
-لا شئ انك يا حبيبتى ستكونين رائعه فى لندن . فلديك موهبه حقيقيه و انت لا تدرين , ان شركات الاسطوانات تواقه دائما الى الجديد . و تلك الاغانى التى غنيتها بتلك الهمجيه .
فصاحت فى غضب :
- الاسكتلنديه ليست لغه همجيه . و اود لو استطيع ان اتحدث بها باتقان بدلا منغنائى لبضع اغنيات فقط.

قال جيريمى يدئها :
- حسنا ولكنها تبدو غريبه عندما لا يعتادها المرء . و اعتقد انه لا يمكنك بالمسانده الملائمه و التعزيز المناسب ان تكونى رد اكتلندا على نانا موسكورى .,
قالت كاتريونا و هى تسند راسها الى كتفه :
-سوف اشعر بالثناء اكثر لو اننى عرفتها .
قال و هو يضع اصابعه تحت ذقنها , فيحملها على التطلع اليه :
- فى الحقيقه يا كاتريونا يجب الاتضيعى نفسك فى هذه البريه . ستكون لك فرصه اكبر فى لندن .
نظرت اليه فى حيره و قالت :
-بريه . كنت اظن يا جيريمى انك تحب تورفينج .
- اننى احبها , و لكن لأنك فيها . وما كنت اقضى بغيرك يوما ثانيا , فهى مفرطة الهدوء بالنسبه الى و انا احب الأثاره .
تذكرت كاتريونا ذلك الان فى دفء مطبخ ماكغريغور و شعرت بمعنوياتها تهبط كان هذا هو الخلاف الوحيد الذى وقع بينهما . و عندما رجع اخيرا الى لندن وعد بالعوده فى الربيع التالى اذا استطاع , لكن عيد الفصح اقبل و مضى ولم يظهر له اثر . ثم قبل عيد العنصره بقليل ماتت العمه جيسى متأثره بضعف قلبها .
كانت كلمات جيريمى و هما يفترقان هى التى تذكرتها كاتريونا فى غمرة حزنها . عندما ادركت فى غمرة حزنها عندما ادركت انه لا بد من بيع البيت سدادا لديون شتى , و للرهن الذى شعرت بأنها عاجزه عن تحمله .
اعطاها ورقه مطويه قائلا:
-هاك عنوانى . احتفظى به. فهناك ستجديننى اذا احتجت الى .
و عانقها و تعلقت به ووجهها مبتل بالدموع , و هى تعده بانتظاره . و توارت رسائله فى البدايه و بادلته المراسله بلهفه ثم بدأت تقل . ز ان ظل يتحدث عن الوقت الذى سيجتمعان فيه سويا و هى الان تسلم بأنه مرت خمسة اشهر من غير كلمه منه . ز كانت قد حافظت على كبريائها طمأنت نفسها بأن جيريمى مشغول بدراسته و ان امامه امتحانات هامه فيها كما قال فى احدى رسائله .
و كان هذا القول و العنوان الذى اكتنزته بعنايه فى صندوق حليها فى البيت , هما اللذان رسما لها طريق العمل بعد ان اصبحت وحيده .
افاقت من حلم يقظتها لتجد السيده ماكغريغور ترقبها بقلق , فأبتسمت لها قائله :
- سأكون على ما يرام . انا اعرف ذلك لن اتحمل البقاء بعد ذهاب عمتى و البيت . ولا استطيع تحمل ما سوف يفعله ال ماكنتوش بالمكان . فضلا عن ان لندن ستكون مغامره . و سيكون جيريمى هناك .
ثم ابتسمت مره اخرى على نحو اكثر مرحا و قالت :
- و سأبعث اليك بقطعه من كعكة الزواج .
قالت السيده ماكغريغور فى شئ من السخريه اللاذعه :
- آمل ذلك . متى عثرت على زوج !.
و اسرت بهواجسها فى ذلك المساء الى زوجها و هما يتناولان طعام العشاء . و قالت و هى تتنهد :
- و لكنها مصممه . ان لندن مكان بعيد تذهب اليه ليتحطم قلبها اننى اشك فى ان الفتاه المسكينه تعلم حقيقة ما هى مقبله عليه .
و بعد ذلك بأسبوع كانت كاتريونا تقف فى وسط ذهول تام وسط صخب يوستون و هى تتسائل نفس التساؤل . و كانت الضجه المنبعثه من مكبرات الصوت , و ضجيج المرور فى الخارج , و الصياح فى المحطه , و القطارات و هى تصل و تمضى , تملؤها بذعر مستبد . و شعرت بعد السكون السائد فى تورفيج , ان طنين اسلاك البرق التلغرافيه يكون مديا حتى فى وسط النهار حتى كادت اذناها تتفجران. اما الاسوأ من ذلك فهو ان الجميع فيما عاداها كانوا يعرفون اين هم ذاهبون . و لم تلبث ان تبعت الجموع الى الحاجز حيث سلمت تذكرتها . و فى الخارج فى ضوء الشمس , شعرت بالمزيد من الاضطراب . كان عنوان جيريمى موضوعا بأمان بجيب داخلى فى حقيبة كتفها الجلديه , و لكنها لم تعرف كيف يمكن الذهاب اليه . و نقلت حقيبتها فى ارتباك الى الكتف الاخرى , و اسندت حقيبة غيتارها الى منصة بائع جرائد . و اخذت تتفقد ما حولها بنظراتها . و كان معظم ما تملكه من مال و هو مبلغ يقل عن المائتين جنيه , محفوظا فى امان فى صندوق صغير بحقيبة كتفها . و لكنها احتفظت بجنيها قليله فى حقيبة يدها لحالات الطوارئ و مشت بعد ان التقطت غيتارها الى الصف الواقف فى انتظار سيارات التاكسى . و عندما حل دورها , و ضعت غيتارها فى المقعد الخلفى للسياره فسألها السائق :
- الى اين ؟
اخرجت كاتريونا قصاصة الورق و دفعتها اليه عبر الزجاج الفاصل فنظر اليها و صفر قائلا :
- انه طريق طويل
و تفرسها من شعر رأسها الاسود الضخم المجعد الى كتفيها الى معطفها الدوفيل و بنطلونها الجينز و حذاءها الخفيف , و قال :
- سيكلفك هذا الكثير .
- ان معى نقودا .
و عندما انتهت الرحله كانت كاتريونا قد استبد بها الاضطراب على نحو لم يجعلها تهتم كثيرا بالمدى المسجل الذى قطعته . فنقدت السائق اجره و شفعته بنفحه سخيه , فتسائل متأثرا فيما يبدو و بهذه اللفته غير المتوقعه :
- هل انتظر ؟
تطلعت كاتريونا الى البيت الذى وقفت امامه السياره لم يكن كما تصورته . كان بناء ضيق الشرفات , جدرانه باليه , و طلاؤه يحتاج الى تجديد , و حديقته الاماميه غير معتنى بها . و جعدت كاتريونا انفها بلا وعى . لم يكن هذا هو مكان اللقاء الذى تختاره لفرصه تجمعها بجيريمى . عضت على شفتها و تمنت لو كانت قد كتبت اليه مقدما تخبره بحضورها . و ادركت الان و هى تقف فى الشارع القذر خشيتها من ان يمنعها ذلك . ووجدت من العسير للحظهان تتذكر حتى شكل جيريمى , و استبد بها الذعر من جديد . فالتفتت الى السائق و قالت بتردد :
- يحسن بك ان تنتظر .
و صعدت الدرج القصير المكسور و دقت الجرس , فقال السائق :
- لعله لا يعمل . اطرقى الباب بدلا من ذلك .
امتثلت لنصحه . و بعد لحظه طالت . فتح الباب لتواجه امرأه نحيله فى لباس متسخ من النايلون الازرق , و شعرها مثبت تحت ايشارب من الشيفون الاصفر قالت بسرعه و هى تهم باغلاق الباب :
- لا توجد اماكن خاليه .
فتقدمت كاتريونا بعوم جديد , و قالت :
- اننى ابحث عن احد الساكنين عندك السيد جيريمى لورد .
- انت كذلك حقا ؟ حسنا . لقد تأخرت كثيرا يا عزيزتى . فقد رحل !
قالت المرأه ذلك و هى تتفرسها , و تطيل نظرتها الى خصرها . فدارت الدنيا بكاتريونا و هتفت :
- رحل ؟ الى اين ؟
كان هذا تطورا لم تحسب حسابه فى مخططها . فقد قال لها جيريمى انها ستجده هنا و صدقته . جاهدت لتحتفظ بهدوءها . و قالت المرأه :
- رحل منذ ثلاثة اشهر . و يقيم فى غرفته الان سيد هندى مهذب , لابد ان اذهب الان يا عزيزتى.

تحركت كاتريونا بغريزتها قائلة:
" وهل ...هناك عنوان جديد له؟".
" دعيني أتذكر بعضهم يترك العنوان وبعضهم الآخر لا يترك , فهناك من لا يريدون أن يتعقبهم أحد ,ولكنني موقنة أن الأمر ليس كذلك , أنتظري هنا حتى أتبين لك الأمر".
ووقفت كاتريونا وحيدة تغالب دموعها , ماذا لو لم يكن هناك عنوان؟ لا بد أن هناك بيتا للشباب يمكن أن تأوي اليه في الوقت الحاضر , ولعل السائق يعرفه , وهو يبدو رقيقا ,ومع ذلك ففي رأسها لا تزال تدوي كل التحذيرات من الثقة بالأجانب في المدن الكبيرة , لم تشعر بوحدة مثلما تحس الآن , حتى ولا في جنازة العمة جيسي , حيث كان تعاطف أهل القرية سندا لها , أما هنا فلا أحد لها أذا لم تستطيع أن تعثر على جيريمي.
عادت اليها المرأة تبسط ورقة قائلة:
" هاك أيتها الجميلة , السيد لورد ! بلموند عاردنز".
شكرتها كاتريونا وأخذت الورقة , وودت المرأة لا تزال تمد يدها , فتساءلت للحظة أذا كانت تريد منها أن تصافحها , ثم أدركت الأمر فنفحتها جنيها أختطفته المرأة ودسته في جيبها , رجعت كاتريونا الى التاكسي الواقف وأعطته العنوان الجديد , فقال وهو ينطلق:
" هذا مكان أنيق ممتاز بلموند غاردنز ".
أدركت كاتريونا لأول مرة قلة المعلومات التي تعرفها عن جيريمي , لقد كانت تعرف أنه أبن وحيد , وأن والديه على قيد الحياة , ولا شيء أكثر من ذلك , ولم يخطر لها خلال تلك الأيام المشسمسة السعيدة في أسكتلندا أن تتحرّ الأمر على نحو أكثر عمقا , فقد فضلت أن تتذكر دفء عناقه وبريق عينيه وهو يتطلع اليها بتلك الطريقة الخفية التي تعزلهما عن سائر العالم , هذه الأمور كانت تبدو على نحو ما واقعية بالنسبة اليها أكثر من أهتمامه بمعرفة عائلة جيريمي وأصدقائه, وسائر حياته في لندن التي لم تكن قد شاركت فيها بعد , وكانت تدرك بالطبع أنه سيكون لها وضع مماثل في حياته , أما الآن فهي ليست على مثل هذا اليقين.
وأدركت وهي تتطلع من نافذة السيارة أن المنطقة التي دخلتها الآن كانت أفضل بكثير من تلك التي أعتاد أن يعيش فيها جيريمي من قبل , كانت صفوف المنازل هنا عالية ومتسعة , وكانت الأشجار تحف بالشوارع في خطوط منسقة.
أنعطف السائق يمينا الى ساحة صغيرة في وسطها متنزه صغير مسور به مروج خضراء , ومقاعد وأحواض زهور , وكانت البيوت المحيطة به مرتفعة وأنيقة ذات أسوار حديدية مشغولة على نحو دقيق , ولكثير منها أحواض على النوافذ ملأى بالزهور , فلم تملك كاتريونا أن أطلقت صيحة سرور ودهشة فقال السائق وهو يتوقف:
" قلت لك ذلك , ها نحن قد وصلنا – رقم 11 – هل أحمل لك متاعك؟".
" كلا , أستطيع أن أتدبر أمري , شكرا".
بدأت كاتريونا تضطرب من جديد , وعندما مضى التاكسي وأختفى في منعطف , شعرت وكأنما فقدت صديقا لها , ونضح العرق في كفيها فمسحتهما في جانبي بنطلونها وهي تعلق حقيبتها على كتفها وتلتقط غيتارها , وحملقت في الواجهة البيضاء للبيت , وواجهها باب قرمزي اللون ولحظت وهي تعد درجات السلم الست النظيفة التي تقود اليه ,جرسا نحاسيا براقا تعلوه لافته في الجدار عليها أسم , تكاد حروفه السوداء أن تقفز اليها , وقرأت بأرتياح ج لورد , ضغطت على الجرس , وسمعت على الفور وقع خطوات داخل البيت وتقلصت عضلات معدتها , وبللت شفتيها الجافتين وهي تقاوم غريزة الفرار بأسرع ما تستطيع , بعد أن وصلت لمواجهة لحظة الحقيقة , لكن التي فتحت لها الباب هذه المرة كانت أمرأة صغيرة الحجم نظيفة الملبس في رداء أسود ومريلة , تطلعت اليها متسائلة , فحاولت كاتريونا أن تتحدث بثقة لم تكن تشعر بها:
"السيد لورد من فضلك".
نظرت اليها المرأة متفحصة , وقالت:
" لا أدري .... لست موقنة يا آنسة.... أهو يتوقع مجيئك؟".
" نعم".
قالت كاتريونا ذلك وهي تعذر نفسها لهذه الأكذوبة الصغيرة , فقد أبلغها جيريمي أن في وسعها المجيء في أي وقت.
" أرجوك أبلاغه بأن الآنسة موير هنا".
أبقت المرأة الباب مفتوحا , وتراجعت لتسمح لكاتريونا بالدخول قائلة:
" تفضلي يا آنسة موير , سأخبر السيد لورد , لعلك تودين ترك متاعك في البهو".
شعرت كاتريونا بالحرج لأن تفعل ذلك , كان البهو واسعا , جدرانه بيضاء لامعة وأرضية يتفاوت فيها اللون الأسود والأبيض , وكان ثمة خزانة منحوتة تستند الى أحد الجدران وتحمل فازة صينية طويلة , فوضعت حقيبة كتفها والغيتار في ركن كانت تأمل ألا يلحظ وجودهما فيه أحد , وتبعت المرأة الى باب على اليمين.
" هل لك أن تنتظري هنا يا آنسة؟".
أومأت كاتريونا برأسها بلا كلام , لم يسبق لها أن شهدت مثل هذه الغرفة , كانت الجدران مغطارة بورق من اللون البيج , يتكرر في السجادة السميكة , والستائر التي تصل الى الأرضية والمفروشات الفاخرة من نسيج مماثل تجتمع فيه ظلال الألوان الأحجار الكريمة الزرقاء والخضراء , وفغرت كاتريونا فمها لدى ما أحست به من تأثير أختلاط اللونين , برغم أن عمتها جيسي كانت تقول لها دائما أن الأزرق والأخضر لا يمكن رؤيتهما معا , كما دهشت بسائر قطع الأثاث القليلة , مثل بعض الموائد وخزانة من خشب الورد من الطراز القديم , ورف رخامي عند المدفأة يحمل مجموعة من تماثيل الكلاب الخزفية الصينية الرائعة.
شعرت كاتريونا كأنها مأخوذة , ما دخل جيريمي بكل هذه الرفاهية , أنها لم تفكر أبدا في أحتمال أن يكون ثريا , ولكنها لا تجد أي تفسر آخر لهذا الأسلوب من الحياة الذي يتجاوز كل ما يمكن أن تتخيله.
نظرت فيما حولها , لماذا جاءت؟ وأية حماقة أريكبت؟ ليس ثمة مكان لها هنا , كان التناقض بين أفلاسها وبين ما يحيط بها الآن مهينا لها , وأسوأ من هذا كله , فقد ترك حذاؤها علامة قذرة على السجادة!
أنبثقت الدموع من عينيها وسارعت نحو الباب , ولكنه فتح في الوقت نفسه تقريبا , وتوقفت كاتريونا وهي تشهق , فقد أطل عليها رجل طويل يرتدي روبا من الحرير الأسودوتتدلى من أحدى كتفيه بأهمال منشفة , وكانت قدماه وساقاه عاريتين , وقد تدلت على جبهته خصلة من شعره الأسود , رفع يده ولوّح بها في صبر نافذ , وتساءل بعينين رماديتين باردتين:
" من أنت؟".
كان الأمر أكثر مما تحتمل , الرحلة الطويلة , وقلة النوم , وخيبة الأمل الأولى , ثم الآن هذا الغريب يتفحصها بنظراته كأنها سلعة غير جذابة بقيت على مائدة البيع والمساومة , قال في صوت يماثل برودة عينيه:
" أغنانا كلامك! أنت يا آنسة موير.... تقولين أنني كنت أتوقع مجيئك؟".
قاومت كاتريونا دموعها التي كانتتنذر بالتغلب عليها تماما , وقالت في حزن:
"لست أنت.... بل جيريمي".
ألقى اليها نظرة طويلة , ثم أغلق الباب قائلا:
" جيريمي؟ كان يجب أن أعرف ... وماذا أتى بك الى هنا؟".
حدقت فيه بعجز تام , وقالت:
" ألا .... ألا يسكن هنا؟".
جاءها الرد قويا:
" كلا , بحق السماء , من أعطاك هذه الفكرة؟ سأدق عنقه اللعين أذا...".
" أوه , كلا ... كلا أنها صاحبة المنزل ... صاحبة المنزل القديم الذي كان يسكن فيه , قالت أنه ترك هذا العنوان بعد أن أنتقل اليه , وعندما رأيت أسمه على لافتة الباب , أعتقدت...".
وتضاءل صوتها وهو يتفرسها بتجهم:
" ليس أسمه أيتها الشابة ولكنه أسمي , وهذه شقتي , وفي آخر هذا البهو غرفة نومي التي أود أن أعود اليها الآن , بعد أن زال سوء الفهم البسيط هذا , لقد وافقت بالفعل على السماح لجيريمي بأن يكون بريده على هذا العنوان لبعض الوقت , ولكن كان هذا منذ أمد بعيد".
وفتح الباب وأبقاه هكذا في أنتظار مرورها , وأستطرد قائلا:
" وهكذا أذا سمحت بأخذ هذه الكومة الغريبة في ركن البهو , فأن في وسع كل منا أن يذهب في طريقه!".
وبرغم محنتها بدأت كاتريونا تغضب , ذلك أنه لم يسبق أن عوملت بهذه العجلة في حياتها من قبل , ولم تكن العمة جيسي لتسلك أزاء كلب ضال مثل هذا السلوك الذي يعاملها به , وكان رد فعلها الأول أن تفعل كما طلب , وأن تخرج من هذا البيت ومن حياته بدون أن تنظر الى الوراء , ومع ذلك فمن الواضح أن في وسعه مساعدتها في العثور على جيريمي , وهو أمر بدا لها أهم من أنقاذ كبريائها .
قالت في أرتباك:
" آسفة لتطفلي , سأكون سعيدة لأن أدعك بسلام أذا ما أعطيتني العنوان الحالي لجيريمي".
قال بأقتضاب:
" محال , مع السلامة!".
واجهته كاتريونا على الفور وقد أسفرت عن ـستيائها:
" ماذا تعني؟ أتقول أنك لن تخبرني بمكانه؟".
قال بنعومة وكاتريونا تتوق الى صفعه بقوة على وجهه الأسمر الساخر:
"هذا تصور مطابق من جانبك , والآن , أمضي في طريقك يا أبنة العاصفة اليتيمة!".
" أنني لست...".
بدأت كاتريونا تفكر في حرارة , ثم لاح لها فجأة , في مثل هذه الضربة الصاعقة, أنه محق تماما , أنها الآن يتيمة , وتطلعت اليه في صمت كالبكاء ,وهي عاجزة عن منع دموعها من الأنهمار , قال في لهجة قارصة:
" أوه, بحق السماء , أتظنين أنني لم أتعرض لهذه الحيلة مائة مرة؟ أنها لم تفلح في الماضي أبدا , وأنني متأكد أنها لن تفلح الآن يا قرة عيني!".
قالت كاتريونا وهي تمسح عينيها بقوة بمنديل وجدته في جيب سترتها :
" لست قرة عينك! وأعتقد أنك خسيس حقير!".
" لست أشك في أنك تعتقدين ذلك, ولكن تذكري أنك جئت الى هنا بزعم كاذب , فلا تبدأي بالشكوى عندما تسوء الأمور".
وأشار لها نحو الباب , فصاحت محتجة:
" لم يكن زعما كاذبا , لقد سألت عن السيد لورد , وأعتقدت أنه سيكون جيريمي".
دفع شعره عن جبهته ,وقال في كلل:
" وبدلا منه كنت أنا , صدمة سيئة لك ولا شك, ونصيحتي لك أن تعودي من حيث أتيت بأسرع ما في وسعك , وأن تنسي ما حدث".
قالت بهدوء:
" لا أستطيع العودة , ثم أنني جئت الى هنا بطلب من جيريمي ولن أبرح حتى أقابله , ولن يكون مسرورا عندما أخبره بالطريقة التي عاملتني بها".
قالت ذلك في نبرة أنتقامية , ولكن بدلا من أن ينزعج , أبتسم أبتسامة باهتة, وقال:
" لا أظن أنني سأخاف كثيرا من هذه الناحية , أخبريني , لماذا تريدين لقاءه بمثل هذا الألحاح؟".
صعّرت له خدها قائلة:
" هذا شأني!".
"بالعكس , لقد جعلته شأني كذلك , هذا الى أن والدته تلح عليّ منذ سنوات لأن أهتم بالفتى , على نحو يناسب أهتمام العم بأبناء أخيه, أوه ... لقد نسيت , لم أقدم نفسي , أنا جيسون لورد عم جيريمي".
قالت كاتريونا بلا مبالاة:
" لم أعرف أن لجيريمي عما".
" لم يحدثني عنك أيضا , حسنا يا آنسة موير , أنني أنتظر".
دست كاتريونا يديها في جيبي سترتها لتخفي أرتعاشهما , وقابلت نظرة الأحتقار في عيني جيسون الرماديتين بوميض من عينيها الخضراوين , وقالت:
" لعله أيضا لم يبلغك بأننا نتبادل الحب , وأننا سنتزوج".
كان يرتكن بلامبالاة الى الباب , ولكنه تصلب عند هذه العبارة فورا , وتفحصها بنظرة مرة أخرى بنفس الأزدراء , ولكن بتقييم كأنه يكشفها , حتى أن حمرة الخجل تصاعدت الى وجنتيها , قال ببطء:
" أنت ستتزوجين جيريمي , ما الذي أوحى اليك بهذه الفكرة بحق الجحيم؟".
" هو نفسه في الصيف الماضي".
" يعني من وقت بعيد, فهل لي أن أسأل أين كان هذا التعاهد على الخطبة؟".
" في تورفيج, أنها قرية صغيرة على الساحل الغربي لأسكتلندا , وهي ليست معروفة تماما ,ولكن جيريمي عثر عليها وهو في جولته , وبقي بها".
قال في لهجة شبه وحشية:
" أراهن أنه فعل ذلك!".
قالت متوسلة:
"فهل تسمح لي الآن بمقابلته؟".
" كلا! بل أعتقد أنه ينبغي الآن أن تستخدمي تذكرة العودة الى تورفيج وأن تنسي تماما أنك عرفت جيريمي".
صاحت في غضب:
" لن أفعل شيئا من ذلك ! أن من حقي مقابلته, لقد جئت الى لندن وسأبقى فيها مهما قلت".
وقف أمامها وأمسك بذراعيها بأحكام ,وعيناه متجهمتان , وقال:
" أسمعي! أنني أقول هذا لصالحك , أنسه وعودي الى موطنك , ألا يمكنك أن تثقي بكلمتي وأن هذا أفضل ما تفعلين؟".
قالت في غضب:
" لن أثق بكلمتك حتى أذا قلت لي في أي يوم نحن من أيام الأسبوع!".
سقطت عنها يداه بسرعة جعلتها تهتز قليلا , وتشعر بدوار , فتساءل:
" ما بالك؟".
" أنني آسة , الجو هنا مفرط الدفء".
" ليس على هذا النحو , هل تناولت طعاما؟".
" تناولت بعض الشطائر في القطار".
تذكّرت بأعياء بأن هذا كان من وقت بعيد ,وقال ساخرا:
" لا بد أن هذا كان مريحا جدا , حسنا , يجدر بك أن تخلعي هذه السترة المفزعة وأن تأتي معي".
قالت بأمل:
" لنقابل جيريمي؟".
" كلا , لتتناولي بعض الطعام قبل أن يغشى عليك , وأريدك أن تغادري هذا المكان على رجليك , لا محمولة على نقالة!".
أوشكت كاتريونا أن تلقي بعرضه المهين في وجهه عندما خطر لها بالفعل كم هي جائعة , فتبعته في خضوع عبر البهو الى مؤخرة المنزل حيث يوجد مطبخ كبير براق.
كل شيء فيه يلمع وبه من الأجهزة ما لم تكن كاتريونا قد رأته الا في صور المجلات , وشعرت بنوع من الحسد , وبدا لها من الظلم أن تكافح العمة جيسي في حياتها , بينما يعيش هذا الرجل البغيض في جو من الرفاهية لا يحتاج معه الى رفع أصبعه , وما لبث أن نادى المرأة التي كانت قد أدخلت كاتريونا فجاءت مسرعة.
" السيدة بيرش و هل تستطيعين أعداد أفطار لهذه التافهة المتضوّرة؟".
وأشار الى كاتريونا أشارة عابرة جعلتها تشتعل غضبا , بينما أستطرد قائلا:
ستكونين آمنة مع السيدة بيرش , وسأنهي حلاقتي وأرتدي ملابسي".
وأختفى بينما شرعت السيدة بيرش في أعداد المائدة والطعام , ونصحتها بالجلوس عندما وجدتها محتقنة الوجه, فأذعنت كاتريونا قائلة:
" لقد تلقيت نوعا من الصدمة".
" كان في وسعي أخبارك أنه لا يقابل أحدا في مثل هذا الوقت من الصباح , وعندما رأيت هذا الغيتار معك, قلت لنفسي أن هذه المسكينة ليس أمامها فرصة".
" غيتاري؟".
" أنه لا يقدم فواصل موسيقية يا عزيزتي , وكلها قضايا تجارية وأفلام تسجيلية , لقد ظننت أنك تعرفين ذلك".
حدقت فيها كاتريونا في حيرة تامة , فقالت في أستهجان:
" أنك تعرفين من هو , أليس كذلك؟".
" كل ما أعرفه أنه عم جيريمي".
" يا الله! أنه منتج تلفزيوني يا عزيزتي, وله برنامج هنا , والآن يعرض يوم الأثنين , وقد حصل فيلمه التسجيلي عن مدمني الخمر في العام الماضي على جائزة".
" أخشى أنني لا أشاهد التلفزيون , فليس عندنا جهاز".
ذهلت السيدة بيرش وكأن كاتريونا قد أنبثق لها فجأة رأس ثان , وقالت:
" وكنت أظن طوال الوقت أنك تزعجينه من أجل وظيفته".
أحمر وجه كاتريونا وقالت:
" كلا , لا شيء من ذلك".
وضعت أمامها كوبا من الغريب فروت وقالت:
" أنني مسرورة لذلك".
ثم أسرّت اليها بصوت منخفض:
" كلما علت شهرته يا عزيزتي ,كان ذلك أسوأ , أن كثيرا من الفتيات يعتقدن أن مفتاح الشهرة والحظ وغير ذلك بيده , فهو يعرف كثيرا من الناس في التلفزيون , وكلمة واحدة منه يمكن أن تفعل الأعاجيب , وأنني لمسرورة لأنك لست واحدة منهن".
ما كادت كاتريونا تفرغ من طعامها , حتى عاد جيسون لورد, وكان في بذلته السوداء يبدو أكثر بغضا , وكافحت رغبة دفعتها للتراجع وهو ينزلق على مقعد قريب منها , قال في برود:
"هذا أفضل , فأنت تبدين اللآن أقرب الى البشرية!".
وضعت السيدة بيرش قدحين من القهوة أمامهما وأنصرفت, قالت كاتريونا في تصلب:
" لقد جعلتني ممتنة لك".
فقاطعها قائلا:
" ردي هذا الأمتنان أذا, من فضلك , بالعودة الى بيتك".
" ليس لي بيت!".
تحولت لهجته الى برودة الثلج مرة أخرى ,وهو يقول:
" لقد ظننت أنك ستنتقلين للأقامة مع أبن أخي؟".
قالت في تعاسة:
" كلا, لقد قلت لك , أننا سنتزوج".
تطلع بنظرة ذات مغزى الى يديها الخاليتين من الخواتم , وسأل:
" أنتما مخطوبان رسميا؟".
ترددت في بؤس , وهي لا ترغب في أن تشارك هذا الرجل ولو بجزء من سرها الثمين, ثم وفي بطء بالغ حلّت أعلى زرين من بلوزتها ذات الأكمام البيضاء وجذبت السلسلة الفضية التي تضعها حول عنقها , كان هناك جسمان معدنيان يتدليان منها , مفتاح صغير وخاتم فضي به حجر , أنها حلية رخيصة ولكن جيريمي كان قد أشتراها لها يوما ما في فورت ويليام, وقال لها هامسا وهو يضهها حول أصبعها ويقبلها :
" ألى أن أتمكن من شراء خاتم مناسب ".
وشعرت عندئذ بأنها كادت تموت من فرط السعادة ,وبدت بعض هذه الغبطة التي تذكرتها في وجهها وهي تمد راحتها المبسوطة بالخاتم الى جيسون لورد, وطال الصمت ثم قال بصوت خال من أية عاطفة:
" فهمت".
وتطلعت اليه في حيرة , ولكن عينيه كانتا مغلقتين وهو ينظر الى دخان سيكارته المتصاعد.
قالت وصوتها ينم عن التوسل :
" ستدعني أقابله , أليس كذلك؟".
أطفأ سيكارته بعنف مفاجىء وقال:
" أجل , أجل يا آنسة موير , لقد فزت, سآخذك اليه هذا المساء".
لم تصدق فوزها , ولكن هذا التأخير غير الضروري ضايقها في الوقت نفسه على ما يبدو , فتساءلت:
" لماذا ليس الآن؟".
" لأنه مسافر وسيعود الليلة , أن أمه ستقيم حفلا , ولم أكن أنوي الذهاب اليه, ولكنني سأذهب الآن , وسآخذك معي".
قالت كاتريونا على الفور:
" ولكنني لن أدعك تفعل ذلك".
لم يكن ذلك يجري على النحو الذي خططته للقاء جيريمي أن يتم اللقاء في حفل تبدو فيه متطفلة.
قالت:
" سأكون متطفلة على مثب هذا الحفل , ثم ليس لديّ ما أرتديه له".
" هذه هي الصيحة الخالدة للمرأة , ولكنها يمكن أن تكون صادقة في حالتك ,كما أنك لن تكوني متطفلة, ستذهبين كضيفة لي , أن ماريون تتوقع مني دائما أن أصطحب صديقة ما لحفلاتها".
شعرت كاتريونا بموجة نفور تتصاعد في أعماقها لفكرة أصطحابها كصديقة له , وقالت في أرتباك:
" أنني موقنة من أن هناك أناسا آخرين تفضل أصطحابهم".
رد على الفور:
" عشرات!".
ثم أنحنى الى الأمام فجأة, ولمست أصابعه الطويلة أنحناءة عنقها , وأجفلت وكأنما مسها لهب مفاجىء , ولكنه قال:
" لا تكوني حمقاء , أنني تواق فقط لأن أعرف ما هذا".
كان المفتاح الذي يشترك مع الخاتم في السلسلة , قالت في أضطراب :
" هذا هو مفتاح صندوق نقودي".
تساءل بحاجبين مرفوعين:
" صندوق نقود ! أي صندةق نقود؟".
وهكذا وجدت كاتريونا نفسها بحكم الظروف تخبره بأمر العمة جيسي وبيع بيت موير , وأستطردت:
" وعندما تمت تسوية كل شيء , كان لدي نحو مائتي جنيه , أنفقت بعضها على تذكرتي وسيارة التاكسي , ولكن الباقي في الصندوق في حقيبة الكتف".
" كنت تحملين كل ما تملكين من مال في هذه الدنيا وأنت تطوفين لندن هذا الصباح ! وماذا لو تعرضت للسرقة؟ أنت يا فتاتي العزيزة لا تؤتمنين على الخروج بمفردك!".
قالت كاتريونا في أستياء:
" أستطيع أن أرعة نفسي ونقودي ".
" أيمكنك ذلك الآن؟ بالفعل يمكنك على نحو يجعلك تخطئين الطريق الى شقة رجل غريب , وتتقدمين بكل أنواع المطالب , وتبقين لتناول الأفطار بدون أن يساورك خاطر عما ستضطرين الى أعطائه في المقابل".
" أنني مستعدة تماما لأن أدفع لك".
ولكنه أسكتها بوضع أصبعه على شفتيها المنفرجتين , فسرت فيها قشعريرة غريبة , وقالت لنفسها أنه لم يسبق أن لمسها أنسان تحتقره كما تحتقر هذا الرجل".
" ولكن , فلنفرض أنني طلبت الدفع عينا لا نقدا".
قال ذلك وعيناه تأسران عينيها , وأدركت تماما أن تنفسها قد أسرع بغير أرادة منها , ووجدت نفسها تقول في هدوء منعش:
" سأصرخ طلبا للسيدة بيرش".
" أنك تفترضين أنها ستكون في صفك , لعلها تكون كذلك , أنها ضعيفة أزاء الشاردين والضالين".
ثم بحركة لا مبالية أشعلتها غضبا ترك المفتاح والخاتم يسقطان في فتحة صدرها , وشعرت بدفئهما على نحو مزعج من أثر أصابعه , وأحست من جديد بتلك القشعريرة , قال وهو ينزلق عن كرسيه:
" حسنا , حان وقت ذهابي الى الأستديو , وذهابك الى الفراش على ما أظن".
شهقت كاتريونا قائلة:
" الفراش!".
" بالطبع , لا تقولي لي أنك نمت كثيرا في ذلك القطار ليلة أمس".
" لا , ولكنني لا أستطيع النوم هنا".
" ولم لا , أرجو ألا تبدأي في التصرف كعذراء مصابة بهستيريا , قلت لك أنني ذاهب الى العمل ,وسأجعل السيدة بيرش توقظك في نحو الثانية والنصف, ثم أحضر في الثالثة لأصطحبك للتسوق".
" التسوق؟".
" وهل يجب عليك أن تكرري كل كلمة أقولها؟".
قالت وهي تفكر في مالها القليل , وفي أنه ليس في وسعها أن تذهب الى جيريمي وهي خالية الوفاض تماما.
" ولكنني لست في حاجة الى التسوق".
" بل تحتاجين الى رداء للحفل".
قال ذلك ببرود , ثم أنصرف قبل أن تستطيع مجادلته , وبعد لحظة سمعت صفق الباب الأمامي , فأستندت الى المائدة ورأسها يدق , وضغطت بأطراف أصابعها على جبهتها وهي تطلق تنهيدة خفيفة , أنفيه كل ما يستحق الأزدراء ... بل أنه يستعذب على نحو شاذ أثارة أعصابها , ولم يمنعها من ألتقاط حاجياتها والفرار بأسرع ما تستطيع ألا خاطر ساورها بأنه سيأخذها الى جيريمي في المساء.
وما لبثت السيدة بيرش أن جاءت تدعوها الى النوم بصوت عطوف , ووجدت الفراش لينا ودافئا فتمددت فيه بأسترخاء وغفت.

2- صفعة في القلب
وأيقظتها يد على كتفها , كانت السيدة بيرش تحمل صينية القهوة.
" سيعود السيد لورد قريبا, ولا بد من أستعدادك , فهو يكره الأنتظار".
تملكها أغراء بأن تعلن عدم أكتراثها بما يحب السيد لورد وما يكره , ولكنها أدركت أنها في هذه الظروف ستكون فظة.
" أن الحمام يقع عبر الردهة , وسأضع هناك مناشف نظيفة , أذا أردت أن تأخذي دوشا".
" أشكرك... لقد كنت بغاية اللطف".
" هذا من دواعي سروري , وأنني آمل أن نتقابل مرة أخرى يا آنسة , وأذا كان لي أن أقول...".
ثم أخفضت صوتها وأسرّت اليها قائلة:
" لو كنت مكانك لما أرتديت هذا الجينز , لست في الغرب هنا على أي حال , أنه مناسب لكيغز زود , لكنني لا أعتقد أنك ستذهبين هناك...".
قالت السيدة بيرش ذلك وأنصرفت, وفرغت كاتريونا من هوتها وأنزلقت من الفراش ,كان الجينز والقميص موضوعين على مقعد منضدة الزينة , فألتقطتهما وعلت وجهها علامات التمرد , كل ما لديها في حقيبة الكتف هو رداءان من القطن صنعتهما في الأسبوع الماضي , وبعض السويترات الصوفية, وما لبثت أن نفضت شعرها الأسود بقوة عن وجهها وخطت الى الحمام , كانت تسوي شعرها في شكل ذيل حصان عندما عاد جيسون لورد , سمعته يعبر البهو وهو يصفر ثم يتوقف خارج بابها قائلا:
" أأنت مستعدة يا آنسة موير؟".
" مستعدة تماما".
وألتقطت سترتها الدوفيل وخطت اللا البب , ولدهشتها لمحته يبتسم لها ساخرا عندما ظهرت في البهو , قال وهو يتفحصها:
" أنني أجد الفتاة التي تلتزم بمبادئها , تعالي يا سندريلالا , فسوف نذهب الى الحفل الراقص".
تبعته ودمها يغلي الى الباب الأمامي , وهبطت الدرج الى السيارة المصقولة ذات اللون البيج التي كانت في أنتظارهما ... وحاولت كاتريونا أن تلتفت الى كل منعطف تمر به السيارة , ولكنها سرعان ما تملكها الذهول , كانت الشوارع أوسع الآن , وحركة المرور أكثف, وظهرت المحال بدل المنازل وشاهدت كاتريونا من اللافتات التي تعلق عن المسارح والمطاعم مما لم تكن تحلم بوجوده أبدا , قالت تلقائية غريزية , وأن أسفت بعد ذلك لما تبديه من سذاجة :
" أنني لم أر مثل هذا العدد الكثير من الناس من قبل؟".
" في أيام الآحاد ستجدين الشوارع في مثل هدوء تورفيج".
وجدت كاتريونا نفسها بعد دقائق في محل ضخم, وكانت يد جيسون لورد تحت كوعها تدفعها حثيثا بين الجموع وهي ترمق المعروضات الفاخرة من الأيشاربات وحقائب اليد وتشم روائح وهي تمر في قسم التجميل , وقال جيسون:
" هل نصعد بالمصعد أو بالسلم الكهربائي , أنني آسف, فأنا أعاملك كطفلة ولكنك تبدين صغيرة جدا في هذا الجينز وشعرك معقود الى الخلف".
" أعرف, مثل الضالة الشريدة؟ ثم أنني لم أصعد بالسلم الكهربائي أبدا".
" هيا أذا , أستندي الي أذا شئت".
" الحاجز يكفي!".
وغاصت قدماها في سجادة كثيفة , وكانت ثمة موسيقى ناعمة تتردد , وفي كل مكان ملابس علقت على الموديلات , ومشبوكة على أطارات من الأسلاك , ومدلاة على حواجز وحوامل دائرية , وشعرت بأنها تحلم , ثم دهمها خاطر جعلها تضطرب فتعلقت بكم جيسون لورد وهي تقول:
" نقودي! لقد تركتها في حقيبة الكتف!".
ألتفت اليها وقال:
" حسنا , وماذا في ذلك؟".
" ليس معي ما يكفي لشراء شيء هنا!".
" لم أشر عليك أبدا بأن تحملي مالا كافيا , والآن تعالي , أن أمامنا الكثير , أولا- أننا لا نعرف أذا كنت ستجدين هنا ثوبا تحبينه".
شهقت كاتريونا قائلة:
" ولكن هنا مئات من الأثواب".
" أنت أمرأة غير عادية أذا كان هذا يشكل فارقا ما , آه , ها هو الشخص الذي نريده".
ودفعها نحو سيدة رمادية الشعر في رداء أسود أنيق , تقف بجانب حامل للمعاطف وهي تدرس بعض الأوراق".
" مرحبا يا سيدة كوثبرت , أننا في حاجة لمساعدتك".
" السيد لورد!".
أبتسمت المرأة أبتسامة ساحرة ثم أنطلقت منها صيحة دهشة وهي تلتفت نحو كاتريونا وتراها بملابسها تلك.
قال جيسون لورد وهو يمسك كاتريونا من كتفيها ويدفعها الى الأمام :
" أنها ستذهب الى حفل السيدة لورد معي , وليس لديها ما ترتديه , فماذا في وسعك أن تفعليه لها؟".
درستها السيدة كوثبرت وقد أحمر وجهها , وقالت بحذر:
"حسنا , هناك أمكانيات , ماذا تحتاجه؟".
قال جيسون لورد وهو يطلق كاتريونا ويتراجع:
" كل شبء , وشعرها يا سيدة كوثبرت أنني لا أعرف من يتولى زوجة أخي , ولكن...".
قالت السيدة كوثبرت:
" أنها الآنس باربارا , سأتصل تلفونيا بالصالون , وأرى أن كان في وسعها أن تحدد موعدا يدخل في قائمة مواعيدها".
قال وهو ينظر الى ساعته:
" جميل – نلتقي في المطعم بعد ساعتين؟".
" سأرسلها اليك هناك".
شعرت كاتريونا بالغضب يجتاحها من الداخل , كأنهما يتحدثان عن دمية من تلك الدمى الواقفة في أنحاء المحل! ثم من الذي سيدفع من هذا كله؟ لا بد لها أن تجد مكانا تعيش فيه حتى يتم زواجها من جيريمي ,وهي لا تستطيع أن تحمل أنفاق , ولو جزء يسير من مالها المحفوظ على رداء حفل لا تحتاج اليه , ولكن جيسون لورد كان في طريقه الى الأختفاء , وكانت السيدة كوثبرت تقودها الى غرفة تجربة الأزياء.
وقفت كاتريونا فيما بعد في المساء أمام المرآة في غرفة النوم الصغيرة بالشقة وهي تتطلع الى نفسها غير مصدقة , كان الرداء مثل خضرة عينيها , وكان صدره المنخفض موشى ببلورات متألقة وعلى الكتفين شرائط ضيقة من اللون نفسه , والجزء الأسفل من الساتان يصل الى الأرض ويخفي حذاء قدميها العالي الكعبين , وداخلها العجب وهي تفكر في أنها سندريلالا حقيقية.
وكان شعرها قد قص على نحو يشي بالخبرة , قد ترك ليسترسل ناعما ومتألقا الى كتفيها , ليلتف عند الطرفين , وماكياجها خفيفا , وقد أستخدمت فيه ظلال العين والماسكارا على نحو ما أرشدتها الفتاة في صالون التجميل , وشفتاها تبرقان بلون وردي خفيف , وعلى منضدة الزينة كانت حقيبة سهرة صغيرة مرصعة بالبللورات , فألتقطتها ووضعت على ذراعها دثار الكتف الذي كان في لون ثوبها , ومضت عبر البهو الى الغرفة التي قابلت فيها جيسون لورد من قبل , وكان يقف مستندا الى رف المدفأة وفي يده كأس , وتطلع نحوها فتوقفت في أضطراب وهي تنتظر أن يبدي ملاحظة شائكة , ولكن الصمت طال , وشعرت على نحو غريب بخيبة أمل.
دعاها الى تناول بعض الشراب فأعتذرت شاكرة وتناول منها الثار ووضعه على كتفيها , وشعرت بلمسته لبشرتها العارية , فتحركت بعيدا , ومضت بهما السيارة وقتا طويلا في صمت , وظلت تسترق النظر اليه ولكن عينيه كانتا مثبتتين على الطريق , فلم تر منه الا جانب وجهه الصارم, قالت:
" أن الثوب فاضح!".
قال بدون أن ينظر اليها:
" لا أقول ذلك , أنه يكشف قليلا فقط أكثر مما أعتدت , هذا كل شيء".
فقالت في حررة:
" أنني لم أعن هذا , وأنت تعرف ذلك... أنني أقصد الثمن!".
" لا تقلقي بشأنه , فهو يدخل في حساب الأسرة , أن لوالدة جيريمي حسابا هناك كما لا بد حزرت , ويمكننا أن نضيفه الى حسابها أذا كنت تفضلين ذلك".
" لن تفعل شيئا كهذا , أنك تسخر مني مرة أخرى".
" قللا ,لماذا لا تنسين مسألة الثمن هذه وتبدأين التفكير فيما ستقولينه لجيريمي ؟ من المؤكد أن هذا أهم من أي شيء آخر , ركزي على الحوار يا قرة عيني ... وأنسي كل شيء آخر".
" أتمنى ألا تناديني ب قرة عيني|!".
" أعرف ذلك , ولهذا , ي قرة عيني , أقولها أكثر!".
" كي تضايقني فقط؟".
" أنت تقتربين من الطعم بطريقة جميلة منتظمة!".
حملقت كاتريونا في الظلام عبر زجاج النافذة, كانت تعرف أن والدي جيريمي يعيشان خارج ستينز قرب النهر , وكانت تفترض أنه سيأتي يوم تألف فيه هذا الطريق ,والبيت الذي سيذهبان اليه , ولكنها الآن شعرت بضياع , وقد أفزعها أن تدرك أعتمادها المطلق على هذا الغريب بجانبها , لقد صدقت قوله أن هناك حفلا , ولكنه قد يأخذها الى أي مكان آخر.
أبطأت السيارة ثم أنعطفت عبر بوابة بيضاء لتسلك طريقا ضيقا , ورأت كاتريونا أنوار بيت كبير وسمعت وقع موسيقى منتظمة , وعندما أوقف السيارة وفتح لها الباب , ظلت ساكنة للحظة وهي تستجمع شجاعتها فتساءل :
" هل أنت باردة القدمين؟".
كان يسألها أن كانت خائفة , ولكنها تعمدت أن تسيء فهمه , وقالت:
" أنني أشعر بدفء تام , أشكرك".
وأطبقت يده على يدها وهو يساعدها على النزول من السيارة , وكادت للحظة أن تضغط على أصابعه مثلما يضغط على أصابعها , ولكنها تذكرت في الوقت المناسب من يكون , والمعاملة التي أضطرت الى تحملها من جانبه , فأنتزعت يدها بعيدا.
وذهلت عندما عادت الى صوته النبرة القاسية وهو يقول:
"تعالي أذا يا آنسة موير , هذا ما أردته , فأستمتعي به".
وقادها بحنكة بين مجموعات من الناس كانوا يتحدثون في البهو الى غرفة واسعة , ولاحظت كاتريونا أن هناك نوافذ فرنسية مفتوحة في أحد الجوانب تقودها على ما يبدو الى بيت كبير للنباتات , وقال جيسون:
" ها هو كليف , لا يمكن أبدا أن يكون بعيدا عن المشروبات, أستعدي يا قرّة عيني , أنت على وشك مقابلة أخي المحترم ,ووالد جيريمي".
وكان كليف لورد أقصر قليلا من أخيه , له شعر منحسر قليلا وكرش بدأ يبرز , وبدا أكبر سنا من جيسون , ولكن كاتريونا لمحت في أبتسامته بعض ما ذكرها بجيريمي , فهشت له.
" لا أظن أنني رأيتك هنا من قبل مع جيسون يا آنسة موير؟".
قالت وهي تبتسم له ووتجاهل أبتسامة جيسون الساخرة:
" أرجو أن تناديني بكاتريونا".
وغمغم جيسون لأخيه:
" لا أظن أنك تعرف كم تتشرف يا كليف , وعلى فكرة متى تكون اللحظة الكبيرة؟".
" أوه , عن قريب , ومع ذلك فأنني لا أرى حاجة الى كل هذه الضجة , لقد حدث نفس هذا الهراء في يوركشاير في الأسبوع الماضي , ولكنك تعرف ماريون لا أحد يغلبها بالطبع".
" بالطبع ... تعالي يا جميلتي لا نريد أن يفوتنا شيء".
شعرت كاتريونا بغضبها يتصاعد , وتساءلت:
" ما الخبر؟ أين جيريمي؟ لا بد أن أراه وحده بضع لحظات".
" سنراه الآن".
وجذبها عبر البهو الى غرفة غاصة بالناس ,وناولها بعض الشراب , وظهر كليف بجوارها متألقا وقال:
" والآن , علي أن أقوم بمهمتي".
ومضى بين الجميع ,وبينما كانت كاتريونا تلتفت الى جيسون , على شفتيها توسل بأن يصحبها فورا الى جيريمي , حط على المكان سكون مفاجىء , وتلفتت حولها في ذهول , وأخيرا لمحت جيريمي , كان يقف في نهاية الغرفة مع سيدتين , كانت أحداهما على ما أيقنت كاتريونا على الفور والدته , كانت طويلة شقراء الشعر , ترتدي ثوبا غاليا , وتتلهّى في عصبية بخواتمها , وأدركت كاتريونا في الوقت نفسه , وهي غير مصدقة, أن السيدة الأخرى , ولم تكن أكثر من فتاة في الواقع تتعلق بذراع جيريمي على نحو يوحي بالأمتلاك , وكان يرتدي بذلة المساء وقد حلق لحيته وقص شعره , وكان يبدو مختلفا عما تصورته كاتريونا وهي منزعجة , ثم ألتفتت الى الشقراء المكتنزة الجميلة بجواره وأبتسم لشيء تقوله , وجعلته هذه الأبتسامة يبدو لكاتريونا في صورة جيريمي المألوف المطمئن من جديد.
ورن صوت كليف في الغرفة:
" والآن أيها الأصدقاء , أرفعوا كؤوسكم , فسنشرب نخب جيريمي وهيلين ونتمنى لهما حياة مديدة وكل السعادة!".
وقفت كاتريونا فاقدة الحس , وأصابعها تقبل على كأسها بينما كان جيريمي ينحني ويقبل العروس , التي أبتسمت ورفعت يدها ليتمكن الجميع من رؤية الخاتم الماسي المتألق الذي يزين يدها.
أطلقت كاتريونا صيحة صغيرة مخنوقة , وأرتفعت بها الغرفة وأنخفضت وغامت , وسمعت صوت كأسها تتهشم على الأرض وهي تستدير وتجري , ولحقت بها الخادمة مستفسرة , بينما كاتريونا تجاهد لتجذب حلقة الباب الأمامي التي كانت بمثابة مقبض , ويداها تنزلقان وهي تشعر بهستيريا تتصاعد في داخلها , وأمسكت يدا جيسون بكتفيها , وقال بصوت هادىء:
" تعالي ألى بيت النباتات يا عزيزتي".
وكانت قبضته محكمة , وبدا لها أن محاولة التخلص منها كمحاولة التحرر من رذيلة ما , ولم يعد لديها القوة على الصراع , فتركته يقودها عبر الغرفة التي دخلاها في البداية , ورفع ستارا مخمليا طويلا فمرت كالآلة , ولو كانت الظروف عادية لأبتهجت كاتريونا وسط هذا الجو من الروائح والمشاهد الرائعة , المصابيح تتدلى من حبال ممتدة عبر السقف الزجاجي , وأضواؤها تنعكس من صفوف الأوراق والشتلات اللامعة ومن بركة صغيرة منخفضة وسمك صغير زاهي اللون بين الحصى والزنابق , وقفت كاتريونا تتطلع اليها وذهنها يرقب بأنهزام تام كل حركة سريعة وكل موجة مائية , ورغن الجو اللطيف المعتدل , فقد شعرت ببرودة الثلج.
دفع جيسون الى يدها بكأس شراب قائلا:
" أشربي هذه ولا تسقطي الكأس هذه المرة , فكؤوس الخدمة غالية الثمن , كما تدركين كأسكتلندية".
جرعت الشراب وشعرت بمرارته في حلقها وساعدها ذلك على مواجهة الموقف , فقالت وصوتها على وشك الأنهيار:
" لقد كنت تعلم , كنت تعلم؟".
فوضع قدمه على الحافة المنخفضة للبركة , وقال وهو يرتشف رشفة من كأسه :
" كنت أعرف بالطبع".
" ولم تخبرني؟".
" كلا".
فقالت هامسة وعيناها تغشاهما الدموع التي لم تسمح لها بالأنهمار:
" كيف يمكن أن تكون بهذه القسوة؟".
بدا وجهه غاضبا وهو يحملق فيها قائلا:
"كان لا بد أن أكون قاسيا لأكون عطوفا ! وقد بذلت جهدي لتخويفك , وحتى للتخلص منك , قلت لك أن تعودي الى أسكتلندا , ولكن لا... لم يكن شيء يعترض الآنسة كاتريونا موير, أليس كذلك؟".
قالت وهي تحاول السيطرة على صوتها المرتعش:
" ولماذا لم تخبرني بالحقيقة؟".
تطلع اليها بثبات وقال:
" لأنه لا يوجد كا كان يمكن أن يقنعك بأنها الحقيقة , لقد تصورت جيريمي في قالب البطل , وأنا بالطبع شرير المشهد , وكان يمكن أن تنبذي أي تحذير أقترحه اليك عن وجود هيلين بأعتبار أن له دافعا أبعد".
وقفت صامتة للحظة ممزقة بين صوتب ما قاله والشقاء الذي يوشك أن يغمرها , وكأنما أحس بصراعها فناولها منديلا أبيض , وكانت هذه الحركة التي تنم عن رعاية مفاجئة من جانبه بمثابة القشة الأخيرة , فأنحطت بجسمها على مقعد من البامبو المجدول وتركت الزمام لدموعها وفيما عدا تناوله لكأسها , لم يحاول لمسها , ولولا وهج ولاعته المفاجىء وهو يشعل سيكارته لما شعرت تقريبا بوجوده.
ولما عادت اليها سيرتها على نفسها وبدأ نحيبها ينحسر , أنتصبت في جلستها ببطء , وهي تخشى مراقبته لها وسخريته من منظرها المثقل بالهموم , ولكنه كان يجلس بجوار البركة يحملق في طرف حذائه , وجاهدت لتبدو هادئة.
" من هي من فضلك".
تطلع اليها قائلا:
" هيلين؟ أوه , أنها الفتاة الثرية المسكينة الأصل , والدها يعمل بصناعة الصوف والأسرة تقيم قرب براونود , وقد قابلت جيريمي في كيتزبول منذ نحو عامين".
" أذا كان قد عرفها طوال هذا الوقت , فكيف كان بوسعه أن يكون معي على الصورة التي أعرف؟".
هز كتفيه قالا:
"لم يكن لدي وقت أعطيه لجيريمي , كان مدللا على نحو ملعون عندما كان طفلا , ولست أعتقد أن كليف أدرك كم هو مدلل الا بعد فوات الأوان , أما ماريون فهي حمقاء الى حد ما , ولكنني ما كنت أظن أن مشاعرها يمكن أن تكون خخافية في أعماقها بوجه خاص , وربما يكون جيريمي قد أخذ منها هذا الجانب".
قالت بصوت مهتز:
" المسألة كذلك أذا".
فرد بخشونة:
"وماذا تريدين مني أن أقول؟ الأمر كله خطأ فظيع , أتظنين أنك أنت الفتاة التي أحبها , وأن ما عليك الا أن تعودي الى تلك الغرفة وأنت تبدين كالملكة , ليصبح لك على الدوام؟".
همست وشفتاها ترتعشان:
" لقد أحبني , أحبني , أعرف ذلك".
" ربما لفترة , أذا كان في هذا عزاء لك ,ولكنني أؤكد أنه حتى أذا كان أحبك كما تعتقدين , فأنه لم يكن ليتخلى عن مال هيلين من أجلك , ولم تكن ماريون لتدعه يفعل ذلك أيضا".
" أيها الشيطان!".
فأطلق ضحكة خفيفة قائلا:
" يا لسندريللا المسكينة ! قطعت كل هذه المسافة لتجد أميرها الفاتن قد تحول الى نبات اليقطينة , وعليها أن تعود الى بيتها مع ذي اللحية الزرقاء!".
حدقت كاتريونا في المنديل الذي كانت تمسك به , ولحظت في طرفه الحرفين الأولين من أسمه وتذكرت أن اسم جيريمي يطابق الحرفين , وبدأت عيناها تسحان بالدمع من جديد , فقال جيسون بحسم وهو ينهض:
" أوه ... لا ... لقد نلت من هذا ما فيه الكفاية يا آنسة موير, ولعلك قد رفعت من درجة الرطوبة هنا وقتلت الأنواع النادرة التي تملكها ماريون ,والآن لا بد أن نتحدث بصراحة".
قالت في يأس , وهي تلمي ثوبها بنفور:
" وهل هناك ما يمكن قوله؟ أنني لا أفهم لماذا جئت بي الى هنا على هذا النحو".
قال ببرود:
" أنك أذا أقل قدرة على التصور مما ظننت , أن هذا الثوب الذي ترتدين كان مجرد وسيلة للتنكر , هل تظنين أن أحدا هنا الليلة قد ألقى عليك نظرة ثانية الا لمجرد أنك فتاة بالغة الجاذبية؟ لو كنت قد أكتفيت بأعطاء العنوان لك وتركتك تظهرين بهذا الجينز اللعين وحقيبة الكتف تلك , لظلوا يتساءلون عنك وقتا طويلا ! أكان هذا ما تريدين؟ كان الجميع سيحدقون بك ويضحكون .... تأكدي من ذلك يا طفلتي , حسنا , لقد شعرت بمهانة , ولكن لا أحد يعرف ذلك سوانا .... وجيريمي على ما أظن , أعتقد أنه لمحك وأنت تخطئين في محاولة الخروج , وقد بدا كأنما هو مضروب بفأس لتوه , ولكن بالنسبة الى الآخرين , فأنت فتاة جيسون الجديدة , شئت أم أبيت".
" لا بد أن أنصرف".
" أمامنا أمور نناقشها الآن".
قالت بهدوء:
" ليس عندي ما أناقشك فيه يا سيد لورد".
فرمى بسيكارته ووطأها بقدمه قائلا:
" لا بأس , أنك متضررة وغاضبة لأنني أنزلتك من السماء السابعة بصدمة , ولكن الأمور كانت سترغمك على النزول يا كاتريونا ألا ترين ذلك؟ جئت الى لندن بمحض أرادتك , ورأيت جيريمي كما كنت تصرين , والآن حان الوقت لتجمعي شملك , أنت لا تبكين على جيريمي الآن , بل على الحب الأول وما يعنيه , حسنا , أن الحب الأول ليس هو كل شيء".
قالت بسخرية مريرة:
" أوه , أنني أصدقك , وموقنة أنك خبير , لا بد أن هذا الأمر يسري في العائلة!".
" حتى أذا كنت محقة فأنني على الأقل أدير شؤني مع نساء يعرفن جلية الأمر , فأنا لا آخذ الحلوى من الأطفال , الطفل وحده كان يمكن أن تنطلي عليه أفعال غرّ مثل جيريمي".
قالت في أعياء , وهي تمد يدها:
" ربما أستحق ذلك , وداعا يا سيد لورد".
فتجاهل يدها الممدودة وتساءل:
"كيف تنوين الأنصراف من هنا؟ وأين تفكرين في الذهاب؟".
أنتفضت كاتريونا قائلة:
" هناك سيارات تاكسي , وفنادق على ما أظن".
" هناك بالفعل , ولكن أذا كان لديك مال فقط , بينما بعش الفنادق المحترمة تود أيضا أن يكون معك متاع".
سكتت كاتريونا , بدا الأمر كلعبة الشطرنج مع خبير , كل حركة تحاولها كانت متوقعة مقدما".
قال بهدوء:
" فلننظر أذا الى البديل , أذهبي الى أعلى وأصلحي مكياجك , ثم واجهي جيريمي على النحو الذي لا مناص منه".
ثم أمسك بذقنها , فتراجعت بغير أرادة منها , وقال:
" نعم... فولي له ما تودين قوله , ما دامت ليست الحقيقة , لا تدعيه ينال هذا الرضى , ثم أصحبك بعد ذلك الى البيت وأنت محتفظة بكبريائك".
ولم يخطر لكاتريونا ألا وهي جالسة في أحدى الغرف الفاخرة الأثاث تجدد أحمر الشفاه , أن جيسون لورد لم يحدد أين البيت المقصود.
وكما تنبأ تماما, خرجت من الغرفة لتجد جيريمي ينتظر خارجها , قال بوجه ممتقع , وهو يبلل شفتيه بعصبية :
" ترينا؟ لم أستطع أن أصدق , ماذا باللهو تفعلين هنا؟ ومن جاء بك؟".
دهشت كاتريونا بعد ذلك للطريقة التي قفزت بها الكذبة بسرعة الى شفتيها , قالت:
" أوه, أعلم أن ذلك كان خسة من جانبي , ولكننا جيسون وأنا , فكرنا كم ستكون دعابة أذا ظهرت أنا , كشبح من الماضي , وكان وجهك رائعا عندما شاهدتني , ولم يكن هذا المشهد ليفوتني".
كان الأرتياح وعدم التصديق يتصارعان في ملامح وجهه , وتساءل:
"أنت فتاة جيسون؟".
قال جيسون وهو ينضم اليهما , ويبدو مسرورا بعض الشيء:
" هذا صحيح تماما , ولا أعتقد أنك تدرك ما تركته يفلت من قبضتك هذه المرة يا أبن أخي العزيز".
ضحك جيريمي في أضطراب , وقال:
" أوه , أن ترينا مرك, أنني ... لا ألومك على الأطلاق.... الأمر فقط كان .... مفاجأة".
قالت كاتريونا بمرح:
" العالم كله مليء بالمفاجآت , أيها الحمل المسكين , كان يتعيّن عليّ أن أعرفك بأنني هنا , ولكن جيسون لم يدع لي وقتا للتنفس منذ جئت الى لندن".
وقف جيسون بجوارها , وألقى بذراعه بخفة على كتفيها , وشعرت بالحافز المألوف على الأبتعاد , ولكنها أضطرت الى البقاء ساكنة بين ذراعيه , وقد وقعت في فخ أدعائها , ولحظت أنه يحمل دثارها على ذراعه, وتساءل جيريمي بصوت حاد من الفضول:
" هل تنويان الأنصراف؟".
" أجل ".
وقبل أن تتحرك كاتريونا , أو تحتج , أنحنى جيسون وقبلها ببطء وعمد , ثم أردف قائلا وهو يبتسم لعينيها المغمضتين:
" الوقت حان على ما أعتقد كي تذهب كل الفتيات الصغيرات الطيبات الى الفراش!".
أحمر وجه جيريمي وهو يتطلع الى كاتريونا محاولا أن يسبر أغوارها ,وقال وهو يحاول أظهار اللامبالاة:
" هكذا الأمر أذا؟ أتمنى لكما السعادة".
وقال جيسون بدون أن يخفي لمحة السرور في صوته:
"هذا بالأضافة الى أن سالي لن تغفر لي أذا أبقيت كاتريونا في الخارج لوقت متأخر".
نظر اليه جيريمي بسرعة قائلا:
" سالي فنتون أتقيم ترينا معها؟ لقد فهمت أذا!".
قال جيسون بخفة , وهو يتناول يد كاتريونا:
" ليس بعد , هيا يا حبي , حان وقت الذهاب".
ثم أضاف وهو يمضي بكاتريونا قائلا للفتى الحائر المرتبك:
" قل لوالدتك أنني سأتصل بها تلفونيا".
وفي السيارة تحولت اليه غاضبة, قالت:
" كيف حرؤت على ذلك؟".
بدا هادئا والسيارة تخرج الى الطريق:
" كيف جرؤت على ماذا؟".
" أمساكك أياي بتلك الطريقة المهينة".
وأزداد غضبها عندما ضحك , وألقى عليها نظرة سريعة قائلا:
" أنت تتملقين نفسك يا آنسة موير , من المؤكد أن هذا لم يكن أقوى عناق عرفته , لا بد أن أحادث جيريمي في ذلك".
فهمست بمرارة:
" أسكت! على الأقل مع جيريمي لم أشعر أبدا بأنني ملوثة".
بدا في وجهه شيء يروح ويغدو , ولكنه ظل على سروره:
" أنني موقن أنك ستشعرين ... في الوقت المناسب!".
فكرت في رد يخرسه الى الأبد , ولكن لم تسعفها قريحتها بشيء , فلزمت الصمت... أما هو فبدا غير مكترث تماما , وأخذ يدندن بعض الألحان , ويعلق على أحوال الطريق , ثم فتح الراديو بعد أن أستأذنها , وكانت محطة أجنبية تنبعث منها موسيقى مريحة , وما لبثت أضواء الطريق والخطوط البيضاء أن أندمجت في غمامة ناعمة , وأنزلق رأسها جانبا على كتف رفيقها , وأستوى تنفسها وأصبح سلسا ناعما , ورأت نفسها تسبح على سحابة وقد أنعدم وزنها وتحررت من كل شيء , ثم راحت في سبات عميق لم تفق منه ألا وهي تشعر أن يديه شديدتين على كتفيها وهو يهزها , أذا بها تشهق التماسا للتنفس وتهب من تحت الغطاء لتجد جيسون لورد واقفا على رأسها يحمل طبقا وفنجانا , قال ساخرا:
" أنك لعنيفة هذا الصباح أيتها الصغيرة , هل تتناولين القهوة في الفراش أو خارجه؟".
هكذا أستيقظت مندهشة وقد تحول لونها الى القرمزي من رأسها الى قدمها وقالت:
" أتسمح بأن تخبرني كيف جئت؟ ماذا أفعل هنا؟".
قال وهو يجلس على حافة الفراش , الأمر الذي أثار أنزعاجها على الفور:
" جئت معي كما تعلمين , وأنت هنا كساكنة مؤقتة , وستغادرين هذا المكان متى أتصلت بسالي فتنون تلفونيا وأقنعتها بأخذك".
أرتعدت كاتريونا وقالت:
" كأنه ليس لي خيار في تنقلي هكذا , مثل لفافة غير مرغوب فيها".
" لست أعرف أذا كان لك خيار , أنني أعلم أن سالي تبحث عن فتاة تشاركها المسكن , وسيكون هذا ترتيبا يخرجنا من ورطتنا , ولست سعيدا بفكرة أنجرافك الى غابة المدينة بدون أن يرعاك أحد".
قالت كاتريونا بتحد:
" لست طفلة!".
" أوه .... كلا... أن أعمالك قد أتسمت بالنضج منذ نزلت من القطار!".
قالت محتجة:
" ولكنني لا أعرف سالي هذه".
" ستعرفينها كما تعرفين الفتيات اللواتي يقتسمن الشقق هذه الأيام , فأن بعضهن يعلن في الصحف والبعض الآخر يرد على الأعلانات , وسأتمم الترتيب في حالتك بدلا من الصحيفة ,وأنني موقن أنك ستحبين سالي".
قالت وهي تحاول تقليد سخريته:
" حسنا , هذا يجعل كل شيء على ما يرام. أليس كذلك؟".
" أنت وحدك التي تجعلين الشيء مقبولا , تقولين أنه ليس لك مكان تعودين اليه في أسكوتلندا , فقد يحسن بك أن تمثلي الحكاية التي رويتها لجيريم وتحاولي أمتاع نفسك في لندن على سبيل التغيير , وستعاونك سالي في العثور على وظيفة ما , أنها ممثلة ولهذا أعتادت أن تجد لنفسها أعمالا مؤقتة بين أرتباطاتها".
حملقت كاتريونا في الرسم الذي يزين الغطاء , وقالت بصعوبة:
"فهمت ,حسنا سأحاول ذلك وشكرا لك".
قال مبتسما:
" دعينا من المجاملات , وهيا , أشربي هذا وهو ساخنا".
قبلت منه الفنجان في تواضع , وبدأت ترشف منه , وما كاد يصل الى الباب حتى أوقفته قائلة بعينين متسعتين:
" أوه سيد لورد , أغفر لي سؤالي , هل سالي هي أحدى رفيقاتك؟".
وتوقعت أن ينفجر غاضبا , ولكنه أرتكن الى الباب وهو يبتسم بتراخ , وقال:
" كلا , حقيقة وأن كان أهتمامك يطريني , فهل سؤالك لأنك تصورت أنك أنضممت الى هذه الصفوف المختارة بنفسك؟".
وبرغم الغطاء الذي يسترها , شعرت كاتريونا عندئذ وكأنها قد كشفت تحت نظرته المحترقة الوقحة , وأستطرد متشدقا بالكلام:
" أذا كان الأمر كذلك فدعيني أحدد رأسك الصغير من مثل هذه الأفكار الوهمية , كما قلت لك ليلة أمس , أنني لا آخذ الحلوى من الأطفال , لا سيما عندما يكونون نياما , وأتطلب من رفيقاتي على حد قولك, أن يبقين على الأقل مستيقظات , وأن يعطينني أهتمامهن الكامل , وقد أخفقت أنت من الناحيتين!".
وأغلق الباب حلفه, في الوقت الذي أرتطمت به الوسادة التي كانت كاتريونا قد قذفته بها بكل قوتها.
وجدت كاتريونا أنها أحبت سالي لدى رؤيتها لأول مرة , وكانت سالي صغيرة الحجم , حمراء الشعر , ذات قسمات دقيقة متحركة وأبتسامة لعوب , وكانت عيناها ترقصان وهي تفتح الباب.
" جيسون يا ملاكي!".
وألقت بنفسها عليه في جزل قائلة:
" لقد أنقذت حياتي , لقد كنت يائسة منذ عاد الأحمق جيل الى برمنغهام".
خلص جيسون نفسه ولمعت عيناه وهو ينظر الى كاتريونا قائلا:
" كوني حريصة يا سالي , وألا أعطيت الآنسة موير فكرة خاطئة".
قالت سالي وهي تأخذ بيديها:
" آنسة موير ! بالطبع لا , أن الأسم هو كاتريونا أليس كذلك؟... أدخلي أرجوك ,وقولي أنك تحبين المكان وأنك ستبقين على الأقل لفترة , أنني في حاجة الى ما ستدفعينه من أيجار ... فضلا عن الرفقة".
قال جيسون وهو يجلس على طرف المائدة ويشعل سيكارة:
" لا تقولي لها ذلك , أنها أسكتلندية وبالغة الحساسية بالنسبة الى النقود".
قالت كاتريونا في أستياء:
"هذا ليس صحيحا".
وصاحت سالي:
" أوه , تجاهلي ذلك , فهو يقول أفظع الأشياء عن الجميع , ولكننا نسامحه لأنه شخص مهم!".
وأستأذن جيسون لأحضار حاجيات كاتريونا من السيارة ,وقالت سالي:
" سنرتب الفراش الآخر , أخشى أن تكون غرفة النوم صغيرة , وآمل ألا تكون لديك ملابس كثيرة".
بلعت كاتريونا ريقها , وقالت:
" لا أحمل معي تقريبا أية ملابس!".
ألتفتت اليها سالي وتأملتها للحظة ,ثم قالت:
" هذا عظيم.... يمكن أن نذهب للتسوق , لا تفزعي , فلن تحتاجي الى أنفاق كل مدخراتك لتعطي تأثيرا حسنا , ولن يكون من المستحسن في شيء الذهاب الى الوكالة التي أتردد عليها بملابس الجينز".
لم تشعر كاتريونا بأية أهانة لهذا الحديث , وتولت مساعدة سالي في أعداد الفراش , ثم ذهبت لمعاونة جيسون عندما جاء بحاجياتها , فوجدت بينها علبة ملابس فضية اللون عليها اسم المحل الذي أرتادته معه في اليوم السابق , قالت بسرعة:
" أعتقد أن هناك خطأ ما".
" ماذا نسيت؟".
" هذه العلبة , أنها لا تخصني".
" لا تكوني حمقاء , هي لك بالطبع , أية فائدة لها بالنسبة الي ! ولا تقولي أن في وسعي أن أهبها لأحدى رفيقاتي وألا أقسم أن أجلدك على نحو ما تستحقين منذ قابلتك!".
قالت بهدوء:
" لم أقل ذلك, ولكنني لا أستطيع قبول هذه الملابس , يجب أن تفهم أنني لاأستطيع تحمل نفقاتها كما تعلم , لقد أخذتها في البداية لأنني كنت أظن...".
" كنت تظنين أن جيريمي سيدفع ثمنها عندما يصبح زوجك , ولكنني كما قلت لك , هذا كله على حساب العائلة , وأذا أصررت على السداد بطريقة أخرى , فأني أؤكد أن في وسعنا التوصل الى ترتيب ما".
" لا , أرجوك... أريد أن أشكرك على كل شيء ,كما أرجو أن تجعل ذلك سهلا بالنسبة الي".
" وليس لي كذلك أيضا..".
ثم أقترب منها ,ووقف يتطلع اليها وهو يبتسم بفتور قائلا:
" أشكريني أذا".
فأخفضت عينيها الى رسم السجادة الباهت وقالت:
" أنني ممتنة لك كثيرا".
تنهد في نفاذ صبر قائلا:
" لا تكوني جافة . أنني موقن أن سندريللا ما كانت تقول ذلك لذي اللحية الزرقاء , وداعا يا كاتريونا كوني على أتصال بي".
ثم مضى, وقالت سالي بعد أن أوصلته الى الباب:
" قد ترينه مرة وترينه أخرى , لا بد أن تبذل مويرا جهدا في السعي وراءه أذا أرادت أن تربطه اليها مدى الحياة".
" مويرا؟".
" أنت لا تعرفينها بالطبع , أعني مويرا دين , أنها تضطلع في تمثيلة تلفزيونية أشارك فيها , وهي الآن تواقة الى أن تجعلنا كلنا نعرف ذلك , وتضع عينها على جيسون وتلتصق به مثل الغراء منذ بدء التصوير".
" وهل ينتج تمثيليات علاوة على عمله الآخر؟".
" كلا... كلا... لم يوضح لك؟ لأنه يتردد على البروفات كثيرا لسبب أو لآخر , وأخشى أن تكون مويرا أحد هذه الأسباب".
" أظن أنها جذابة جدا".
" رئعة الحسن تماما , حمراء الشعر مثلي , ولكن هذا هو الشيء الوحيد الذي يجمع بيننا , المفروض أننا أختان في التمثيلية , وهي فرصة رائعة بالنسبة الي ما دمت لا أدع مويرا تضطرني الى أن أترك التمثيلية أو أرتكب حماقة أخرى مثل هذه".
" هل هي بهذا السوء؟".
" أنها تغلبنا على أمرنا في بعض الأحيان, ما عدا جيسون , فهو لا يدع أحدا, خاصة أذا كان أمرأة , يذهب معه الى هذا الحد, ولكنها يمكن أن تكون مزعجة حقا, فهي من النوع الذي يطأ قدمك أذا ظنت أن هذا يجرح مشاعرك , والآن , لا بد أن أذهب الى البروفة في خلال ساعة فيحسن أن أريك مطبخنا الرائع".
وقادتها الى ركن كشفت ستارته , فظهرت من خلفه أدوات مطبخ محشورة في تجويف الجدار , وأبدت لها سرورها بحضورها , ونصحتها بأن تزور معالم المدينة وتستمتع بوقتها لعدة أيام قبل أن تبحث عن وظيفة.
" سأحاول الحصول على تصريح لك بزيارة مركز التلفزيون كذلك , وأنني أؤكد أن هوغو المنتج لن يعارض".
" لا أريد أن أكون مثار أزعاج".
" ليس هذا ما قاله عنك جيسون بالتلفون هذا الصباح, لقد قال أنك شوكة دائمة في جلده , شوكة أسكوتلنديةصغيرة".
قالت كاتريونا في وضوح:
" وهو كذلك أكثر من قابلته غطرسة ومدعاة الى الأحتقار!".
قالت سالي:
" ذلك لأنك لم تقابلي مويرا بعد!".

3- دعوة الى التنظيف
وأنقضى باقي الأسبوع في أنتقالات سريعة من مكان الى آخر لزيارة معالم المدينة , وأشترت كاتريونا دليلا , وقررت أن تزور كل الأماكن التي كانتحتى الآن مجرد أسماء بالنسبة اليها , وقالت لها سالي وهي تشهق:
" البرج؟ أنني لم أذهب اليه من قبل , عشت طوال حياتي في نطاق عشرين ميلا فقط من لندن".
" يجب أن تخجلي أذا من نفسك , أنه مكان رائع يثير الخيال , كل هذه الأحجار العريقة في التاريخ , فكري فقط في مقدار المعاناة التي جرت هناك عبر القرون , والدموع والدماء التي أنسكبت هناك".
قالت سالي وهي تئن:
" هناك دماء ودموع في مركز التلفزيون تكفيني لفترة , أستمري على ذلك يا عزيزتي , وسأحاول أن أكون معك عندما تزورين حديقة الحيوانات على الأقل , أنني لا أستطيع أن أقاوم أغراء مشاهد الدببة".
وتحت أشراف سالي , أستطاعت أن تضيف أضافات متواضعة من الملابس الى خزانتها , كذلك علمتها سالي كيف تجفف شعرها وتعده بنفس التسريحة التي ظهرت بها في الحفل , وشجعتها على تجربة مواد التجميل أثناء النهار أيضا.
ولم تتلق كلمة من جيسون لورد وأن طلب منها الأتصال به , كانت عبارة فارغة مثل عبارته يا قرة عيني , وفي الأيام القلائل الأولى , كانت تشعر بالتوتر كلما رن جرس التلفون , ولكنه كان دائما من أجل سالي , ووجدت كاتريونا نفسها في ذات موقفها القديم التي لم تعرف فيه هل هي مسرورة أم حزينة , كانت تقول لنفسها بقوة أنه قد آن الأوان الذي يحسن فيه ألا ترى جيسون لورد الى الأبد, ولكنها كانت تكتشف في الوقت نفسه أنه ليس مما يبهج أن يتجاهلها تماما!
كذلك أفتقدت موطنها من نواح كثيرة ,كان هواء لندن يبدو كثيفا بعد نقاء تورفيج ببحرها ونسماتها بالعبير , كذلك أحزنتها وحشة المكان , جاءت من مجتمع روابطه وثيقة ويبدي فيه الآخرون أهتماما رقيقا ببعضهم البعض, وسرعان ما تخلت كاتريونا عن تفقد وجوه الناس الذين كانت تمر بهم في الشارع بحثا عن التعرف بالأصدقاء , وفوق هذا كله كان أكثر ما أفتقدته غروب الشمس وألوان الجواهر المتألقة التي كانت تنبىء بالغسق فوق البحر الغربي , وكانت العمة جيسي قد قالت لها وهي طفلة أنه من الممكن ألتقاط الأحجار الكريمة من جداول التلال , وظلت كاتريونا مقتنعة لفترة طويلة بأن هذه الجواهر هي في الحقيقة قطع أنفصلت عن الشمس الغاربة وألقاها المد الهامس على الشاطىء.
وتذكرت أنها قضت هي وجيريمي يوما مطيرا في أحد الجداول يبحثان عن الأحجار الكريمة , ولكنهما لم يعثرا على شيء , الأمر الذي جعل الخاتم الذي أشتراه لها من نورث ويليام ثمينا على نحو مضاعف , ولا تزال تضعه في السلسلة التي ترتديها حول عنقها لأنها لم تفكر كيف تتصرف فيه , وكانت تدهمها أحيانا أثناء الليل , عندما تحول ضوضاء المرور بينها وبين النوم , موجة مفاجئة من الشقاء فتبكي على وسادتها وهي تخش أن توقظ سالي , وترحب بالدموع أذ تشعر بأن هذا الأشتياق المستمر الى جيريمي يثبت خطأ جيسون لورد في تلميحاته الساخرة الى الطبيعة الأنتقالية للحب الأول , وأن لم تتعمق في أسباب أحتاجها الى تبرير عواطفها على هذا النحو.
وأحيانا تساورها أحلام اليقظة , وهي تجول وحدها في صالات العروض والمتاحف المزدحمة , بأن جيريمي معها , وبينما كانت تخطو عبر باب في المتحف القومي , رأته يقف هناك وظهره اليها , يتفحص دليلا , وعندما جرت اليه ومست ذراعه , ألتفت اليها وجه غريب وحدق فيها , بينما أدركت خطأها وتراجعت محمرة الوحه.
ولم تستطع التصديق بعد أنها خسرته تماما , لم يكن المال يبدو بالغ الأهمية له وهما معا في أسكوتلندا , وأذا كان هذا هو كل ما يربطه الى هيلين , فمن الممكن أقناعه بأنه يرتكب خطأ محزنا , لقد كان جيسون محقا في أمر واحد على الأقل , فلو لم تر جيريمي وهيلين معا في الحفل لما صدقت ذلك أبدا.
وأحيانا كانت تتساءل , بشعور المذنب , ماذا كان يمكن أن تقوله العمة جيسي , لو أنها علمت أن أبنة أخيها تطارد رجلا قد تعاهد علنا مع فتاة أخرى , كانت العمة جيسي ترى دائما أن الخطبة رباط مثل الزواج نفسه , وأعتقدت كاتريونا أن هذا هو السبب في أنها لا تزال تفكر في جيريمي على أنه يخصها ولا يخص هيلين , فالخاتم الذي ما زالت تحتفظ به فوق صدرها هو رمز لشيء كانت تظنه سيبقى الى الأبد.
وقالت لنفسها أن الأمور ستتحسن متى حصلت على وظيفة , وأصبح أمامها ما تشغل به ذهنها , وكانت ستبدأ العمل قريبا , فقد أصطحبتها سالي الى الوكالة التي تلجأ اليها في فترات ما بين المواعيد التلفزيونية , وشكرت كاتريونا الأقدار تلك الليالي الطويلة التي علمتها فيها العمة جيسي الكتابة على الآلة الكاتبة ودقائق مسك الدفاتر وهي لا تزال تلميذة , فقد أجروا لها أختبارا على الآلة الكاتبة في الوكالة , فتركت أنطباعا حسنا لدى الآنسة شو , المشرفة , لسرعتها ودقتها , وتأملتها الآنسة شو مليا وأومأت برأسها كأنما رضيت عن شيء.
" أي أنواع الوظائف تفضلين يا آنسة موير , وظيفة مؤقتة تبدأين بها , أم تفضلين شيئا دائما؟".
ثم نقبت في ملف البطاقات , وقالت:
" هنا شيء أشعر بأنه يوافقك , مؤسسة هندرسون ترست تبحث عن مساعد مكتبي عام".
" أهي منظمة كبيرة؟".
" بالعكس يا عزيزتي , لقد تأسست مؤسسة هندرسون ترست , منذ أعوام قليلة فقط لتقديم الخدمات كبيت أقامة لمن لا مأوى لهم , وأذا قبلت الوظيفة , فستعملين في البيت مع المدير , السيد ملنر".
" ربما يريد أحدا بمؤهلات عالية؟".
" لن تجديه بالغ التدقيق , فمعظم الفتيات يرغبن اليوم فيما يبدو و, بوظائف ساحرة , تكييف هواء وأيصالات غداء , وأخشى ألا تكون وظائف المؤسسة ضمن هذا النوع , كذلك فأن الأجر ليس كبيرا , ولكني أشعر بأنك ستجدينها مناسبة".
وأعطتها بطاقة خضراء لتقدمها الى المؤسسة في التاسعة من صباح الأثنين التالي , وتمنت لها حظا سعيدا.
وظنت كاتريونا أن سالي نسيت عرضها بأصطحابها لزيارة مركز التلفزيون , ولكنها كانت مخطئة , فقد أثارت سالي الموضوع وهما تغسلان الأطباق في أحدى الأمسيات.
" لدينا بروفة كاملة غدا بكل المناظر والأزياء قبل التسجيل , وقد تحدثت الى هوغو فقال أن في وسعك الحضور ما دمت ستلزمين الصمت , وستبدأ البروفة في الواحدة والنصف ,وبهذا يمكننا تفقد المكان قبل ذلك , قم أننا سنتناول الغداء هناك بدعوة خاصة".
" ممن؟".
" يمكنك أن تخمني ! أنه جيسون بالطبع , ومن يكون غيرة؟".
ذهلت كاتريونا , وأدركت أن وجهها قد أحمر , وأن سالي تنظر اليها بدهشة.
قالت بصوت خفيض:
" هل نحن مضطرتان لذلك؟".
" نعم , أعني لا , لست أدري كيف يمكن أن نخرج من هذا المأزق , آسفة يا عزيزتي , كنت أظن أنكما صديقان".
" ليست هذه هب الكلمة التي أستخدمتها".
" أوه , لم أتحر الأمر , ولكنه جاء بك الى هنا ,ولهذا أفترضت...".
" أستطيع أن أخمن ذلك , ولكن الأمر لم يكن شيئا من هذا القبيل , أقسم لك يا سالي أنه لم يكن كذلك".
" حسنا , سأصدقك , ولكنني لا أرى حقيقة كيف يمكننا , التهرب من فرصة الغداء , أنني ممثلة مكافحة ... وهو الذي...".
ثم توقفت وقد أحمر وجهها , ومضت تقول بسرعة:
" وهو منتج مهم".
وتساءلت كاتريونا عما كانت سالي تنوي قوله , ولكنها قررت ألا تستطرد في هذه النقطة , فتنهدت قائلة:
"لا تقلقي يا سالي , أستطيع أن أتحمل غداء واحدا , ولن أضطر الى البقاء وحدي معه".
حدقت فيها سالي فاغرة الفم , وقالت:
" لا بد أنك تنفردين وحدك بهذا الشعور , فليس ثمة فتاة أخرى أعرفها لا تضحي بكل شيء لتكون وحدها مع جيسون لورد".
" لعل هذا هو السبب أذن".
وكانت لا تزال متوترة في اليوم التالي , وهي تقطع مع سالي المسافة القصيرة من محطة قطار الأنفاق الى المجمع الضخم من الزجاج والأسمنت الذي يكون مقر التلفزيون , وفي الوقت نفسه كانت تدرك أنها تبدو في أفضل حال في ثوب قرمزي من قطعتين , تنورة ذات ثنيات وجاكيت بأكمام قصيرة فوق قميص حريري أبيض , ولو رآها جيسون لورد لوجدها مختلفة تماما عن الطفلة الرثة التي جاءت على غير توقع الى عتبة بابه , أو التي تنكرت في زي فاخر مستعار بناء على أمره , وأحست بثقة أقل عندما حان وقت مرورها أمام أثنين من رجال الأمن على الباب , ولكنهما أشارا اليها والى سالي بالدخول بعد نظرة عابرة الى تصريحاتهما هناك.
وشعرت كاتريونا بأثارة أهتمامها الجدي , كانت التمثيليات التي شاهدتها في الأسبوع الماضي من أمتع ما رأته في التلفزيون, وهي تتطلع الآن الى رؤية سالي في دورها الجديد , وكانت قد قرأت السيناريو وأخذت تردد لسالي مقتطفات من سطوره , فالقصة بالنسبة اليها مألوفة , قالت لها سالي أن الرواية تتعرض لتوتر أنفعالي تعانيه أسرة, عندما تعود احدى الشقيقتين الى موطنها لتحضر زفاف أختها الصغرى , فتفاجأ بأن العريس هو حبيب قديم لها , وسألتها كاتريونا عن مؤلفها بعد أن وجدتها متحمسة له فقالت أنه شخص مجهول يدعى جون ليزل , ويكتب لأول مرة , ووعدت بتقديمه لها أذا رأته .
أبدت كاتريونا أهتماما بكل ما رأته , عندما غادرتا المصعد , فهناك الى جانب أستديو كبير , تعد فيه المناظر لرواية سالي توجد غرفة للماكياج وقسم للملابس يعج بالناس وقالت لها سالي:
" أنهم يسمحون لنا عاد بأرتداء ملابس من أختيارنا , أما الرداء الذي يزودني به القسم هذه المرة فهو ثوب الزفاف".
وقدمتها سالي الى رجل طويل أصلع يرتدي سويتر بحريا , ولدهشتها وجدته المخرج هوغو ويزموند , وبرغم مظهره , كانت له أبتسامة ساخرة وصوت عميق رائع , ولكن سالي حذرتها:
" لا تنخدعي , أنه يبدو رقيقا جدا , ولكنه يخور كالثور عندما يغضب!".
ومرت الساعة الساعة التي
ذلك في تفقد أنحاء المركز , وقدمتها سالي الى أناس كثيرين نسيت معظم أسمائهم ووجوههم , وخاب أملها عندما رأت مذيعا وسيما للأخبار كانت ترقبه على شاشة التلفزيون كل مساء.
" أنه أصغر حجما بكثير مما تصورت , كما أنه مختلف".
" أن ما ترينه عبر الشاشة عالم غير حقيقي , فنحن نقضي نصف الوقت في صنع الوهم ,وبالمناسبة ها هي مويرا قادمة".
أرادت كاتريونا أن تلتفت وتتطلع , ولكنهاسيطرت على نفسها.
وسرت لذلك عندما تردد من جانبها صوت أجش:
" كنت أظن أن هوغو فرض حظرا على الزوار يا آنسة فنتون".
كانت مويرا دين فتاة طويلة , يوشك جسمها أن يشي بالترف الحسي , وترتدي بذلة تناسبها من المخمل الأسود , تفحصت عيناها البنفسجيتان كاتريونا بدقة , قم أغفلتها بأعتبارها نكرة , وقالت سالي بنعومة:
" لا أظن أنه قصد حظرا تماما يا آنسة دين , لقد أصيب ببعض الضيق لوجود الزوار في كل بروفة".
أحمرت وجنتا مويرا قليلا وقالت:
" حسنا , يسرني أن يتعقل قليلا , لأنني سأقابل أحدى بنات عمومتي على الغداء ,وهي تريد مشاهدة البروفة مثل صديقتك الصغيرة".
وبادرت سالي الى تقديم كل منهما للأخرى , وقالت مويرا:
" كاتريونا موير .... أعتقد أنني سمعت هذا الأسم في مكان ما من قبل".
قالت كاتريونا بثبات:
" لا بد أنك تفكرين في شخص آخر يا آنسة دين , فقد وصلت الى لندن في الأسبوع الفائت فقط!".
قالت مويرا وهي تهز كتفيها:
" ومع ذلك فأنه سيرد على ذهني في النهاية".
وأستأذنت منها سالي للأنصراف الى الغداء , وسألتها كاتريونا بعد أن أبتعدتا أذا كان هوغو لا يحب الزوار فعلا , فأجابت سالي:
" أنه لا يهتم كثيرا بزوار مويرا فهم لا يلتزمون الصمت خلال التصوير , ويفعلون أشياء لا يصدقها العقل , كأن يطلبون من جان مساعد الأنتاج أحضار القهوة لهم , وقد ثار هوغو وقال أنه لم يعد يقدم تسلية مجانية لمشاهدي فاغري الأفوواه , ولكنه كان رقيقا عندما سألته أن كان في وسعك الحضور".
وشعرت كاتريونا بأرتياح , وأدركت في الوقت نفسه أن هذا التنازل لم يسر مويرا ,وتمنت ألا تصادفها مرة أخرى خلال البروفة بعد الظهر".
وكان كانتين الأستديو يقع في الطابق العلوي , كما أعد قسم للكافيتريا منفصل عن المطعم , قادتها سالي بلا تردد , حيث خفت اليهما الساقية ودلتهما الى مائدة السيد لورد , وكانت قرب النافذة ,تطل على مشهد يبهر الأنفاس ,وأخذت كاتريونا تحاول تبين المعالم التي عرفتها ورؤية شريط نهر التايمز الأزرق الذي كان يبدو متعرجا على البعد.
قالت لسالي ,وهي تتفحص قائمة الطعام بدورها:
" أوه , لم يسبق لي أن أستمتعت بوقتي على هذا النحو يا سالي , وليس هناك من نقطة سوداء فيه ألا أضطراري لأن أكون برفقة هذا الرجل لورد".
" لا تدعي هذا يفسد يومك".
جاءت هذه العبارة المقتضبة من صوت ممازح تعرفه , وألقى جيسون لورد بنفسه في المقعد الثالث الى المائدة وقال:
" لم يسبق لك يا آنسة موير أن جعلت حسن السلوك يقف حائلا من قبل , فلماذا تهتمين الآن؟".
شعرت كاتريونا بالحمرة تكسو حتى جذور شعرها , فقد ضبطت متلبسة بوقاحة صبيانية , وتلقت عليها الجزاء.
" لم أكن أعرف أنك هنا...".
قال وهو يناولها قائمة طعام:
" مؤكد , ماذا تشتهين يا آنسة موي , أم هل تفضلين عضة أخرى لليد التي تنوي أطعامك؟".
قالت سالي تعاتبه:
" كف عن أغاظتها يا جيسون , أنك تعرف ماذا يقولون عن مسترقي السمع في أي حال".
" أوه , لقد أعتدت ألا أسمع شيئا طيبا عن نفسي , أليس كذلك يا سندريللا؟".
قال ذلك وهو يبتسم لها, فحدقت فيه بكراهية الذكريات التي أثارها هذا الأسم المستعار في ذهنها , وقالت سالي وهي تضع قائمة الطعام:
" أختر لنا يا جيسون , وتذكر أن ثوب الزفاف محكم عليّ حتى بدون غداء!".
" حسنا , فلنبدأ بكوكتيل القريدس , ثم قطعة من اللحم وسلطة خضراء".
وأرادت كاتريونا أن ترفض الغداء , ولكنها كانت جائعة وحريصة على ألا تغضب سالي , فوافقت بغمغمة ما , وظلت تحدق في الرسم الظاهر في القماش الدمشقي حتى وصل الصحن الأول.
وتجاهل جيسون صمتها فيما يبدو , وألتفت الى سالي متحدثا معها في موضوعات تتعلق بعملها في التلفزيون ,وبدأت كاتريونا بالرغم منها ترقبه خفيه وهم يتناولون الطعام , كان يرتدي قميصا أزرق من القطن , أكمامه أضطرتها مرفوعة بغير حرص كاشفة عن ساعدين سمراوين , لم يبد متألقا في ملبسه على غير ما كان عليه سائر القوم في المطعم , ووجدت نفسها تعترف بأن أكثر منهم جميعا جاذبية وبينما كانت سالي تنحني لتتناول منديلا من حقيبتها , ألتفت جيسون الى كاتريونا وألتقت عيناهما في لحظة تحد, وأحست برعدة تسري في ظهرها , وبرغم أن الظروف أضطرتها الى موقف ودي غير متوقع معه , فقد أدركت أنه لا يزال مجهولا لها , ولم تكن تصدق بعد هذا أن الفم الثابت , رقيق الشفتين , قد مس بشرتها ولو على سبيل التظاهر , هناك شعور بالعداء التام بينهما , وكان كل منهما قد كره الآخر من أول نظرة , وأن أضطرت الى أن تكون ممتنة له من بعض الوجوه, ولكنها قالت لنفسها أن هذا لا يجعلها تعجب به بأية حال , وقد تساءل بطريقة عرضية:
"ماذا كنت تفعلين بنفسك؟".
فأحمر وجهها بدون أن تجد رغبة في أن تخبره بزياراتها لمعالم المدينة , وتولت عنها سالي الرد:
" أن كاتريونا هي السائحة المثالية , ولا أدري كم من الأحذية أهترأت وهي تتسكع من النصب التذكاري لنيلسون الى قصر بكينغهام ,وبالعكس , ولكنها ستبدأ العمل يوم الأثنين , وبهذا لن تجد فسحة من الوقت الا في عطلات الأسبوع".
قال جيسون ساخرا:
" أنك لمحظوظة يا آنسة موير بزيارة لندن لأول مرة , نحن نميل الى نسيان كم هي مثيرة ,هل أنت مغرمة بالأثارة؟".
وبدت في عينيه الرماديتين نظرة وقحة مستترة , وهو يحدق في عينيها , فقالت بهدوء:
" أذا كان من النوع السليم".
دفع صحنه الفارغ وتفرس في وجهها قائلا:
" أه , ولكن ما هو النوع السليم , ألا يقضي ذلك بأن تميزي النوع الخاطىء قبل أن تدركي الفارق؟".
وأخذ يتأملها من جديد , فأحست مرة أخرى بالرغبة الغريبة في أن تحمي نفسها بيديها , وتدخلت سالي قائلة في نفاذ صبر:
" آمل أن تكونا على معرفة بما تقولان , لأنني لا أدرك شيئا !".
شعرت كاتريزنا بالأمتنان لخلاصها من تركيز الأهتمام عليها من جانب جيسون , وقررت في ذهنها أن تبتعد عن طريقه من الآن فصاعدا , فقد وجدته باعثا على الأزعاج على نحو لم تفهمه , وكانت على وشك الفراغ من قطعة كعك التوت ذات الكريمة المخفوقة , عندما هتفت مويرا دين:
" حبيبي! أنت هنا أذا".
وأنحنت وقبلت خده قائلة:
" أنك لشرير حقا , لقد تركت لك كل أنواع الرسائل العاجلة عن غداء اليوم في مكتب الأستقبال".
قبّل جيسون يدها وأطلقت مويرا ضحكة صغيرة عذبة , وقالت:
" بحق أنك ستصدم هيلين المسكينة".
وحتى الآن لم تكن كاتريونا قد أحست بوجود رفيقة مويرا , فقد كانت مستغرقة في محاولة تبيّن مشاعرها المختلطة لدى ظهور مويرا وسلوك جيسون أزاءها وهي تنحني عليه بود بالغ ,ولم يكن من العسير تخمين علاقتهما , ولكنها الآن عرفت الفتاة ذات الشعر الأشقر التي تقدمها الى سالي, كانت خطيبة جيريمي التي لمحتها في الحفل وتفجّر الذعر لحظة في داخلها , ولكنها أحست بعيني جيسون عليها ,وفيهما تحذير قا , وألتفتت مويرا اليها وهي تقدمها الى هيلين:
" وهذه الآنسة كاتريونا موير , صديقة عظيمة لأصهارك المقبلين أو لبعضهم على الأقل".
وضعت كاتريونا فنجان القهوة بينما بداخلها شعور بالغثيان , وأدركت أن هيلين لا بد أن تكون أبنة عم مويرا التي تحدثت عنها من قبل , وبدا من النظرة الماكرة التي تبادلتاها أن جيريمي كان أكثر من صريح مع خطيبته عن علاقاته قبل الخطبة.
قال جيسون وهو ينهض ويصافح هيلين , التي كانت تسترق النظر اليه بخجل من وراء رموش ثقيلة الطلاء:
" أنه عالم صغير , أنني آس لأننا لم نتقابل في تلك الليلة , ولكن كانت هناك جموع كثيرة تحيط بك مما جعلني أدخر هذا الشرف لمناسبة أكثر خصوصيلة".
وبدا من ملامح وجهه أنه لا يعتبر المناسبة الحالية خاصة بشكل كاف أيضا , فقالت هيلين وهي تبتسم له:
" لقد حدثني جيريمي عن عمه الشرير وقد فهمت الآن ما كان يعنيه".
ضحك جيسون , وشعرت كاتريونا فجأة برغبة جامحة في الهرب , فقالت :
" أعتقد أنه يحسن بنا الأنصراف".
وبينما كانت تمد يدها لتلتقط حقيبتها , أشتبك كمها بفنجان قهوتها , وكان ممتلئا الى نصفه فأنسكبت محتوياته على القماش الأبيض , وشعرت كاتريونا بحرارة مفاجئة من فرط الحرج , ودفعت كرسيها الى الخلف ونهضت , بينما قالت مويرا بخفة :
" أوه يا لها من لخبطة!".
وقالت سالي في تعاطف:
" هل لطّخت ملابسك؟".
فهزت كاتريونا رأسها وهي تحاول أستعادة ثباتها , وقال جيسون ساخرا:
" يا لها من ضجة حول حادثة تافهة , أهربي يا آنسة موير أذا رغبت في ذلك ولكنهم لا يشنقون الناس لسكبهم القهوة!".
وبدا مسرورا لجعلها تشعر بأنها خرقاء , وعادت اليه وهي غاضبة وعيناها تومضان ,ولكنه ضحك بيسر قبل أن تتحدث , وأخذ بذراعها.
" تعالي يا قرة عيني , سأريك المكتب الذي أجد فيه ألهامي , أن سالي ستذهب لتضع ماكياجها , وستكونين عقبة في طريقها , أليس كذلك يا سالي؟ وداعا يا هيلين , أنني أتطلع الى اليوم الذي أجدك فيه زوجة لأبن أخي , سأراك فيما بعد يا مويرا".
وأنصرف بطريقة عرضية , وأصابعه محكمة كالرباط على ؤسغ كاتريونا وغمغم قائلا لها:
" لا تثيري ضجة هنا , غرفتي عازلة للصوت , وفي وسعك هناك أن تطلقي العنان لمشاعرك!".
وعندما خرجا من المصعد قال لها:
" مكتبي هناك الى اليسار".
فهتفت منفعلة :
" فليبق هناك , سأبحث عن سالي".
فقال بحسم وهو يمسك بيدها من جديد:
" ليس الآن , أنها تستعد , وتسامح هوغو مع المشاهدين محدود , سأصحبك الى الأستديو قبل أن تبدأ البروفة , والآن أدخلي".
ودفع الباب , فتطلعت اليه كاتريونا للحظة وهي عاجزة تماما , ثم دخلت الغرفة , لم تكن كبيرة , وكان أثاثها الرئيسي مكتب يغص بالأوراق , وهناك آلة كاتبة صغيرة وبعض التلفونات وجهاز للأتصال الداخلي , ورف مليء بالكتب , وخزانتان لحفظ الأوراق , ومعطف جلدي ملقى على المقعد الوحيد القائم.
ألتقط جيسون المعطف وطوح به في ركن وقال:
" أجلسي".
ثم أدار جهاز الأتصال الداخلي:
" أحضري فنجانين من القهوة يا ديان".
قالت كاتريونا محتجة على الفور:
"لا أريد شيئا لي ".
" كفي عن الجدل , لقد سكبت معظم قهوتك , وأنت بحاجة الى شيء ينشطك , فأنت تبدين كالشبح , ويبدو أن قدري هو أن أكون موجودا بقربك في لحظات الأزمات , كنت آمل أن أقابلك في جو أهدأ اليوم".
حدقت فيه غير مصدقة:
" كنت تأمل في مقابلتي؟".
تقدم , وجلس على حافة المكتب قائلا:
"ولم لا ؟ أنك جذابة جدا يا آنسة موير , وأنا موقن بأنك تعرفين ذلك , وموقن كذلك بأنك تتمتعين بمفاتن خفية ولو أن سمحت لأحد بأن يقترب منك , لأكتشفها!".
" أرى أنك أقتربت مرة بما فيه الكفاية!".
أطفأ سيكارته في منفضة ضخمة من العقيق اليماني , وقال:
" أوه , لأنني قبلتك مرة وخلعت عنك رداءك , ولم يكن الأثنان في وقت واحد! ".
أحمر وجهها وهي تحدق فيه وقالت:
" أجد أنك لا تحس بالخجل وأنت تذكر ذلك".
" لم يكن الخجل أبدا شعورا بارزا عندي".
وفتح الباب , ودخلت فتاة طويلة سمراء تضع على عينيها نظارة متدرجة اللون , ومرت لحظات صمت تناولت فيها كاتريونا السكر , ورفضت بهزة من رأسها البسكويت المرفق بالقهوة , خرجت ديان بعد كلمة شكر من جيسون , الذي أبتدر كاتريونا قائلا:
" أنني معجب بردائك".
كانت على وشك أن تخبره بأنها لم تفكر فيه عندما أرتدته , ولكنها أحست بأنها ستكذب , فأمتنعت عن الرد , بينما أزداد لونها حمرة , قال بنعومة:
"أن وجهك يحمر خجلا على نحو مبهج , وأعترف بأنني نسيت أن وسع الفتيات في عمرك أن يخجلن , قلت لي كم عمرك.؟".
قالت بأقتضاب وجفاء:
" لم أقل شيئا , ولكنني في العشرين".
قال وهو يحتسي القهوة:
" أنك تبدين أصغر سن من ذلك , خاصة عندما تعبسين".
" أنني لا أعبس".
قالت ذلك بأستياء , ثم توقفت عندما أدركت أنه من السخف التمادي في هذا الجدل.
" لا بأس , سندعو الى هدنة , لا أريد أن أكون شريرا لمشهد في يوم خروجك , هل تستمتعين بيومك , وهل شاهدت كل ما أردت مشاهدته؟".
" أنني أتطلع الى مشاهدة التمثيلية فيما بعد , فهي قصة جيدة , وأعتقد أن سالي ستكون عظيمة".
" أعتقد كذلك أيضا , هل الأمور بينك وبين سالي على ما يرام؟".
" أليس هذا واضحا؟".
" النتائج الواضحة ليست هي دائما النتائج الصحيحة".
" نعم , أني أحبها كثيرا".
" وهذا يسرني ظ, فينكما أمور كثيرة مشتركة , أم أنكما لم تبوحا بالأسرار الى هذا الحد؟".
تطلعت اليه كاتريونا بعينين متسعتين , فأومأ برأسه قائلا:
" هذا صحيح يا عزيزتي جيريمي بالطبع! وأن كانت سالي قد أستطاعت الخروج من تلك العلاقة بقلب لم يعرف الأنكسار".
قالت كاتريونا فاقدة الحس:
" لم يطرأ ذلك على بالي".
" وهل يغيّر هذا من الأمر شيئا ؟ أنه لم يغير شيئا بالنسبة الى سالي , أنها بارعة , وأستطاعت بعد فترة وجيزة أن تستشف أمر جيريمي , وظننت أنك لو تحدثت معها , لربما أنتهى بك الأمر الى الأقلال من الأشفاق على نفسك".
" أنني لم أبحث هذا الموضوع مع أحد , فليس هو بالأمر الذي أتوق الى معرفته".
" كما تشائين , ولكن هذا لم يكن في الحقيقة ما جئت بك الى هنا للحديث عنه , هل تذكرين قولك أنك تنويم تسديد ما عليك من دين لي ثمنا للثوب وسائر الأشياء؟".
تطلعت اليه بشيء من التخوف , وقالــت:
" نعم , ولكنني لن أبدأ العمل قبل يوم الأثنين ,...".
رفع يده يسكتها , ثم قال:
" لا أعني النقود".
وأتسعت أبتسامته عندما لحظ نظرة الأنزعاج فورا في عينيها , وتصلب جسمها الرقيق بفعل الغريزة , وأستطرد قائلا:
" .... ولا أعني كذلك ما تظنين فيما يبدو , أن مطارحة الغرام يمكن أن تكون هدية , ولكنها أبدا لن تكون سدادا لدين , وأخشى أن ما يدور في ذهني أكثر واقعية , ما مقدار براعتك في أعمال البيت؟".
ذهلت كاتريونا ,وتوقف جيسون ينتظر الأجابة , ثم تنهد قائلا في نفاذ صبر:
" أنني أسأل لأن في وسعك مساعدتي على الخروج من مأزق حقيقي أذا شئت, لقد أنزلقت السيدة بيرش المسكينة وسقطت في البيت وألتوى رسغها , وستتوقف عن العمل لبعض الوقت , والشقة بغيرها فوضى ,ولا أستطيع الأستغناء عن سيدة في البيت".
قالت بصوت مرتعش قليلا:
" هل أستطيع أن أعرف بصراحة؟ هل تريدني أن أحضر وأنظف شقتك كل يوم؟".
" أوه , ليس كل يوم , ولكن أذا كان في وسعك الأطلال على المسكن ألى أن أجري ترتيبات أخرى , فسأكون شاكرا ,ولكن أذا كنت تعتقدين أن هذا الأقتراح أهانة ".
" أوه , كلا , سيكون من دواعي سروري أن أنفذه , لقد أعتدت على أعمال البيت , ولن يكون فيها ما يضايقني".
" هذه صفقة أذن , أعتبري كل الديون مسددة بالكامل ".
وأنزلق من على المكتب , وبسط لها يداه وعيناه تكادان ترغمانها عبلا رد هذه اللفتة , فنهضت بدورها ومست أصابعه في أرتباك وقالت وجبهتها مغضنة قليلا:
"لا يبدو الأمر مستقيما مع ذلك , فالثوب قد تكلف كثيرا , وعملي يعتبر قليلا لا يفي بالرد".
" قليل ؟ لا أستطيع أن أفكر في فتاة واحدة ممن أعرف يمكن أن أطلب منها ذلك أو أثق بها في أدائه , وليس هناك ما يضطرك الى القلق بشأن تحملك لصحبتي يومين متتاليين فسأبقى في الأستديو طوال اليوم , وفي وسعك أن تعملي على راحتك , وتأكلي متى شئت , ففي الثلاجة أكوام من الطعام خزّنتها السيدة بيرش قبل الحادث".
شكرته كاتريونا وهي تشعر بالحمق , فللحظة ما صور لها خيالها جيسون وهو في غرفة مكتبه بالبيت , بينما هي تتولى التنظيف وأعداد الوجبات وصنع القهوة , وكانت هذه الصورة أكثر ودا وقربا من الليلة التي قضتها في الشقة .
" سأكون قد ذهبت في الثامنة والنصف , هل تستطيعين أن ترتبي أمرك على ذلك ,أم هل أترك المفتاح مع سائر السكان؟".
" سأكون هناك قبل أن تنصرف , سأجد كل شيء في المطبخ؟".
" نعم , سأريك المكان قبل أن أنصرف , أعرف مكان كل شبء برغم أنني لا أحسن أستخدامه , هناك كذلك على ما أعتقد قفازات من المطاط".
قالت بخفة:
" أوه , أنني لا أستخدم هذه الأشياء السخيفة".
" لا تستخدمينها؟".
وأمسك بيدها وأخذ يتفحص كفها المستديرة وأصابعها الدقيقة :
" أهذه يد تعمل بالفعل؟".
ثم تتبّع بطرف أصبعه خطا في الكف قائلا:
" هذا خط القلب يا كاتريونا , أنه يبدو ثابتا بشكل مدهش , ولا أرى أثرا لجيريمي أثرا فيه!".
أرادت أن تجذب يدها وتتراجع , ولكنها ظلت واقفة تحدق في الأرض بينما كاد الصمت بينهما أن يصبح مسموعا.
قال بصوت خفيض:
" كاتريونا , هل أبلغهم في الأستديو أن يذهبوا الى الجحيم , وأبقى في المنزل غدا؟".
" أنسيت؟ أن مطارحة الغرام ليست هي السبيل لسداد الدين؟".
قذفت بالكلمات في وجهه قذفا , وصدمها سلوكها معه في الوقت نفسه , فهل نسيت من يكون؟ وهي نسيت قسوته الدائمة في الحصول على ما يريد؟وقالت لنفسها أنها لا تزال تحب جيريمي , فلماذا هذا الشوق الى الشعور المضطرب بجيسون.
أطلق يدها فجأة , فتراجعت من نظرة الغضب في عينيه:
" كنت أظن أننا أتفقنا على أن الدين قد سدد . لا تقلقي يا كاتريونا , لن أطلب منك الدفع مرة أخرى".
وجاء صوت ديان عبر جهاز الأتصال الداخلي يبلغه أن الأستديو قد أتصل به , فألتفت الى كاتريونا قائلا:
"هذه أشارة من هوغو بأن كل شيء معد , نستطع أن نصعد الآن".
" هل ستشاهد البروفة أيضا؟".
" نعم , أن لي وجها للأهتمام بالتمثيلية كما تعرفين".
ظنته كاتريونا يقصد مويرا دين , فقد أوضحت الممثلة في المطعم أن بينهما ما هو أكثر من صداقة , وقالت كاتريونا لنفسها في مرارة أنها لن تضيف نفسها الى قائمة غزواته , مهما تعلّم من الحيل التي أكتسبها مع سائر النساء .
وقال في نفاذ صبر , ويده على مقبض الباب :
" تعالي أذا , أليس هذا ما جئت من أجله؟".
ولكنها عندما تبعته الى المصعد , وجدت نفسها تتساءل :
" هل هذا صحيح؟".
ولدهشتها , أستمتعت تماما بالبروفة , وبرغم كراهيتها الغريزية لمويرا فقد سلمت بأنها ممثلة ممتازة , كذلك كان أداء سال طيبا جدا ,وجاءها المخرج يسألها بعد فترة توقف عما أذا كانت قد أستمتعت بما شاهدت , فأومأت له برأسها .
" أذا أردت الخروج لتناول القهوة , فهذه فرصتك , سالي ذهبت لأصلاح ثوبها , فهل تستطيعين أن تتدبري أمرك وحدك؟".
أجابت كاتريونا بالأيجاب , وللحظة خشيت أن يصحبها جيسون وقد فتح لها الباب لتمر , ولكنه ذهب في الأتجاه الآخر بدون كلمة.
ووجدت الكافيتيريا نصف ممتلئة , فأخذت قهوتها وبعض الكاتو الى أحدى االموائد وبينما كانت تتصفح الوجوه ,جاءها صوت مويرا:
" هل يمكن أن نجلس معك؟".
كان معها شاب ذو شعر بني ,أطول من شعر جيسون , وله شارب على الطراز الفيكتوري , قالت مويرا تقدمه:
" هذا روجر هنت , كاتب عمود في صحيفة أيفنينغ غلوب".
لم يكن هذا يعني كاتريونا كثيرا , ولكنها أبتسمت بأدب وصافحته , وقد أربكتها كثيرا نظرة الأعجاب الساخرة التي أطلقها الشاب ولكن بعد قليل شعرت بالأسترخاء وقال:
" لهجتك ليست أسكتلندية؟".
" كانت أمي أنكليزية , وقضى أبي معظم وقته في جنوب الحدود".
" ومع ذلك فأن صوتك يبعث على البهجة بتلك النبرة الجذابة فيه ".
لم تكن كاتريونا قد أعتادت مثل هذه الملاحظات من غريب , فشربت القهوة لتخفي حرجها المتزايد.
" منذ متى وأنت في لندن يا كاتريونا؟ .... هل لي أن أناديك هكذا؟".
" يمكنك , منذ مدة قصيرة وأنا في لندن".
قالت ذلك وهي تتلعثم قليلا تحت وطأة عيني مويرا المحدقتين , وفكرت في أن تلعثمها سببه هو عيب الأكاذيب
, أخذت تفكر فيما قالته كذبا وأنعكس عليها الآن , ماذا قالت لجيريمي , أعطته أنطباعا بأنها وجيسون متعارفان منذ فترة , فماذا قال بدوره لهيلين لتنقله الى مويرا , قالت لنفسها ورأسها يدور :
" أن الأمر يتصاعد الى كارثة".
" حسنا , كنت فتاة مشغولة بالنسبة الى وافدة جديدة , وأن فروة رأس جيسون لورد ليست سيئة ليسير عليها فأر من فئران الريف!".
حدقت فيه كاتريونا بأستياء متسائلة:
" فروة رأسي؟".
" كفي عن هذا يا عزيزتي , أنك لن تحدثينني عن الصداقة الطيبة بينك وبين جيسون".
أزدادت حيرة كاتريونا وعجبها , فالداقة الطيبة ليست هي بالعبارة التي تصف بها علاقتها مع جيسون, قالت:
" لا أدري ما سمعت , ولكنني أستطيع أن أؤكد لك ...".
" أوه ,لقد سمعنا ما فيه الكفاية , لا تظهري كمغلوبة على أمرك يا جميلتي , فهذه لندن المرحة وليست ذلك المكان الذي جئت منه , وهكذا فأنت مقيمة مع جيسون لورد لبعض الوقت ثم أنه لا أحد يلومك , أنا أتمنى أن يكون لي ما يتمتع به جيسون ,ولكنني لم أكن أبدا من الطراز الذي لا يقاوم".
قالت كاتريونا في لهفة:
" ولكن الأمر ليس كذلك , لقد كانت ليلة واحدة فقط وكان الأمر كله غلطة!".
فضحك وشاركته مويرا بأفتعال ,وهي ترقب كاتريونا تتعثر.
" غلطتك بالتأكيد , وليست غلطة جيسون , كيف قام بالأمر؟".
صاحت كاتريونا:
" كلا!".
وشعرت كأنها في كابوس , كان عليها أن توضح ما حدث بدون أن تتعرض لذكر جيريمي ,حتى لا تجد مويرا وهيلين ما تشعران من أجله بأرتياح ظافر جبيث , حاولت مرة أخرى:
" لقد وجدت نفسي وقد تقطعت بي السبل , وأكتشف جيسون وعرض أيوائي ليلة واحدة , وكان ذلك لطفا منه وهذا كل شيء".
قالت مويرا وهي تنحني نحوها:
" أخبريني يا آنسة موير , هل كان هذا قبل أو بعد ظهورك في حفل خطبة ابن أخيه , وأنت ترتدين ثوب الكوريللي هذا , من قدمه لك؟".
" هو الذي قدمه لي , ولكنني سأدفع ثمنه".
قالت مويرا وهي تخرج مبسما مرصعا بالأحجار الكريمة من حقيبتها وثبتت فيه سيكارة:
" هذا نبأ جديد , لا يتفق مع صورة جيسون كفارس يقدم المأوى للفتيات المتشردات".
" ولكنه فعل , وسأقوم بأعمال منزلية في غيبة مدبرته , بسبب مرضها".
قال روجر هنت في دهشة ساخرة:
" شيء لا يصدقه عقل , ومع أنه أمر غريب فلا يمكن ألا أن يكون صحيحا".
ثم ألتفت الى مويرا التي كانت قد تحجرت مقلتاها وهي تنفث الدخان بعصبية:
" أعتقد أن شكوكنا القذرة قد ظلمت هذه المخلوقة الجميلة , لقد ظننا أنها آخر غرامياته , فأذا بها سيدة التنظيف ! يا لها من خيبة أمل!".
ثم نظر الى كاتريونا وأبتسم قائلا:
" ومتى سترتدين المريلة يا عزيزتي؟".
" سأبدأ في الصباح".
قالت ذلك بأعياء , وقد حيّرها كيف تورطت في هذا الأمر كله , كان كل ما عليها أن تنهذ وتنصرف ,ولم تكن مضطرة للرد على أسئلتهما المهينة , ولكنهما يعرفان الحقيقة على الأقل الآن , ولن ينظرا اليها بأعتبارها عشقة لجيسون فرغ من أمرها.
أستأذن روجر في الأنصراف ليصطحب مويرا الى هوغو , وسأل كاتريونا أن كانت تريد الذهاب , فردت بالنفي , كان يفزعها خاطر مواجهة جيسون بعدما حدث , فقالت:
" أعتقد أنني سأذهب الى البيت الآن , أرجو أن تخبرا سالي بذلك".
قالت مويرا :
" بالطبع".
ثم وهبتها أبتسامة باهتة , وأنصرفت , وتابعتها كاتريونا ببصرها , كان هذا اللقاء القبيح قد أفسد يومها .
ثم ما هو دور مويرا في هذا كله؟ أكان بسبب الغيرة؟ أم أن هناك سببا خاصا يدعوها الى أن تعرف مدى العلاقة بينها وبين جيسون؟

4- وجه في الذاكرة
لم يكن لدى كاتريونا وقت لتشعر بالحرج , عندما وصلت الى شقة جيسون في الصباح التالي , كانت قد أفرطت في النوم بعد ليلة مضطربة , فلم تلحق بالقطار الذي أرادت أن تستقله , وأضطرت الى الأنتظار بضع دقائق أخرى.
وكان جيسون ينتظر في البهو , وعلى كتفيه معطفه الجلدي , وهو يدخن في نفاذ صبر.
" أخيرا جئت".
" وهل كنت تشك في ذلك؟".
" كنت أتساءل!".
وقادها الى المطبخ , وعرّفها بأماكن الأشياء , وقال:
" أفعلي ما ترينه ضروريا ,ولكن لا تمسي الأوراق على مكتبي , سأفرزها بنفسي الليلة , ولا تحملي هذا على محمل الأهانة , فالسيدة بيرش لديها نفس التعليمات".
قال ذلك بضيق وكاتريونا تعض شفتها بسبب نبرة القسوة في صوته.
" كتبت لك رقم تلفون الأستديو وتلفوني الداخلي في المفكرة الموضوعة بجوار التلفون , أتصلي بي أذا صادفتك مصاعب".
ثم ولى وساد السكون , وبدأت كاتريونا تعمل , وعندما حلت الساعة العاشرة كانت غرف النوم والحمام تتألق , وأعدت لنفسها بعض القهوة عندما دق الجرس , ودهشت عندما رأت روجر هنت ورجلا آخر على العتبة.
قالت غير مرحبة:
" أنت؟".
" مفاجأة ! ألا تدعينا ندخل أيتها الجميلة؟".
وأوشكت أن تغلق الباب , ولكنه وضع قدمه ليحول دون ذلك.
" أوه , هيا يا عزيزتي , كوني طيبة , أنت التي ألهمتني الفكرة , سوف ننشر موضوعا عن الفتيات الجميلات اللواتي يكسبن رزقهن بطريقة غير عادية , ونود أن تكوني من بينهن أذا سمحت لنا بأستخدامك".
" أستخدامي؟ ما منى ذلك بحق السماء".
" بضع كلمات منتقاة , وعدة صور , وأجر لك أذا تقدر نشر الموضوع".
" كلا , على الأظلاق!".
" ولم لا؟ ليس ثمة ما يضير مجرد بضع دقائق من وقتك".
وألتقط لها الرجل الآخر صورة , وقال روجر هنت:
" أترين؟ ليس ثمة ما يؤلم , لسنا هنا أنا وغريغ لمضايقتك , وفي وسع كل منا أن يساعد الآخر , سنحصل نحن على موضوع , وأنت على صك مالي".
" ولكنني لا أكسب عيشي بهذه الطريقة , وسأبدأ وظيفتي الحقيقية يوم الأثنين".
" أنك تبالغين في القلق , وهناك ما يسمى بالترخيص الفني على ما تعلمين".
" وأذا وافقت , فهل تنتهيان من عملكما وتذهبان؟".
" بالطبع".
ودخلا وشربا القهوة , بينما فكرت كاتريونا في أعلام جيسون بذلك ,ولكنها عندما أتصلت ,قالت لها ديان بأنه مشغول بمشاهدة تسجيل تمثيلية ( تحت الجلد) التي تشارك فيها سالي.
وأذعنت للتصوير , وهي تؤدي أعمال البيت من غرفة الى غرفة , وتجيب على الأسئلة الموجهة اليها , وأستغرق ذلك أكثر من ساعة ونصف , ولكنها عند الظهر كانت قد فرغت من كل شي غرفة مكتب جيسون ,وبينما كانت تنظفها , سقطت كومة من الأوراق على الآرض , فأنحنت لجمعها , وأدركت أنها جزء من تمثيلية فشرعت تقرأ , وكان المشهد يصور مواجهة بين أمرأة وزوجها بعد أن أكتشف خيانتها , وكان رجلا فظا ومع ذلك بدا حزنه مؤثرا , وأستغرقتها القراءة فلم تنتبه لفتح الباب الأمامي , وأذ بباب الغرفة يفتح لتفاجأ بجيسون يقول في تجهم:
" طلبت منك ألا تعبثي بشيء على المكتب".
فأنبرت على قدميها محمرة الوجه :
" لم أقصد أن أتطفل , ولكن بعض الأوراق سقطت عفوا , فشرعت في القراءة وأنا ألتقطها , ولم أستطع أن أمسك عن ذلك , أرجو أن تسامحني".
" ليس ثمة ما يدعو الى ذلك".
وبسط يده فتناول الأوراق , وهي تشعر كأنها طفلة تعرضت للتوبيخ.
" لم أكن أعلم أنك تكتب التمثيليات ,كنت أظن أنك تصنع الأفلام التسجيلية فقط".
" لا أحد يعرف سوى هوغو ونخبة قليلة".
ثم قال وهو هز برأسه عندما رأى من نظرتها أنها أدركت الأمر:
" نعم , أنت محقة , أنا جون ليزل الذي أبديت أعجابك به كما علمت من سالي , ولو كنت قد عرفت أنني المؤلف , لقل أعجابك بلا شك".
" طلا , أعتقد أن ( تحت الجلد) تمثيلية ممتازة , وهذه يمكن أن تكون أفضل".
قال وهو يأخذ منها باقي الأوراق:
" ربما ,. ولكن المهم ألا يعرف أحد من أنا , أريد أن يكون الحكم على التمثيليات على قدر جدارتها , وليس بمقدار صلتها بشخصي وما قدمته في الماضي في مجال مختلف تماما , هل يمكن أن تدركي ذلك؟".
" نعم".
" أنا أذا بين يديك , فماذا ستفعلين؟".
" لن أفعل شيئا".
ثم أشرق وجهها بعد حيرة:
" أتعني أنني سأقول لأحد؟".
" سيكون ذلك هو الأنتقام المثالي أذا شعرت بأنك في حاجة الى ذلك".
حدقت في وجهه عاجزة , ثم تحركت لتتجاوزه وقد طفرت الدموع في عينيها , فأمسك بذراعها في غي شفقة:
" أين تذهبين؟".
" دعني".
" لا تكوني حمقاء!".
وجذبها اليه لتلتفت وتواجهه وتفرسها قائلا:
" ماذا بك ؟ هل جرح هذا الأقتراح كبريائك؟".
قالت غاضبة :
" لم يكن من حقك أن تقول ذلك".
" ربما , لقد أردت أن أتحقق فقط".
" والآن ,وقد تحققت أرجو أن تدعني".
" ليس بعد الآن , وقد أنكشف سري , ولعله في أمان معك , فأن في وسعك أن تساعديني؟".
وأشار الى مكتبه المكدس بالأوراق , وقال:
" سيستغرق مني ذلك نصف الليل لو قمت به وحدي ما رأيك؟ هل تحسنين أعمال السكرتارية كما تحسنين أعمال البيت؟".
توقف لحظة , وأدركت أنه يمد لها غصن زيتون , فبدأ بعض أستيائها ينحسر , وقالت موافقة:
" أنني أود المساعدة".
" عظيم , هل نبدأ أذن؟".
وفي البداية ظلا يعملان في صمت , ثم بدأ يتحدث عن الدراما التلفزيونية , والأثر الذي يود أن يحدثه بتمثيليته وتساءلت:
"هل تأمل في أت تستحوذ عليك كتابة التمثيليات يوما؟".
" من السابق لأوانه قول ذلك , ولكنني أود سماع بعض النقد لتمثيلية تحت الجلد قبل أن أتطلع الى المستقبل , وأن كان هوغو قد قرأ النسخة الأولى من التمثيلية الجديدة وأعجبته , ويريد أخراجها".
" لا أظن أن كتابة التمثيليات تؤدي الى كسب مال وفير ".
" تتحدثين كأسكتلندية معقدة, أن لدي أسهما في عدد من شركات أخي , ومن ثم فلي دخل غير ما يدره عملي التلفزيوني ,ولكنني الآن ملتزم بعمل الأفلام التسجيلية ,ولن أعجل بأتخاذ قرار آخر".
" أن أخاك أكبر منك سنا , أليس كذلك؟".
" بأحد عشر عاما , جئت الى الدنيا بعد تفكير ثان! هل تنوين أن تصبحي من المنشغلات بأجراء الأحاديث يا آنسة موير ؟ لا بد أن أجد لك مكانا في فريقي".
" أوه , كل!".
وأحمر وجهها وهي تحاول كتم خاطر ساورها , وهو أنه جذاب الى حد كبير في مزاجه اللين المداعب.
وتساءلت ماذا يمكن أن يكون عليه رد فعلها لو أنهما تقابلا كأغراب في حفل ما , ولم تكن مضطرة الى النظر اليه بأعتباره عم الفتى الذي أحبته , ثم لامت نفسها على سذاجتها , فلو لم يكن بحثها عن جيريمي ساقها الى مسكنه لما تقابلا على الأطلاق , فعالمه مليء بنساء مثل مويرا دين ,ويتقن تماما فن جذب الأهتمام.
وأخذت ترقبه وهو يفرز الأوراق , كان طرازا مختلفا تماما عن طراز جيريمي , وأن كان هناك شبه عائلي يسير , أن وسامة جيريمي كانت تبدو طفولية , أما جيسون لورد فيبدو رجلا متكاملا.
وتم توضيب المكتب , ووضعت الأوراق في ملفات بخزانة قائمة تحت النافذة ,وقال جيسون:
" حان الوقت لتناول الطعام , هل تناولت الغداء؟".
" لقد نسيت".
" هات معطفك أذا , لنخرج".
" لا أستطيع الخروج على هذه الصورة".
وأشارت الى الجينز الرث الذي ترتديه , والى السويتر الأسود عالي الرقبة .
" ولم لا ؟ كانت هذه ملابسك في وقت ما!".
" أعرف ذلك ".
" ولكنها لم تعد تناسبك , أليس كذلك؟ ترى ماذا أقترفنا في حقك يا فأرة الريف؟".
صمت لحظة وقال:
" هل العلة في الملابس , أم أنك لا تريدين أن تكرري اجربة الأكل المقلقة في رفقتي؟".
فأحمر وجهها وهي تتذكر عناء غداء الأستديو , وقالت:
" أنها ملابسي فقط".
" هل يمكن حله بسهولة , هناك مطعم أيطالي ليس بعيدا عن مسكن سالي , سآخذك أولا لتغيري ثيابك , بشرط أن تسرعي".
وحارت بين ملابسها , ثم ألتقطت تنورة صوف بلون البنفسج , ومعها بلوزة حريرية بيضاء بأكمام طويلة , أزرارها من الخلف , وأخطأت في تثبيت الأزرار مرة وأخرى , وأذ بجيسون يقرع الباب.
" ماذا تفعلين بحق السماء ؟ أمامك ثلاث دقائق للخروج ".
" أنني آسفة , ولكنني أعاني بعض المتاعب مع الأزرار و...".
"يا الله ... أهذا هو كل ما في الأمر؟".
وبدأ يثبت الأزرار قبل أن تستطيع منعه, وأقشعر جسمها , يا لجرأته , يقتحم الغرفة هكذا بدون أستئذان ! وأجتاحها غضب داخلي , وهي تقف متصلبة تحاول تجاهل دفء أصابعه وهي تمس بشرتها.
" هاك!".
" أشكرك , أنك لرقيق!".
" أنا جائع , لم كنت ناديتني منذ خمس دقائق , لكنا نأكل الآن".
وتناولت حقيبتها ومضت الى الباب , وهي ترمقه بأبتسامة حلوة , وقالت:
" كان هذا حمقا مني , ولكنني لم أعتد أن يساعدني رجل على أرتداء ملابسي ".
" لقد ساعدتك مرة على خلع ملابسك على نحو يجعلني موضع أستثناء!".
قال ذلك وهو يبتسم بشكل غير محبب , بينما تورد وجهها , ثم أستطرد:
" ذاكرتك ضعيفة يا عزيزتي , في المرة التالية سأحاول أن أجعل الأمر باعثا على تعميق الذاكرة".
برقت دموع الخزي في عينيها وهي تحدق فيه عاجزة , وقالت بصوت خفيض:
" لا أدري كيف تذكّرني بتلك الليلة الشنيعة , لا أشعر عندما أتذكرها الا بالعار".
أنك لحمقاء أذا , أذا كان ثمة من يأسف فهو أنا".
وعلام؟".
" على تركك وحدك!".
وتقوّس فمه في سخرية وهو يرقب ذهولها , وقال:
" أردت أن أثير فيك شعورا بالصدمة لأخرجك من تعلقك بجيريمي".
" هل تعتقد أنك تستطيع شفائي في ليلة واحدة؟".
لو لم تكن كاتريونا تشعر بالغضب البالغ لضحكت من غطرسة هذا المخلوق الذي يتصور أن له قدرة فائقة.
وأضافت :
" أنك تطري نفسك يا يد لورد".
" هل أفعل ذلك حقا؟".
وأقترب منها , ووجدت نفسها تتساءل لماذا ظنت أن عينيه باردتان قاسيتان بينما هما تشعان بهذا البريق الغريب غير المألوف , وما لبث أن مد يديه اليها فجذبها , وبينما كانت تطلق صيحة أحتجاج غاضبة , مال عليها وعانقها بعنف , وأخذ يعبث بالسلسلة الفضية التي تحمل خاتم جيريمي , فتراجعت وهو يقول:
" ألا تزالين متعلقة بالأمل؟".
فقالت وهي تقبض على الخاتم:
" لا أظن أن رجلا خبيرا مثلك يعرف معنى كلمة الأخلاص أو الوفاء".
" هي كلمات لا معنى لها بالنسبة الى جيريمي , أما بالنسبة اليك...".
وتقوست شفتاه في سخرية , فأحمر وجهها خزيا وغضبا , كيف سمحت له من بين الناس جميعا أن يتصرف هكذا؟ لا أحد , ولا حتى جيريمي , سمحت له بأن يعانقها أو يمسها على هذا النحو , العمة جيسي ربتها على فرط أحترام الذات , أما الآن فقد أختلط عليها الأمر , كأنما أنقلب ميزان قيمها بفعل ساحر شرير ,وأمتلأت عيناها بالدموع وهي تصلح ملابسها , فقال:
" دعيني أسويها لك؟".
فصاحت فيه , وغضبها يسبق شعورها بالذنب والحيرة:
" لا تلمسني!".

فأحنى رأسه وتحول عنها , بينما أخذت تسوي هندامها بيدين مرتعشتين , ولم تستطع أن تفهم كيف أوشكت أن تخون مبادئها مع رجل مثله , لا بد أنه يعتقد أن مشاعرها ضحلة مثل مشاعره , أن نظرته الى النساء لا تشرف ومع ذلك فمن العسير على أحد أن يصدق أن في وسعها أن تحمل قلبا تواقا الى جيريمي , بينما تسمح لرجل آخر بأن يعانقها على هذا النحو.
وخشيت فجأة أن تنفجر باكية , فجلست على طرف الفراش وغطت وجهها بيديها , وكان جسمها كله يضطرب مما تحدثه ترتيبات يده وملاطفاته, وللضعف النفسي الغادر الذي أخذ يكتنفها.
جلس أمامها القرفصاء قائلا:
" كاتريونا ... أذا لم تنظري اليّ , فعلى الأقل أستمعي اليّ".
" ليس لديك ما تقوله لي وأريد سماعه, وآمل ألا تقع عيناي عليك مرة أخرى".
تنهد قلقا, وقال:
" ليس في وسعك أن تسامحيني لأنني جعلتك ترين الحقيقة بشأن جيريمي أيتها الحمقاء الصغيرة العنيدة, لا بد لك من وهم تتعلقين به برغم كل الأدلة!".
" وماذا تعرف أنت عن الحقيقة, أن ما نشعر به أنا وجيريمي ,كان شيئا جميلا ونظيفا ,وليس مثل...".
فأمسك بيديها فجأة , وجذبهما بعيدا عن وجهها , وقال:
" لقد أوشكت أن أصبح الليلة حبيبك , فلا تواصلي الأمر وكأنني أفسدت براءتك , ومهما خدعت نفسك بشأن أبن أخي المنحرف , فأنك تحت مظهرك المهذب أمرأة بكل معنى الكلمة , فكفي عن عقابنا معا على أمر لم يحدث, أم أنك تعاقبينني لأنه لم يحدث؟".
فأنتزعت يدها ولطمته على خده , ثم تراجعت وقد أنتابها الفزع لما فعلت خوفا من أن ينتقم منها على نحو ما , ولكنه نهض ببطء , ووقف يتطلع اليها بعينين متقدتين , وقال:
" أستمتعي بعقابك!".
ثم أنصرف خارجا , وسمعت الباب الخارجي يغلق ,وطوقت نفسها بذراعيها وهي تتقلص , محاولة أن تقمع القشعريرة التي أنتابتها , وأحست بوخزة خاتم جيريمي في لحمها , ربما ينتمي الآن الى هيلين , ولكن خاتمه يخصها , وأذا لم يكن في وسعها بعد الآن أن تعده رمزا للحب , فلعله يكون تعويذة لبقائها سالمة , ولكن ممن؟ من جيسون لورد؟ أم من نفسها؟ لم تجد جوابا لذلك , ولا حتى في الليل الطويل الذي أعقب ما حدث!
وكانت لا تزال تشعر بالفتور وهي تتخذ طريقها الى عملها الجديد صباح الأثنين , أمضت هي وسالي عطلة الأسبوع في تسوق أصناف البقالة وتنظيف الشقة , وفي يوم الأحد أخذتا بعض الشطائر وتناولتا الغداء في حديقة هايد بارك , وقد لامت نفسها من نواح كثيرة على ما حدث مع جيسون , وأعترفت بأنها تساءلت في وقت ما عما يمكن أن يكون شعورها وهي بين ذراعيه , وهي الآن تعرف وقد أفادتها هذه المعرفة.
أثبتت لنفسها الآن على الأقل شكل علاقته مع النساء , قال أمورا قاسية عن جيريمي , ولكن هل هو أفضل
منه؟ أن جيريمي لم يحاول غوايتها ,
وهمس في أعماقها صوت أن سبب ذلك لأنها كانت تحتاط من أن يتطور الأمر بينهما على هذا النحو , ولكنها تجاهلته , وقالت لنفسها بعزم , ألا بأس من أكتشافها ما عليه جيسون قبل أن تراودها أفكار حمقاء بشأنه , وأن كانت لم تسمح لنفسها بتحديد هذه الأفكار الحمقاء , ولكن أكثر ما يؤلم في الأمر , أن كلمة الحب لم تنبس بها شفتاه , وفكرت في العودة الى أسكتلندا , ولكن ماذا ينتظرها هناك؟ لا بيت , ولا عمل , وكلاهما متاح لها الآن في لندن , وأن كانت تفتقر الى راحة الباب , وبدا كأن فصلا من حياتها قد أنطوى بدون أن تعرف ما يخفيه لها المستقبل ألا ما تشعر به من وجع القلب.
وعندما وصلت الى مقر المؤسسة , وجدت لافتة قديمة مسندة الى أحد الأعمدة , وكان البيت كبيرا ممتدا الى الخلف يبدو عليه القدم رغم محاولات طلائه , وصعدت الى الباب الأمامي الذي كان مفتوحا قليلا , وأطلت على بهو بلا سجاد , ونادت , فجاءها من أحد الأبواب على اليسار شاب متوسط الطول , متين البنيان , يرتدي بنطلونا , وسويتر أخضر غامقا , ويحمل منشفة في يده, ويعقد على وسطه كالمريلة منشفة أخرى.
وقدمت له نفسها فرحب بها , وقادها عبر القاعة الى باب مقابل , وفتحه لتدخل الى غرفة واسعة مشمسة كان كل ما فيها يوحي بأن زلزالا ألم بها , وكان الأثاث الرئيسي مائدتين طويلتين من طراز موائد الطعام القديمة , أحداهما تحمل آلى كاتبة قديمة أيضا , وهناك ملفات في كل مكان , لا سيما على الأرض ,وفي أدراج مفتوحة لخزانتين خشبيتين , وهناك أيضا خزانة لحفظ أدوات الكتابة بلا ترتيب , قال الفتى وهي تلتفت اليه:
"أخشى ألا أكون منظما , أنا أندرو ميلز , ويكون طيبا لك أذا رغبت في الخروج وعدت أدراجك!".
" لا أظن أنني سأفعل ذلك".
" هذه الآلة الكاتبة من عهد نوح , وليس لدينا جهاز لتصوير المستندات , مجرد آلة قديمة تنفث في وجهك الحبر على غير توقع منك!".
" ربما أجد رداء لمعالجة ذلك".
" طبعا , أنني موقن أن جين حسنا , ستقابلينها بعد قليل".
وبينما كانا يحتسيان القهوة , أخبرها بعمل الشركة.
" كان جيسون هندرسون شخصية عظيمة , ممتلئة بالرحمة , وعرف ما يريد من هذا المكان , ولكنه مات قبل أتمام البناء , والمؤسسة الآن تديرها أرملته السيدة أليس هندرسون , وستقابلينها أيضا عما قريب".
وبدأ يطوف بها المبنى , فتساءلت:
" من ينتفع بالمركز؟".
" أي أنسان يريد مأوى ما , الأسر المشردة , والأمهات غير المتزوجات , والزوجات المستحقات ,والشبان الذين غادروا بيت الأسرة لسبب ما , والزوجات أو الأزواج الذين هجروا منازلهم , أحيانا نكتشف الأسباب , وأحيانا أخرى لا نكتشفها , ما لم يتطوعوا بذكرها , فنحن لا نتطفل , وهناك عمل أجتماعي بجانب ذلك , ولكنني لن أزج بك فيه الآن , وآمل أن أجري قريبا دراسة على الحالات المماثلة لأعرف أية ضغوط تجعل الناس ينفلتوم ,ولكنني كنت مضطرا للأنتظار حتى أجد أحدا للمكتب أثق به , ويثق به النزلاء , لأن البعض منهم موجودون منذ وقت طويل , وتغير الوجوه في المكتب يجعلهم حذرين , أما عن جين فهي ترعة النواحي المنزلية , ونحن هنا منذ أفتتاح المركز".
وبينما كانا طوفان بالمبنى , لحظت كاتريونا حالة الغرف الخربة والأثاث المهدم , فقالت:
" أظن أن المال كان دائما مشكلة".
" أننا أوفر حظا من منظمات أخرى كثيرة لأن لنا دخلا منتظما ,فقد خصص السيد هندرسون جزءا كبيرا من ثروته وأستثماراته لتمويل المؤسسة , ولكن السيدة هندرسون لا توافق على المركز ,وهي صريحة في ذلك , وترى أن السماء تساعد من يساعدون أنفسهم ,ولا تقر الطريقة الخاصة التي ندير بها الأمور هنا".
وجذب ياقة السويتر , فظهرت من تحتها ياقة ملابسه الدينية , وقالت كاتريونا:
" أنت لست كما عهدت من قساوسة!".
" سأعتبر ذلك مديحا , والآن تعالي معي لمقابلة جين ".
وحدق فيها الجميع في المطبخ , ولكن جين ,وهي فتاة ممتلئة لها هيئة الطباخات , هشت لها.
وبينما كانت تساعدها في أعداد الموائد لوجبة الغداء , سألتها عن النزلاء الحاليين:
" سيبدأون في التقرب منك بعد يوم أو يومين , وقد تعرفين قصة حياة كل منهم مع أسمائهم , فيما عدا ميتش".
" ومن هي ميتش؟".
" هذا هو الموضوع , من هي؟ أنها تبدو من سلوكها وكأنها فاقدة الذاكرة ,ولكننا لسنا مقتنعين أنا وأندرو , فالأعراض الأصلية لا تبدو عليها , وقد جاءت هنا في منتصف الليل منذ ثلاثة أسابيع تحمل غيتارا في حقيبة , وهذا هو كل شيء".
" أهي تعزف على الغيتار؟".
" حسب ما أعرف لم تفعل منذ وصلت , وأذا دخلت غرفة الجلوس فلن تخطئيها ,فهي تجلس في ركن تحتضن الغيتار , وقد طلب منها أحد الصغار مرة أثر وصولها أن تعزف لهم , فكادت تهاجمه لولا تدخل أندرو".
" كان هذا حدثا غي عادي أذا؟".
" العنف؟ عندما تنظرين الى تلك النخبة المختلطة التي نؤويها , فقد تعجبين من أن العنف لا يحدث كثيرا ,والعادة أن الناس يرحبون بنوع من الأتصال مهما كان عارضا مع سائر النزلاء , ولكن الأمر ليس هكذا مع ميتش , أنها متروكة وحدها الآن , ولا تبدي علامة على أنها تريد الوقوف على قدميها أو التقدم ,وهذه علامة سيئة , لقد حدثت مآسي في الماضي ,ولكنني لا أريد أن تكون هي واحدة منهن".
" ومن أين لكم أن تعرفوا أن أسمها ميتش؟".
" لا أعرف , لقد أنتابها كابوس في أحدى الليالي بعد مجيئها , فأيقظت كل من في الغرفة بصراخها (ميتش...!) ولم تفسر ذلك بالطبع , فقررنا أن نطلق عليها هذا الأسم كدليل عليها ,ويريد أندرو أن يجعلها تتصل بالدكتور وبنترز , الطبيب النفسي في المستشفى العام , ولكنه ينتظر حتى تستطيع أن نعرف منها شيئا , وهي ترفض تماما فكرة العلاج , ونحن لا نضغط على أحد هنا".
وشعرت كاتريونا بفضول أزاء ميتش الغامضة ,ولكنها أصيبت بخيبة أمل عندما لم تحضر الفتاة على الغداء ,وبعده بدأت تعمل مع أندرو في المكتب لتطهيره من الفوضى , ودهشت لأن الوقت مضى بسرعة.
وصلت البيت قبل سالي , التي كانت تشترك في بروفة أحدى التمثيليات , وبعد أن أعدت الطعام وأستحمت وأرتدت الروب وأخذت تجفف شعرها , دق جرس الباب , لتجد لدهشتها جيريمي أمامها.
" مرحبا كاتريونا , جئت في وقت غير مناسب , هل لي أن أدخل؟".
فأحكمت حزام الروب على وسطها , وأنتحت جانبا ليدخل.
" هل سالي هنا؟".
" ستأتي بين لحظة وأخرى".
دهشت كاتريونا لتحكمها في صوتها برغم أن أعماقها كانت تغلي , لقد ظلت لعدة أسابيع تتوق الى هذه اللحظة التي تجده فيها أمامها , خطا الى قرب المدفأة وتطلع الى السجادة , كانت قد نسيت جاذبيته الآن , ووقفت معقودة الذراعين ترقبه وتتذكر بألم جديد كم كانا سعيدين , وما لبثت أن تنهدت وقدم لها سيكارة فأبت أشعل هو واحدة.
" هل أردت .... شيئا؟".
" ما كان يجب أن أكون هنا يا ترينا , أعرف ذلك , لكن كان لا بد لي من الحضور , لقد حاولت أن أظل بعيدا ,حاولت حقيقة , ولا أدري ماذا يمكن أن أقول لك".
" هل هناك ما يقال؟ كانت غلطتي يا جيريمي , أن مجلات المرأة مليئة بالنصائح للفتيات على ألا يحملن غراميات العطلات على محمل الجد , ولكنن فعلت ذلك .فلت أنت مضطرا لأن تستاء من نفسك".
وغاص صوتها فأقترب منها وتطلع الى وجها.
" ولكنني مستاء, لم أكن أسلي نفسي , لقد أحببتك , وعنيت كل كلمة قلتها , وأردت الزواج منك".
فقاطعته كاتريونا ,وهي تشعر فجأة بضيق مستبد:
" لا أظن أنه يجب عليك قول المزيد , لا تنس أنك خاطب و...".
فأطلق ضحكة قصيرة خلت من المرح ,وقال:
"أنساه! ليس أمامي فرصة لذلك , أن هيلين تقيم معنا , وهي وأمي لا تفعلان شيئا سوى الحديث عن الزواج والبيوت والأثاث , حتى أوشكت أن أنفجر ".
" النساء يحببن الحديث عن مثل هذه الأمور , وقد كنت أظن أن هذا أيضا ما تريده".
" أنا , لا أعرف ما أريد يا ترين , لقد أعددت كل شبء عندما عدت الى لندن , ولكن بدأ كل شيء يتهاوى , كانت أمي وهيلين في أنتظاري , أنني أتبين ذلك الآن , فلماذا لم أتبينه وقتئذ؟".
" لا أعرف ما تريد مني أن أقول".
" أعتقد أن الخيار لم يكن من صنعي , لقد فرض عليّ".
قالت كاتريونا بحدة بدون أن تزن كلماتها:
" لا بد أنك أحمق أذا , أنه لأنسان ضئيل ذلك الرجل الذي يترك النساء من حوله يقررن له مستقبله كله بدل أن يقف هو على قدميه".
وأضطرتها التعبيرات على وجه جيريمي الى الصمت , ورأت على الفور أنها أذته وأساءت اليه , وأدركت أن هذه أول مرة تنتقده فيها علنا.
قال مجروحا:
" كنت أظن أنك ستفهمين على الأقل".
" ليس هناك الكثير لأفهمه , لقد طلبت من هيلين أن تتزوجك ,والناس لا يفعلون ذلك في يومنا هذا ألا أذا كانوا يحبون , وأستطيع أن أقول أذا كانت تراودك الآن أفكار أخرى , فأنها ستمر مرورا عابرا".
قال والحيرة تبدو في صوته:
" أنني لم أعهدك هكذا من قبل".
" لقد أتيح لي وقت لأكبر قليلا منذ ذلك الصيف في تورفيج".
" أهذا ما كان يفعله عمي العزيز , يساعدك على أن تكبري؟".
أنتفضت لنبرة الأحتقار في صوته , هذا جانب من جيريمي لم تعرفه من قبل , أرادت أن ترد عليه بعنف , ولكنها لم تجد ما تقول, وفكرت وهي متألمة في أنه أقرب الى الهدف مما يظن , فسألها فجأة:
" كيف قابلته؟".
" كنت أبحث عنك , وأعطاني أحدهم , صاحبة البيت الذي كنت تنزل فيه عنوانك".
" أوه , نعم , لقد نسيت , لكنني لا أفهم بعد ... أعني... أنك لست من طراز جيسون".
قالت وهي تشعر بحلقها يجف:
" أبدا! كنت أظن أنني فتاتك وكنت مخطئة في هذا أيضا".
مد يده نحوها بعد أن طرح سيكارته في منفضة ,وقال:
"أوه يا ترينا ... يا جميلتي".
فتراجعت في شبه ذعر تحاول أن تتجنب تطويق يديه:
" يا جيريمي ليس هذا بالأمر الصواب أرجوك!".
ولكنه لم يصغ اليها.
" منذ تلك الليلة يا ترينا وأنا أفكر فيك , دعيني أعانقك يا حبيبتي أرجوك, لن أستطيع أن أتحمل الأمر بغير ذلك".
كانت كاتريونا تسمع, وقلبها يغوص الى قدميها , صيحة الطفل المدلل في صوته, ماذا بها؟ أنها بين ذراعي جيريمي , وكان يجب أن تكون سعيدة ,ولكن بدلا من ذلك كامت تشعر برغبتها في التحرر من ذراعيه.
حدق فيها بوجه محمر , وقد ركبته الحيرة لعدم أستجابتها :
" ما بالك؟".
" وماذا عن هيلين هذه هي المسألة!".
" سأفكر في شيء يا حبيبتي , لا بد أن تثقي بي".
وحاول أن يأخذها بين ذراعيه مرة أخرى , ولكنها هربت منه.
كان ثمة صوت في داخلها يصرخ بأنها كانت تثق به , تثق به الى الحد الذي تركت معه كل شيء تعرفه , وقطعت مئات الأميال الى هذه المدينة الشبيهة بالسجن , كانت تعلم أنها لا تنصف موطنها الجديد , لأن التغيرات التي طرأت على حياتها لم تكن الى أسوأ , وتذكرت المركز والتحديات التي يمثلها , وتذكرت جين وأرندرو ورفقة سالي المرحة , لذلك أغلقت ذهنها رافضة ما تلا ذلك من صورة جاءت على غير طلب أو ترحيب , وأبعدت الوجه الأسمر الساخر ,وجه الرجل الذي علّمها في درس قصير معنى الأستجابة.
قالت بصوت تتخلله رعشة:
" أظن أنه من الأفضل أن تذهب".
قال مهدئا:
" أعرف ذلك , أنك لم تتغيري كثيرا كما تظنين يا حبيبتي".
وأخذ يدها وطبع في كفها قبلة طويلة قائلا:
" سنتقابل مرة أخرى عنا قريب".
وجلست بعد أنصرافه تحاول أن تجمع أفكارها , لقد لامت جيريمي لأنه متقلب , فهل هي أفضل من ذلك؟ كان كل عالمها يتمثل من قبل في أن تكون بين ذراعيه , أما الآن فيفزعها عدم أكتراثها بتودده اليها.
لم تصدق ما حدث لها في هذه الفترة القصيرة من الوقت , كانت تظن أن علاقتها بجيريمي تسمو الى الكمال , ولكنها تسلم الآن مضطرة بأن هذا الكمال كان حلما بدده ضوء النهار , وما يمثله من واقع قاس , وأدركت أيضا أنه لو أختلفت الأمور فربما تزوجت جيريمي في براءة تامة , وعاشت معه حياة راضية غير مدركة لما عرفته بعد ذلك من همسات الرة على يدي جيسون , ودفنت وجهها بين يديها وهي تعض شفتها ,وتقول لنفسها أنه كان يمكن أن تكون في حال أفضل بغير هذه المعرفة والآن .... فأن جيريمي قد عاد من جديد الى حياتها , وهي تعرف ماذا تفعل , وفكرت في أنه من الخطأ تشجيعه على قطع علاقته مع هيلين في الوقت الذي لا تزال فيه متشككة أزاء أحتمال عودة المياه الى مجاريها , قد تقابل جيريمي مرة ثانية ولكن بشروطها هذه المرة لا بشروطه ,ولا بد أن توضح له ذلك.
وبينما كانت تعد الطعام , قطعت السكين أصبعها , فصاحت وهي تعني جيريمي وجيسون:
" اللعنة عليهما معا .... أتمنى لو لم أقابل أيا منهما أبدا!".
ولكنها وهي تلعق الدم من أصبعها , أحست من دفئه وكأن رقة ما تطل من وجه أسمر في الذاكرة.

5- عاصفة الدموع
بعد أن أوشك أسبوعها الأول في المركز على الأنقضاء , شعرت كاتريونا بنوع من الرضى المشوب بالتعب.
المكتب الآن قد أنتظم , وألفت النزلاء وبدأوا يألفونها , قالت لها السيدة لامب , وهي سيدة في أوائل الثلاثينات , يبدو عليها الأنهاك , هجرها زوجها معدمة ومعها ثلاثة أطفال صغار.
" أن لك أسما جميلا , لقد قرأت مرة كتابا بهذا الأسم".
وقالت لها ليندا , وهي أم غير متزوجة تحمل طفلا صغيرا:
" قضيت مرة عطلة في أسكوتلندا مع أمي وأبي".
وكان من العسير أن تبتعد بعواطفها الشخصية عن هؤلاء الناس ,كما نصحها بذلك أندرو وجين عدة مرات , كانا يهبان التعاطف بدون مشاعر اللطف والعطف وبدون فرط الرعاية والحماية , وبينما هي عائدة الى المكتب , شاهدت من وراء الباب أندرو يقف مهندما ومعه سيدة قدّمها اليها على أنها السيدة هندرسون , كانت نحيلة , ممشوقة القوام , ذات عينين باردتين , شعرت كاتريونا بأنهما تقيسانها من قمة رأسها الى أخمص قدميها.
قالت السيدة:
" أخشى ألا أكون حملت لك أنباء سيئة يا سيد ميلنر".
وناولته مظروفا مكتظا , ونظرت كاتريونا الى أندرو فوجدت وجهه يتصلب كأنما تلقى ضربة.
" ستصلك رسالة رسمية من سكرتيرة المؤسسة بالطبع , فأن المؤسسة لا تستطيع أن توافق على الأعباء المالية التي يتطلبها هذا التعديل , أنني آسفة يا سيد ميلنر , ولكن الظروف الأقتصادية الحالية , من يدري! من المحقق أننا لم نكن محظوظين في الماضي , لقد كان أندرو يتقدم دائما بطلبات الى المؤسسات الخيرية الأخرى , فكانت تعتذر بأعبائها الخاصة , أما أكثر رسائل ألتماس المعونة التي تخرج وما أقل الردود الأيجابية , من المفزع أن يذهب عمل أندرو هباء , لقد سعى جاهدا ولكن كل ما تلّقاه كان رفضا وخيبة أمل ,و من أناس كان المفروض أن يقفوا بجانبه".
قالت ذلك بحدة أدهشت كاتريونا التي تدخلت:
" أنني موقنة أن الوقت لم يفت بعد , ربما نستطيع توجيه نداء".
" لسنا من المؤسسات الخيرية الكبرى التي تتحمل أنفاق المال لتحصل على المال , ليس لدينا ما نضيّعه على الدعاية التي نحتاجها".
" ولكن هناك نداءات من أجل الأعمال الخيرية دائما في التلفزيون".
" أن جاذبيتنا ليست واسعة على نحو يكفي لهذه التغطية , وفي أي حال من نعرف في عالم التلفزيون؟".
وبقيت كاتريونا جالسة الى مائدة المطبخ , وقد أستغرقها التفكير , ثمة أمور تشغلها , أولا مشاعر جين أزاء أندرو التي بدت من طريقة حديثها , أعمق بكثير من مجرد شعور زميلة نحو الزميل , وأيقنت أنهما مناسبان أحدهما للآخر ,وتمنت أن تنتهي الأمور بينهما على ما يرام , ولكن علاقتهما قد تتأثر أذا زاد القلق بالنسبة الى مستقبل المركز , أو أذا أغلق , وفكرت في أن تعود الى المكتب لتتم عملها ,ولكنها أدركت أن جين ربما كانت هناك مع أندرو الآن , وهذا موقف يقتضي أن يكونا منفردين , فمضت الى غرفة الجلوس العامة , هي في حاجة الى وقت للتفكير والتوافق مع فكرة طرأت بعنف على ذهنها المتردد , ومستوحاة من بعض ما قالته جين , وأحست بحركة في الغرفة, وأذ بميتش تجلس في ركن تحتضن غيتارها.
رأت أن هذه فرصة مؤاتية لأن تحاول الأقتراب منها , قالت:
" أنني أعزف على الغيتار أيضا , وأغتي , هل تغنين يا ميتش؟".
هزت لها رأسها هزة خفيفة.
" هذا أمر مؤسف , لأن هذا الغيتار جميل , هل تملكينه منذ وقت طويل؟".
نفس الهزة الضئيلة للرأس.
" ما هو لحنك المفضل , أنا لدي الكثير".
وبدأت تردد أسماء الأغاني الشهيرة , وكن ميتش لم تبد على وجهها أية أستجابة.
وبدأت تغني بعض المقاطع , وعلا صوتها وهي تردد:
" حزينة أنا من غيرك ".
فقفزت ميتش عندئذ وأنطرح المقعد الذي كانت تجلس عليه أرضا ,وصاحت في شبه صرخة هستيرية ,وهي تندفع خارج الغرفة متقدة العينين.
" دعيني وحدي , ألا تستطيعين؟".
ذهلت كاتريونا لرد فعلها , لم يكن هذا ما تأمله , ولكنه بداية ما , وظلّت مكتئبة عندما عادت الى الشقة تلك الليلة , وأعارتها سالي أذنا متعاطفة.
قالت لها سالي بعد أن أنتهت من ترديد متاعب اليوم:
" أن ما تحتاجينه هو الخروج من نفسك , ما رأيك في الذهاب الى حفل؟".
" حفل؟ حفل من؟".
" أليك الأنباء السيئة الآن , حفل مويرا ,لقد دعت بعض الناس الى شقتها في ليلة الغد , ودعتني لسبب غامض ,وقيل لي أن في وسعي أن أصطحب معي مشاركتي الصغيرة في المسكن , أن حفلات مويرا تعد مسلية , وقد تستمتعين بها على دهشة منك , فأنت تبدين كالشبح هذه الأيام".
" ولكن , ليس عندي ما أرتديه".
ورفضت كاتريونا أقتراح سالي بأن ترتدي أحد أثوابها فعرضت عليها ثانية ثوبا أشترته لأحدى البروفات , ولكنها لم تحظ بالدور , وجاءت به فأرتدته كاتريونا لتجربته ,وكان ثوبا أبيض ذا طيات ناعمة في جزئه الأسف الواسع , وقد أظهر صدره جمال كتفيها , له أكمام واسعة شبه شفافة تنتهي عند الرسغ بكشكشات , وقالت لنفسها أنها تبدو فيه كالعروس , ولم يسرها هذا الخاطر ,ولكنها عزمت على أرتدائه عند الذهاب.
وبينما هي تعيد الثوب الى الخزانة , كانت يداها ترتعدان ,لم تكن تشك في أن جيسون لورد سيكون في حفل مويرا , كل ما فكرت أن تفعله , هو أن تطلب منه مساعدتها لعرض نداء من أجل المركز على شاشة التلفزيون , فله أتصالات كثيرة في هذا المجال وفي وسعه أن يساعد , قالت لنفسها ذلك مرات ومرات محاولة أقناع نفسها ودعم ثقتها في الوقت الذي كانت فيه مشاعرها تجفل من مثل هذا العمل , ولكنها كانت تفعله من أجل المركز , وحتى لو رفض , فستكون قد حاولت على الأقل.
وعاودتها شكوكها مع خجلها الساحق عندما وقفت أخيرا مع سالي في بهو مسكن مويرا , ورغم أنهما جاءتا بعد الموعد بنصف ساعة , فقد كانتا أول من وصل , ودعتهما فتاة فيليبنية الى الأنتظار في غرفة الجلوس , وفغرت كاتريونا فمها وهي تتطلع حولها , كانت الجدران والسجادة بيضاء ناصعة , وكل شيء عد اذلك , كقماش التنجيد والستائر أحمر فاقعا , وما لبثت مويرا أن جاءت ترتدي ثوبا يغلب عليه السواد محلى بشرائط ذهبية وواسع الصدار , أحكم على جسمها المشبع بالغواية , كما أشاع دخولها الغرفة شذى ما تتعطر به.
" أحبائي!".
ونظرت اليهما بأبتسامة باهتة وسريعة , وشملت ثوبهما بنظرة عابرة , ثم أدارت بعض الموسيقى من جهاز في الركن وقالت:
" يمكنكما في الحقيقة أن تكونا ملاكين وتساعدانني , أن ياسمين المسكينة ليست لها خبرة كبيرة بالحفلات , فهل لكما أن تطلا على المطبخ للأطمئنان ألى أن كل شيء على ما يرام؟ سأكون شاكرة".
حط سكون بشيء بالذهول ,ورأت كاتريونا في ملامح سالي ما ينبىء بالغضب , ولكن سالي قالت بنفس حلاوة صوت مويرا وأبتسامتها:
"لا تبالي بالطبع أن تذهب , فأذا وجدت لنا مريلتين فأننا نستطيع أيضا تقديم المشروباب!".
أحمر وجه مويرا وقالت ببرود:
" هذا تجتوز للحد!".
وقالت سالي لكاتريونا وهما في المطبخ تتفقدان صواني الشطائر :
" كنت أعلم أن هناك دافعا وراء الدعوة , لقد أرادت أن تحصل على مساعدة بلا أجر في الأعداد للأمسية".
وعندما غادرتا غرفة الجلوس , كان الحفل في ذروته , وكان ثمة مكان وسط الغرفة للرقص , وبعض الأزواج يرقصون , وقفت كاتريونا وقد عاودها الخجل في ركن ومعها كوب من العصير , كانت تعلم أنها حمقاء أذ تعلق أملها , بعد تلك الليلة , فلا يوجد رجل , لا سيما أذا كان مثله , يحب أن يتذكر أي فتاة غير متحذلقة مثلها , ثم ماذا يعنيه في الأمر ما دامت هناك نساء مثل مويرا يعطينه كل ما يطلب؟
طلبت منها سالي أن تختلط بالمدعوين , وألا أعادتها مويرا الى المطبخ لغسل الأكواب ! وبينما كانت على وشك أن تفعل , أحست بقدوم وافد جديد , كان جيريمي! ووجدت نفسها تئن ن الأعماق , فقد كان آخر من تتوقع رؤيته ولكنها نسيت أن خطيبته قريبة مويرا دين.
" ترينا يا لها من مفاجأة!".
" مفاجأة لي أيضا , أين هيلين!".
" أوه , ذهبت الى الشمال على نحو مفاجىء , جدتها مريضة على ما يبدو".
" ألم تشأ أن تذهب معها".
" محال , فالعمل يشغلني , ولكنني وجدت نفسي الليلة في فراغ , فقررت قبول دعوة مويرا , ولكن كيف جئت الى هنا أنت؟ لم أكن أعلم أنك ومويرا صديقتان".
" دعيت أنا وسالي على سبيل أكمال العدد!".
فأبتسم لها وأخذ بيدها , قائلا:
"لم تكن الأمور لتصلح أكثر مما هي الآن صالحة , تعالي لنرقص".
وترددت كاتريونا , وهي تدرك نظرة مويرا المتسائلة وهي مثبتة عليهما , والى جانب أنها لم تكن تشعر بميل للرقص مع جيريمي , فقد تصورت ما يمكن أن يكون عليه رد الفعل لدى جيسون لو أنه وصل ووجدها معه.
ولكنه حثها فصحبته , وضمها اليه وهما يرقصان , وسألها أن كانت سعيدة فلم تعرف كيف ترد فالحقيقة كانت تشعر بتوتر وضيق , وهي مشاعر لم تكن تتوقعها أبدا وهي بين ذراعي جيريمي , وزاد ضيقها عندما مسّت شفتاه جبهتها , فنهرته وأبتعدت عنه قليلا , قال حائرا:
" ما بالك؟".
" ما كنت تفعل ذلك في وجود هيلين".
" ربما ,ولكنها بعيدة!".
" وهل يشكل فارقا ما؟".
" هيلين قد كبرت الآن , وهي تعلم حقائق الأمور".
" ولكن مويرا تراقبنا".
" دعيها , أنها تفضل أن تراك معي على أن تراك مع عمي جيسون".
أبتلعت كاتريونا كلماته بغصة, فقد خطر لها أنها تفعل كل ما في وسعها لتتجاهل حقيقة أن جيسون ومويرا أكثر من صديقين ولم تستطع أن تحلل مشاعرها أو التغيرات التي ألمت بمعتقداتها أخيرا , لقد تحدثت الى جيسون عن الوفاء ,ولكن هل تعرف معتى هذه الكلمة حقا , فلأي شيء كانت وفية مخلصة؟ لقد وهبت قلبها لغريب عابر , وكان رده أن خانها مع فتاة أخرى ,وهو الآن يبدو وكأنه يريد ان يعكس الموقف فيخون خطيبته معه ,وقالت لنفسها وهي تأسف على هذا الصيف لضائع وبراءته كم كانت حمقاء , وشعرت بأرتياح عندما كفت الموسيقى ووجدت مبررا للفرار , وأنشغلت بعد ذلك بالرقص مع الممثلين الذين كانوا يحيطون بسالي , وأذا بها تنتبه لوصول جيسون لورد , كما وجدت مويرا ترحب به وتلقي بنفسها بين ذراعيه , وأستطاعت كاتريونا برغم ذلك أن تبتسم لمرافقها في الرقص , وهو شاب آخر.
وعندما ألتقت أعينهما أخيرا , أكتفى برفع حاجبيه قليلا , ولم يظهر عليه غضب أو أستياء , ربما أذا تستطيع أن تقترب منه لتحدثه بأمر المركز خلال الأمسية في غير أرتباك كبير , وشعرت بسرور عندئذ فبدأت تهمهم بلحن وهي تراقص أيان, وتغمغم بكلماته وهي تستعيدها , ولحظت من أبتسام القوم حولها أن صوتها أعلى مما ظنت , فسكتت لتقابل بأحتجاجات جميع الجهات , على نحو أصابها بحرج وهلع.
وطلبت اليها سيدة طويلة شقراء ألا تكف , وأخذتها من ذراعها الى حيث وقفت مويرا:
" لم تقولي لنا أن هناك موهبة جديدة بيننا الليلة ".
تمنت كاتريونا أن تنشق الأرض وتبتلعها , ولكنها تماسكت , كانت مويرا تبسم ولكن بعينين باردتين.
" بصراحة , لم أكن أعرف , لكن ما دامت الفرصة قد سنحت للآنسة مويرا , فلا أظن أن في وسعنا حرمانها من الأداء العلني".
حاولت كاتريونا أن تعتذر , ولكنها قالت في شبه سأم أن روبي سيصاحبها على البيانو ,وبدأ الرجل يستعد بمقدمة لأغنية طلبتها منه , وهي أعرف أين أذهب , وأمتقع وجهها تماما وهي تواجه الحضور , كانوا قد ألفوا شبه دائرة , وجلست مويرا في طرفها بينما وقف جيسون خلفها وهي تسر له شيئا , فأنحنى نحوها وأبتسم , كانت ساخرة , أنهما يضحكان منها أذا , وينتظران أن تخفق وتظهر حمقاء أمام هذا الحشد , ولكنها ستريهما!
ورفع ذقنها وأخذت تغني , أعرف أين أذهب , وأعرف من يذهب معي , أعرف من أحب ,ولكن الغزال يعرف من سأتزوج.
أختارت الأغنية لأنها بسيطة ومعروفة , ولكنها أدركت وهي تغني كم تنطبق الكلمات عل الموقف الذي هي فيه , وأضاف هذا الأدراك الى صوتها عمقا وهي تردد( البعض يقول أنه أسمر ,ولكنني أقول أنه وسيم)".
ولم تستطع أن تنظر اليه ,ولكنها وزعت نظراتها على سائر الحاضرين , حتى على جيريمي الذي كان يلقي اليها بنظرات ملتهبة كانت تجدها محرجة في العادة , وعندما أنتهت , دوّت القاعة بالتصفيق , وطلب منها بعضهم المزيد , فأنحنت مبتسمة ولكنها أبت أن تغني ثانية , ولم تشارك مويرا في التصفيق , وأنتظرت حتى جاءت كاتريونا اليها.
" أحسنت يا عزيزتي, هل هناك قطع أخرى ستعرضينها علينا الليلة؟".
وتركتها وأنصرفت في أتجاه غرفة النوم ,وقال روبي:
" لا تهتمي , لا يتسع المكان هنا كما تعلمين الا لنجمة واحدة".
وأحاط بها القوم يهنؤونها ويسألونها أن كانت تحترف الغناء , وتعبت من كثرة ما ترددت كلمة الشكر على لسانها فذهبت الى المطبخ وتناولت وبا من الماء ولحق بها جيريمي وتقدم منها مبتسما:
" ها أنت هنا , قلت لك مرة يا ترينا أنك ستكونين مشهورة على نحو مثير أتذكرين؟".
" نعم".
" وهذه الأغنية , كانت دائما أغنيتي المفضلة , أتذكرين ذلك أيضا؟".
كانت رائحة الشراب تفوح منه وهو ينحني نحوها:
" كلا , لم أنس".
بدأ في صوته العتاب:
"لا تغيظيني يا ترينا , أنك تعرفين شعوري نحوك".
" أعتقد أنني بدأت أعرف".
قالت ذلك وهي تتطلع اليه وتدرس قسمات وجهه الوسيمة , وأستطردت:
" أنك تريد أفضل ما في العالم , زوجة غنية وفتاة صديقة الى جانبك , حسنا , ليس هذا ما أريده يا جيريمي".
" ماذا تريدين أذا , تريدين أن أنهي أمري مع هيلين , حسنا , ربما أفعل ذلك , ولكن هذه الأمور تستغرق وقتا ,ولا يمكن أن تتوقعي".
" لا , لا يمكن أن أتوقع , ولست أتوقع".
ورفعت يدها وجذبت السلسلة , فتقطعت الحلقات الهشة ,وتناولت السلسلة مع الخاتم ووضعتهما في يده.
" لست أفهم".
" آه , ولكنك ستفهم, ستفهم...".
وجرعت ما بقي في كوبها من ماء , ولكنه قال ملحا:
" أنك متضايقة , وأعترف بأن لك كل العذر في ذلك ,ولكنني سأعوضك , أن هيلين بعيدة الآن , ولدينا فرصة لأن نتعارف من جديد".
" مسكينة هيلين , ولكن لا حاجة لأن تسبب لها وجع القلب , أنني أعرفك تماما يا جيريمي , وأعرف نفسي أفضل من ذي قبل , والأمور الآن أحسن كما هي عليه , صدقني".
أمسك بذراعها وهي تمر بجواره نحو الباب:
" ترينا , لا نستطيع أن نتحدث هنا , فلنذهب أنت وأنا فقط كما كان العهد مرة من قبل , سنعود الى مسكنك و...".
" كلا... أرجوك ... أرفع يدك عن ذراعي".
وبدأ يقول في لهجة عدوانية:
" والآن أسمعي".
ولكن جيسون تدخل عندئذ قائلا, وهو يستند الى الباب , ووجهه يبدو فيه الغموض:
" كلا , أسمع أنت , قالت لك أن ترفع يدك عن ذراعها".
فتح جيريمي فمه كأنه سيتحدث ,وتطلع بحدة الى الخاتم والسلسلة المحطمة اللذين يقبض عليهما في يده ,. ثم أستدار ومضى الى الباب , وتراجع جيسون ليدعه يمر , وأمسك بالباب الذي كان يهتز بعنف وراءه , وكأنما تبددت فجأة فقاعة الأحلام التي كانت تضم كاتريونا , وعادت الى الأرض لتواجه الرجل الذي كان لديه العذر في أن يستاء منها , وكانت مضطرة على نحو ما أن تطلب منه معروفا , قالت بعد أن تنحنحت بعصبية:
"أعرف ما تفكر به ".
" لا بد أن تكوني ذكية للغاية , فلست موقنا من ذلك أنا نفسي".
وتجاوزها وفتح باب الثلاجة قائلا:
" لم أكن أريد في الحقيقة أن أتجسس عليك أو أحميك من تودد أبن أخي المخمور , كنت أريد فقط بعض الثلج لشرابي".
" أنني أحتاج لمساعدتك".
كانت تعلم أنها قالت ذلك بسرعة , ولكنه كان قد وضع الثلج في كأسه وأتخذ طريقه عائدا الى الحفل , فربما لن تتاح لها الفرصة أو تجد الشجاعة من بعد لتفاتحه في الأمر اذا أخفقت في ذلك الآن.
لوى فمه في سخرية وهو يتطلع اليها قائلا:
" بالعكس, أن أحداث نصف الساعة الأخيرة , أثبتت فيما يبدو أن في وسعك أن تتدبري أمرك تماما بنفسك".
عرقت يداها فمسحتها خلسة في ثوبها , وقالت:
" لست أعني هذا النوع من المساعدة , أن ما أطلبه ليس لنفسي في الحقيقة".
" لمن أذا , لرجل أم لأمرأة! أم أنا لا أبدو فطنا؟".
نظرت اليه في حيرة ,كانت لهجته خفيفة , ولكن ثمة شيء وراء الكلمات لم تستطع أن تحدده , قالت وهي تفكر في أندرو:
" حسنا , أنه رجل على ما أعتقد , وأن هناك أناس آخرون ضالعون في الموضوع".
" ومن هو؟".
كم هو غريب أن يسألها عن ذلك , وليس عن المساعدة التي تريدها , ولكنه يستمع اليها على الأقل , حتى وأن لم يكن يعيرها أنتباهه تماما , كذلك فأنه لم يوبخها ساخرا على تلك الليلة كما كانت تخشى.
وبدأت تخبره عن المركز ومشكلاته , فصغى عابسا وهي تصف المؤسسة ونواحي قصورها , والفارق الذي يمكن أن يحدث بالنسبة الى عمل أندرو لو جاءت النقود, هنا فقط قاطعها:
" ولكن , ماذا يمكنني أن أفعل؟ لست عضوا في مجلس أوصياء المؤسسة , ولست أعرف أحدا من أعضائه".
هزت كاتريوتا رأسها وأحمرت وجنتاها:
" كنت أظن أن بوسعك ربما , أن تجعل أحدا يفعل لنا شيئا في التلفزيون .... نداء ... أو شيئا من هذا القبيل... أنت تعرف أناسا كثيرين".
فأطلق فجأة ضحكة قصيرة متفجرة ,وقال متعجبا:
" التلفزيون؟".
وهنا , فتح الباب فجأة وظهرت مويرا , قالت في صوت يقطر حرقة:
" فهمت , أنك مختف مع نجمة حفلنا , أي أمكنة غريبة تختارها للقاءاتك الغرامية يا حبيبي! تنوي العودة الى الحفل , أننا مهجورون يائسون من غيرك".
قال وهو يرتشف كأسه متأملا:
" صمتا يا جميلتي , أن الآنسة موير تناشدنا بالنيابة عن جمعيتها الخيرية المفضلة".
" كم هو مؤثر ! كان يجب أن تقولي شيئا من قبل يا آنسة موير , كان بوسعنا أن نمرر قبعة بعد غنائك!".
كانت الكلمات في حد ذاتها مهينة ,ولكن اللهجة أيضا نفذت الى عظامها , فرفعت ذقنها وحاولت أن تبتسم بشجاعة:
" أنه لأمر مؤسف أنني لم أفكر في ذلك , طابت ليلتك يا آنسة دين , شكرا لك على دعوتي الى حفلك , كانت تجربة مثيرة".
وبينما كانت تمر بجوارها حركت مويرا ذراعها قليلا فأنسكب بعض الشراب الذي كان في كأس تحمله على مقدمة ثوب كاتريونا الأبيض.
" أوه ,كلا!".
تطلعت كاتريونا الى البقع في ثوبها من خلال دموعها , كأن كل شيء قد تحطم فجأة .... نداوءها الى جيسون , ثم هذا الثوب الجميل , هذا لأنها أمتهنت نفسها بدون نتيجة , كانت تعليقات جيسون المريرة تكشف بوضوح أنه لم يسامحا , ولم ينس , أما الألم الذي كان يملؤها , فلم تكن له صلة بالمرة بكبريائها الجريحة.
بدأت تخطو كالعمياء الى غرفة الجلوس , ولكنه أمسك بذراعها قائلا:
" سأصحبك الى البيت".
" كلا!".
حاولت أن تخلص نفسها , ولكنه قال:
" لا تجادلي ,ولا تفتعلي مشهدا".
وأعتذر لها في السيارة عما حدث , وأصر على أكمال الحديث الذي كانت تريده في مسكنها ,وجلست محمرة الوجه , بعد أن غيرت ملابسها , على الطرف الآخر من الأريكة , على أبعد مسافة ممكنة وغطت قدميها بطيات الروب , أما هو فمد ساقيه الى المدفأة وأغمض عينيه , وبينما كانت ترقبه , غمرتها موجة من الأشتياق كانت تتغلب عليها , وأطالت النظر الى وجهه , وثبتته على خطوط فمه , وأرتعدت شفتاها ولانت عيناها وهي تذكر الأحاسيس التي أثارها فيها.
" كنت أظن أنك تريدين الحديث".
أصابها الحرج المفاجىء عندما عرفت أنه يدرك نظراتها.
" أي مزيد يمكنني أن أخبرك به؟".
" كل الحقائق , يساورني شعور بأنك تخفين عني شيئا , كل ما علمته هو أن المال موجود لتمويل هذا المشروع الخيري , حسنا , لماذا لا يتم ذلك؟".
" لم يكن هناك مال كاف".
" هل هذا هو السبب الحقيقي , أم أنهم يمنعون المال عن المؤسسة , ربما بسبب الأحساس بأن هناك نوعا من التبذير أو سوء الأدارة".
هتفت بأستياء:
" بالطبع لا! أن السيدة هندرسون قد توافق على العمل الذي يجري في المركز ولكنها لا تنحدر الى مثل ذلك".
قال وهو يمد يده الى فنجانه:
" آه , السيدة هندرسون لا توافق أذا , فلماذا لا تغلق المركز؟".
" لأنها بذلك تخون رغبات زوجها الراحل , وهي تعتقد أن المال الذي تركه سيكون كافيا بدون الحاجة الى موارد خارجية , ولكنه لم يكن يتصور ما يمكن أن يفعله التضخيم".
" هذه عبارة تصلح للنقش على ضريح رجل خيّر مثله , أذا , فأن الذي تحاولينه حقيقة هو طلب النجدة في آخر لحظة".
تطلعت اليه في تحد ,وقالت:
" يمكنك أن تصور الأمر على هذا النحو ".
" أستطيع أن أصوره بقوة أكبر , من المحقق أن في وسع هذا الفتى ميلنر الذي يدير المكان , أن يرى كيف تسير الأمور".
قالت كاتريونا وهي تدافع عن الفتى:
" أن لدى أندرو أمورا أخرى يفكر فيها , ألى جانب النقود".
" محظوظ أندرو , أخبريني هل هو يعرف أنك تطلبين مني مساعدة على هذا النحو؟".
" أوه , كلا , أن الفكرة فكرتي , ولم أقل شيئا عن عمد خوفا من رفضك ,ولكنك ستساعد أليس كذلك؟".
رشف باقي قهوته ووضع الفنجان على المائدة وقال:
" آسف يا كاتريونا , لقد تركت عصاي السحرية في بدلة أخرى!".
وجدها تعض شفتها , فرفع يده في أستسلام قائلا:
" أنني آسف , لقد كان هذا ردا عنيفا ,ولكنه صحيح , فليس هناك حل فوري لهذه المشكلة , كل ما يمكن أن أعد به هو أنني سأفكر فيها , وأتحدث الى بعض الأشخا , ولكنني أستبعد أي نوع من النداء المباشر , أن ما قد ننتهي اليه ربما لا يكون مقبولا تماما , هل فكرت في ذلك؟".
قالت بحدة:
"كل ما يهم هو أن يأتي بنتيجة ".
" الغاية تبرر الوسيلة أذا , هذه وجهة نظر قاسية تأتي منك , هل الأمر يعنيك الى هذا الحد؟".
فكرت كاتريونا في ميتش التعسة الصامتة وهي تحتضن غيتارها بعينين فارغتين ,وفكرت في ليندا وطفلها وسائر الأشخاص الذين ربما كان المركز مأواهم الوحيد في عالم معاد.
" نعم , أنه يعني الكثير بالنسبة اليّ".
وظنت أنها سمعته يتنهد , ولكنها كانت مخطئة لأنها عندم نظرت اليه وجدته يبتسم مرة أخرى, تلك الأبتسامة الساخرة المبهمة التي أقلقتها دائما , تساءل في رقة:
" وفي المقابل؟".
هزت رأسها بخفة فتدلى شعرها كنقاب حريري بينهما.
" لست أفهم".
نهض من جلست وبدا في نصف الضوء المنتشر أطول مما كان من قبل:
" كنت أظن أنك الفتاة التي لا تحب أن تكون مثقلة بدين أو بألتزام ما , نعم , أذا خرجت بحل , فستكونين مدينة لي على نحو أكبر مما سبق , ولن يكفي الأمر هذه المرة القيام بعمل البيت يوما واحدا , فما رأيك؟".
بلعت كاتريونا ريقها , ساد السكون فجأة في الغرفة حتى ظنت أنها تسمع صوت قلبها يخفق بعنف , لماذا تتردد؟ كل عصب فيها , وكل نبضة في جسمها تحدثها عنه ,ومع ذلك فليس على هذا النحو , مجرد مقابلة عابرة , قد تريد المزيد ولكنها عاقلة على نحو تدرك معه أنه ليس في وسعها أن تطلب القمر!.
" حسنا؟".
قال ذلك وهو يستحثها بهدوء , فنهضت ببطء وهي تحكم حزام الروب حولها بأصابع مهتزة , ووقف ويداه الى جانبيه يرقبها وهي تتقدم نحوه , ولكنه لم يحاول لمسها حتى وهي على بعد أشبار قليلة منه ,وتوقفت متطلعة اليه في شك , تحاول أن تقرأ وجهه الغامض , ثم قالت بصوت أجش:
" سأفعل أي شيء تريد".
مد يده ورفع الشعر المنسدل على وجها , وربت على عنقها وفكها وهمس:
" أقنعيني!".
فرفعت وجهها في صمت وأنحنى عليها , ومس عينيها بفمه كخفة ورقة متطايرة , ثم تحركت يده خلف شعرها وأمسك بمؤخرة عنقها وجذبها اليه بعنف, وقال هامسا:
" أترين تأثيرك فيّ؟".
وتحسس عنقها , فلم يجد السلسلة , فغمغم قائلا:
" لم تكوني بحاجة اليها ".
فقالت بصوت مرتعش:
" لقد أرتديتها وقتا طويلا , وأشعر بالغرابة بدونها".
" أرتدي هذا بدلا منها".
قال ذلك وعانقها , وهنا شعرت بتوتر يتصاعد في أعماقها , هذه هي النقطة التي لا عودة منها , وأفزعتها قلة خبرتها وما قد تتعرض له , فخلّصت نفسها من ذراعيه وأبتعدت متعثرة وهي تحكم الروب حول جسمها كأنما تحمي نفسها , فقال وهو يعبث بشعرها :
" كاتريونا ما بالك يا حبيبتي؟".
قالت ذلك بصوت مرتعش مفعم بالتوتر , يبدو لها هي نفسها غير مألوف:
" لست أدري , أنني .... لا أستطيع".
ثم أنهارت وغطت وجهها بيدها , وساد سكون ,وعندما غامرت أخيرا برفع رأسها , كان قد تحرك بعيدا الى الجانب الآخر من المدفأة , ووقف يدخن سيكارة وينفث دخانها بعصبية.
غمرها الخل وآلمها , وأشتاقت فجأة الى الطمأنينة , فتحركت صوبه:
" جيسون؟".
فأنفجر صائحا:
" أوه يا ألهي كلا!".
وتراجع الى الخلف وهو يلقي بيده كأنه يمنعها عنه ,وتوقفت كاتريونا وهي فزعة مذهولة , تستمع اليه:
" كلا , ليس مرة أخرى أشكرك , لا أدري تأثير سياسة المنع والمنح هذه من جانبك عليّ , لكنها تحرق أعصابي, فأبقي بعيدة من فضلك".
" جيسون , أرجوك أنك لا تفهم".
" أفهم تماما , أنك لا تستطيعين أن تكوني ممتنة على نحو ملائم ألا أذا عرفت مدى ألتزامك , وأنت تشعرين الآن أن عرفانك بالجميل قد ذهب الى حد يكفي لليلة , حسنا , أعتبري كل اليون قد سددت بالكامل , أنني لم أرحب أبدا من قبل بنظام التقسيط, وفيما يتعلق بالجنس , فأنه مجرد كارثة..........".
" كلا!".
كان عند الباب , يصلح سترته , ولكنها أمسكت بذراعه وحالت بينه وبين أدارة مقبض الباب , وقالت:
" يجب أن تستمع أليّ....".
تقوّس فمه في صبر نافذ , وقال:
" لك أهتمامي كله...".
فتطلعت اليه ,وقد بدت عيناها منتفختين من الدموع , وقالت:
"تظن أنني .... بمجرد ... أن أغيظك.... أثير فيك التوتر حتى تساعدني , أن هذا ليس صحيحا , أنني أعرف أنك تحدثت عن كوني ملتزمة نحوك , ولكن ليس في وسعك أن تتصور أنني تركتك تعانقني لأنني أشعر بألتزام..".
" فلماذا أذا؟ أود أن أعرف ماذا كان شعورك , لو كان يمة شعور!".
كان أيسر شيء عندئذ أن تصيح , لقد فعلت ذلك لأنني أحبك , كان فعلا أسهل شيء ولكنه أمثر الأمور أستحالة , أن الشيء الوحيد المؤكد في هذا العالم الدوّار هو أنه يجب ألا يعرف أبدا شيئا عن هذا الحب الأحمق اليائس الذي أودعه فيها ولم تعرف أي الأمرين أشق عليها في التحمل , سخريته أو رثاؤه!.
قال يحفزها بصوت قاس:
" حسنا , لماذا؟".
حدقت في السجادة بتعاسة , وقالت:
" لست أدري , لم يسبق أن لمسني أنسان على هذا النحو , أو عانقني وقد أردت........ ظننت..".
وضع يده تحت ذقنها وأضطرها الى التطلع اليه , وقال:
" يا ألهي , ألم يخطر لك تلعبين بالنار؟ أن هناك نتيجة واحدة لا مناص منها أذا أبدى رجل لفتاة مشاعر الشوق كتلك التي أبديتها نحوك؟".
همست قائلة:
" لم أفكر في بادىء الأمر , ثم عندما فكرت أنتابني الفزع".
" فهمت , هل وجدتني عندئذ باعثا على النفور , أم ظننت مجرد الظن أنني وحش أناني لن أفكر كم أنت بريئة ومن ثم أكون رقيقا معك؟".
صاحت وهي تلوي يديها في طيات ردائها:
" أوه ... كلا!".
" ليس في وسعي أذا ألا أن أخلص لي أن هناك سببا آخر , سببا تخفينه عني".
" نعم!".
قالت ذلك في تعاسة وهي تعلم أن في وسعه أن ينظر في عينيها فقط ليعرف الحقيقة المخجلة , قال في هدوء:
" ظننت ذلك , هذا يفسر ذلك المشهد في المطبخ مع جيريمي حتى دفعك الى أن تطلبي مني العون , لقد خدعتني لفترة , ظننت أنك تريدينني , في حين كل ما كنت تريدين , كان درسا في الحب ! حسنا , أختاري في المرة القادمة شخصا آخر لتجاربك الصغيرة الساذجة ".
أطلقت صيحة ألم لهذا القول , ولكنه مضى يقول بلا رحمة:
" ألتزمي العواطف السطحية فقط يا قرة عيني , مثل تلك الأغنية التي غنيتها الليلة , ولكن دعي الحب بعيدا عن ذلك , أنه لحن أكثر طلاقة من القيود التي فرضتها على نفسك موسيقيا وعاطفيا".
لو أنه صفعها , لما كان الألم أكبر مما تشعر , هكذا كانت تفكر جامدة والباب يغلق وراءه , وعادت الى الأريكة وأنحطت عليها , كانت الوسائد المجعدة لا تزال تحمل أنطباعة جسمه , فأطلقت أنة صغيرة ثم دفنت وجهها في الوسائد وبكت كما لم تبك من قبل في حياتها!.

6- أوقات متوترة
كانت دموع كاتريونا قد جفت , وظلت مستيقظة بعد ذلك ساعة , عندما دخلت سالي غرفة النوم على أطراف أصابعها ,وقالت وهي تضيء المصباح القائم على خزانة صغيرة بين الفراش.
" يسرني أنك لست نائمة , ماذا حدث في منزل مويرا؟ يكاد الجميع يقتلهم الفضول, وما يتواتر بينهم هو أنها قذفتك بكأس من الشراب".
قالت كاتريونا وهي تتنهد , وتعترف بما وقع:
"لقد سكبت علي كأسا , ولكنني لا أعرف أذا كان ذلك عمدا أو لم يكن".
" حسنا , أذا لم يكن هذه المرة فسيكون المرة القادمة , وقد تستخدم البنزين عندئذ على الأرجح , لقد أستضافتك لتمدي لها يد العون نظير ذلك , فأذا بك تجعلين من نفسك نجمة الحفل , ثم تزيدين الطين بلة بعد ذلك فتخرجين مع الرجل الماثل في حياتها , لم يسبق لي أن رأيتها في هذه الحالة من الهياج , ولست أحسد جيسون على محاولته الصلح معها الليلة , ولكن لا شك أن لو وسائله!".
ظلت كاتريونا راقدة بلا حراك تحاول أستيعاب ما سمعته , وتساءلت أخيرا وقد جف حلقها:
" هل ... عاد الى الحفل أذا؟".
كانت سالي قد دخلت الفراش بعد أن غيرت ملابسها وأطفأت النور, قالت:
" بالطبع , أن دعوته لا بد تتضمن تناول الأفطار أيضا".
قالت كاتريونا بصوت بالغ الهدوء , برغم الألم الذي كان يمزقها:
"أظن ذلك".
قالت سالي وهي تسوي وسادتها:
" لا يمكن لأحد على الأقل أن يعرف ما يراه منهما في الآخر , ولكنني موقنة من أنه ليس الزواج , فحتى مويرا تدرك أنها تضيع وقتها , لهذا فهي ترضى بما يمكن أن تحصل منه".
ثم تثاءبت قائلة:
" طابت ليلتك يا حبي , أتمنى لك أحلاما سعيدة".
قالت كاتريونا بصوت غير مسموع تقريبا:
" طابت ليلتك".
وكانت لا تزال ممتقعة الوجه مثقلة العينين عندما عادت الى العمل في المركز , وأبدت جين كما أبدى أندرو دهشتهما لمظهرها الواهن , فقبلت منهما فنجانا من القهوة وقرصا من الأسبرين , ولكنها رفضت أقتراحهما بأن تعود الى المنزل , وفكرت في أن ما تريده الآن هو العمل , تريد شيئا يشغلها ويثير في جسمها التعب على نحو يمكنها من النوم ليلا.
وكانت الأنباء في المركز محزنة , فقد تلقى أندرو سالة من السلطات المحلية بأن أحد مفتشي المباني سيزور المنزل ليتفقده خلال الأيام القليلة القادمة.
" هذه يمكن أن تكون الضربة الساحقة , فقد يحكمون على البيت بالأغلاق ما لم نقم ببعض الأصلاحات الحيوية فيه".
ظلت كاتريونا صامتة وسرها أنها لم تثر الآمال في نفس أندرو بأبلاغه من قبل أنها تنوي أن تطلب المساعدة من جيسون , كان من الفظاعة أن تضطر الى الأعتراف بفشلها , ومن المستحيل أن تفسر ذلك , قال أندرو مواصلا حديثه:
" سيجتمع مجلس الأوصياء هذا الأسبوع , وأضطر للحضور لأبلاغهم بدقائق الموقف , وهذه مهمة لا أعتز بها".
" وماذا ستفعل أذا أقتضى الأمر بأغلاق المركز؟".
هز كتفيه قائلا:
" أعود الى عملي في الأبرشية على ما أعتقد".
تساءلت وهي ترقبه بأمعان ,وتجد وجهه يحمر:
" وجين؟".
قال في أرتباك:
"أن لديها مؤهلا عاليا كما تعلمين , ولن تجد صعوبة في العثور على وظيفة أخرى حتى أذا .... أعني .... أذا لم".
وتلاشى صوته , بينما أنحنت كاتريونا على آلتها الكاتبة , وهي تخفي أبتسامتها.
وكان النهار حافلا بالعمل كما كانت تأمل , وظل التلفون يرن بأستمرار , كل المكالمات من أخصائيين أجتماعيين يطلبون المأوى للحالات التي أجتمعت لديهم , ووصل وافدون جدد , من بينهم أسرتان بأطفالهما الصغار.
كذلك جاءت الشرطة لتصطحب شابا وصل في عطلة الأسبوع بعد فراره من بورستال , ثم جاء النبأ وأعلن أن الترميم الذي يجري للسطح لم يعد كافيا , والمطلوب هو سطح جديد تماما.
وجاءت السيدة هندرسون , وأغلظت لكاتريونا القول , لأنها وجدتها مع جين , ولم تجدها في عملها بالمكتب , فسبقتها كاتريونا الى هناك وقد ألتهب وجهها , وكان أندرو جالسا الى أحدى المائدتين , فأرسل اليهما نظرة تعاطف مشوبة بتحذير , فكتمت صيحة الأحتجاج التي كانت ترتعش على شفتيها , وجلست الى آلتها الكاتبة , ووضعت فيها الورق والكربون بجد مبالغ فيه.
وقف أندرو يرحب بالسيدة هندرسون ويقدم لها مقعدا.
" حسنا يا سيد ميلنر , هل فكرت في الأقتراح الذي قدّم اليك؟".
قال أندرو وهو يعاود الجلوس في كرسيه:
" بصراحة لم أفكر في شيء آخر منذ مكالمتك التلفونية , كان النبأ كوقع الصاعقة".
" هل أنت موقن أنك لست المسؤول؟".
" موقن تماما , لقد سمعت عن البرنامج بالطبع , ولكنني لا أدري لماذا يريدون أظهار المركز فيه".
" بالعكس, أنني أعتبر أنه كان يجب من زمن الأشادة بكرم زوجي الراحل على نحو ما , فمن المحقق أنه لم يلق الأعتراف الذي يستحقه في حياته".
" لا , ولكن أسمحي لي , هل هذا هو هدف البرنامج؟ أن ما فهمته هو أن المركز نفسه في نشاطه وأثناء العمل , هو الذي يريدون تصويره".
جلست كاتريونا كأنما قدت من حجر , وألتفتت الى أندرو وفي عينيها سؤال صامت , فهز لها رأسه قائلا:
" هذا صحيح يا كاتريونا برغم أنه أمر لا يصدق , لقد أتصل بالسيدة هندرسون منتج تلفزيوني يريد تصوير المركز في فيلم تسجيلي قادم".
" هذا .... هذا رائع".
قالت كاتريونا ذلك بطريقة آلية ,. لم تسأل أي محطة تلفزيونية , أو حتى أي برنامج , فقد كانت تعرف , وقالت السيدة هندرسون في لهجة لاذعة:
" أرجو ألا تتخيلي يا آنسة موير أنك ستظهرين في تلفزيون, أن الصورة هي المهمة , كما قال لي الشاب الذي حدثني , وأريد أن يكون عملنا , هو ذلك العمل الخيري الجاد لمساعدة المحتاجين , ومن المحقق أنني لا أريد أن أعطي أنطباعا بأن هذه مجرد ضيافة تنتشر فيها الأزيائ!".
نظرت كاتريونا في دهشة , وبدأت تكتب على الآلة وهي تشعر كأنها في حلم , لم يكن مصادفة ما حدث , لا بد أنه جاء من جيسون لورد , ومع ذلك فمن الصعب أن تصدق , قالت لنفسها مرات كثيرة منذ تلك الليلة التي كانت كالكارثة! لم يكن في وسعها أن تتوقع رؤيته أو تسمع عنه بعد ذلك , وأنه كان يتعين أن تدرك أن أي قرار شخصي من جانبها سيكون مآله سوء الفهم , أنه لا أحد يعطي شيئا مقابل لا شيء في عالم جيسون المفعم بالشك , فأي تفسير هناك لهذا التغيير ؟ أنها لا تجد تفسيرا".
قال أندرو:
" أن ما يحيرني هو كيف توصلوا الينا".
قالت السيدة هندرسون , وهي تنهض وتنفض التجعدات عن ثوبها:
" أنني ممتنة أكثر مني حائرة , هذا يدل على أن جهودنا لا تمر بدون أنتباه أحد ومن يعرف يدرك أننا نقوم بمساهمة طيبة في سد بعض الثغرات التي تركتها الخدمات الأجتماعية والحكومية".
ذهل أندرو قليلا وهو يسمع نفس كلماته ترد اليه من فم غيره , ثم تنحنح قائلا:
" وعلى ذكر سد الثغرات , كان البنّاء هنا هذا الصباح , وترك هذه التقديرات الخاصة بالسطح , أخشى أن النفقات كثيرة , وكنت أنوي أرسالها الى مجلس الأوصياء الليلة , ولكن ما دمت هنا".
تناولت السيدة هندرسون الورقة منه , وألقت عليها نظرة لامبالية , ثم قالت:
" سأعمل على وضعها في جدول أعمال أجتماع هذا الأسبوع , ولكن كما حذرتك يا سيد ميلنر ,لا أستطيع أن أبسط لك أي أمل في أمكان أجازة مشروع من هذا النوع".
" كنت أظن بالنظر الى أن كاميرات التلفزيون ستنزل علينا عما قريب".
ولكن السيدة هندرسون قاطعته قائلة في برود:
" لن يهتموا أبدا بتصوير السطح , ثم لا أريد أن يكون للمركز مظهر مضلل من مظاهر الرخاء".
" لا أظن أن أحدا سيحسبه فندقا فخما".
قالت السيدة هندرسون وهي ترتدي قفازها:
" آمل ذلك , لقد فهمت أن المنتج أو مساعده سيزورك في الأيام القليلة المقبلة لأجراء ترتيبات التصوير , وأنا موقنة أنك ستتعاون معه".
" سأفعل كل
ما في وسعي بالطبع".
وأصطحبها الى الباب وخرجا معا , ظلت كاتريونا وحدها مع أفكارها المضطربة , وكان أول شعور ساورها هو أن تقدم أستقالتها ,وبذلك تتجنب الألم والمهانة اللذين ستضطر اليهما عند مواجهة جيسون , ولكنها أدركت أن هذا الموقف سيكون ظالما لأندرو , فأذا ذهبت , فلا يوجد ضمان بأن يحل أحد محلها , بل أن سكون السيدة هندرسون يشي بعكس ذلك , وأندرو لديه ما يشغله من غير الأضطرار الى الكتابة على الآلة الكاتبة , وأمساك دفاتر المكتب , البديل الوحيد أذا هو أن تبدو غير متطفلة عند تصوير البرنامج , ولن تجد صعوبة في أن تظل بعيدة عن طريقه , ثم أنه لم يرغب في رؤيتها كما لا ترغب في رؤيته , هكذا قالت لنفسها في تحد وهي تحاول في الوقت نفسه أن تتجاهل شعور الألم الذي صحب هذا الخاطر على غير أرادة منها.
وأرغمت نفسها على أن تركز ذهنها في عملها , وأنشغلت بالكتابة عندما فتح باب المكتب ودخل أندرو وجين ,فقال لها مداعبا:
" أنظري اليها ؟ أنها لا تهتز حتى لفكرة الظهور في التلفزيون , وها هي تعمل بغير صعوبة أو تردد".
تنهدت كاتريونا في داخلها ,ومما أراحها أن مظهرها الخارجي يشي بالهدوء, كذلك حمدت للأقدار أنها لم تشر لأندرو من قريب أو بعيد بأمكان أن يكون لها ضلع في قرار تصوير المركز . كان من الممكن أن تساورها أفكار عن فضول أندرو وجين فينهالا عليها بالأسئلة , وأن تكون هناك أسئلة تبعث على الألم عند الرد عليها , وأيضاحات وتفسيرات تدعو لأحراجها , وذكّها صوت بداخلها بأنه لا مناص من هذه الأيضاحات والتفسيرات متى جاء جيسون , وأصبح واضحا أن كلا منهما يعرف الآخر , ولكن ربما في وسعها متى حان ذلك الوقت أن تجد لنفسها درعا يحميها , أما الآن فهي تحس بأنها عرضة للخطر تماما .
وعادت بأهتمامها الى أندرو وجين وكان حديثهما قد تحول الى البيانو وقال أندرو:
"أعتقد أننا يجب أن ندشنه في حفل ما , ماذا ترين يا كاتريونا , هل تستطيعين تنظيم هذا الحفل لنا؟".
" ليست هذه بمشكلة , ولكن هل سيشارك الجميع في الحفل؟".
قالت جين:
" ستشارك السيدة لامب بالطبع , لقد عثرت على بعض نوتات الموسيقى القديمة, ومنذ ذلك الوقت وهي تتدرب , ألم تسمعينها؟".
" كنت أفكر في الحقيقة في ميتش, هل نطلب منها أن تشترك؟".
قال أندرو:
" لا ضرر في ذلك على ما أعتقد, ولكنني أشك في أن تتلقى ردا".
قالت جين وهي تتنهد:
" لا بد أنها تهتم بالموسيقى , والا فلماذا الغيتار؟".
قال أندرو وهو يعبس قليلا:
" أود أن تكوني على صواب , ولكن أحدا لم يستطع حتى الآن أن يقنعها بأن تمس ولو وترا واحدا منذ جاءت الى هنا , وأحيانا أتساءل أن كان يخصها , أو حتى أن كانت تعرف العزف عليه".
كانت كاتريونا تتساءل عن الشيء نفسه , فقد راقبت ميتش عدة مرات عند لقائهما في الأسبوع السابق , وبالرغم من أن الفتاة كانت تحتضن الغيتار وكأنه ثمة شيء ثمين بالنسبة اليها , لكنها لم تمسك به على طريقة الموسيقيين ؟, وكان هذا لغزا لكاتريونا وهي تذكر وجه ميتش الشاحب المنكروب وما يحيط بها من جو عدائي.
ورحبت سالي بفكرة الحفل بحماس عندما أبلغتها بها كاتريونا وهما تتناولان الطعام في ذلك المساء.
" دعيني أعرف متى ستكون , وسأحضر وآتي معي ببعض الأصدقاء , أن أيان وباربارا كلاهما يغني , والباقي يستطيع أداء بعض القطع أرتجالا , وهذا كله يمكن أن يكون شافيا!".
تساءلت كاتريونا بسرور:
" لمن؟".
فضحكت سالي وهي ترقب كاتريونا قائلة:
" للجميع! أنك تبدين وكأنك في حاجة الى بعض العلاج أنت نفسك يا عزيزتي ما الخبر؟".
" لا شيء".
" على رسلك , أني لن أتطفل , ولكني سأفعل! أنت لا تضعين عينك على جيريمي لورد أليس كذلك؟".
شهقت كاتريونا وأحمر وجهها .
" جيريمي! أوه, كلا حقيقة ليس شيء من ذلك".
" الأمر أسوأ مما ظنت , فالوقوع في هوى جيريمي مثل الأصابة بالأنفلونزا في فبراير , محنة صغيرة من محن الحياة السخيفة طالما بقيت , وهي لحسن الحظ لا تبقى ,ولكن , أذا لم يكن جيريمي فلا بد أن يكون غيره أذا, كنت آمل أن يكون أيان".
أبتسمت كاتريونا بفتور , وقالت:
" أنه.... لطيف جدا".
لوت سالي قسمات وجهها بطريقة فكاهية , وقالت:
"هذا أشبه بحكم منه برأيي , مسكين أيان, أنه يستحق ما هو أفضل من ذلك , ولكن شيئا ما يخبرني أن هذا ليس الوقت المناسب للأسرار بين الصديقات , أتشعرين بأن جراحك لن تندمل؟".
أومأت كاتريونا برأسها , وهي لا تثق حتى بكلماتها أن تحدثت.
" سنغير الموضوع أذا, ما رأيك لو جاءت فتاة ثالثة وأقامت معنا؟".
تحوّل ذهن كاتريونا غصبا عنها:
" ثالثة؟ وأين تقيم؟".
" قد يدهشك الأمر ولكن يوجد مكان في غرفة النوم أذا نقلنا خزانة الأدراج , أن جولي في النادي تبحث عن مكان جديد , وتود الأنضمام الينا , سيساعدنا ذلك في سداد الأيجار , كما أنها ستكون بصحبتك عندما أرتحل في جولة تمثيلية قريبا , ولكنني أبلغتها أنه لن يتم شيء ألا بعد مشاورتك".
" وأنا ليس لدي أعتراض".
" حسنا , سأبلغها أذا,,,, جاء روبي الى النادي وقت الغداء اليوم, وكان يبحث عنك, أنه هو الذي صاحبك على البيانو في حفل مويرا , وكان يثني عليك أمام بعض معارفه من الفنانين , ويبدو أنه يستطيع تجربة للأداء لك , وقد يعني هذا حصولك على وظيفة في نادي على وظيفة في ناد يساهم فيه , حيث يستخدمون المواهب الجديدة".
" ولكنني لا أعتقد أنني أريد ذلك".
" لا تكوني مجنونة يا عزيزتي , ربما تكون هذه فرصتك الكبرى , فهو يعتقد أن لديك صوتا حقيقيا في طريقه الى النضج".
هزت كاتريونا رأسها قائلة:
" لا أخدع نفسي يا سالي , لقد كنت مشهورة في موطني , ولكن الفتيات المغنيات هنا في لندن كثيرات , العشرة بقرش ,ولذلك سأبقى في وظيفتي وأغني لنجرد اللهو , أو للألم , أنني أعرف من أحب, ولكن الغزال يعرف من سأتزوج".
أخرجت سالي من حقيبتها بطاقة سلمتها اليها قائلة:
"في أي حال, هذا هو رقم تلفونه , أاذا ما غيرت رأيك".
تناولت كاتريونا البطاقة ودستها في كيسها قائلة:
" لا أظن ذلك".
" أنك بالقطع تلتزمين بمبادئك , ولو كانت لي مبادئك , لظللت أتعثر فيها بأستمرار ".
" أن مبادئي ليست دائما مريحة , ولكنها أحيانا كل ما أملك".
مر اليومان التاليان في تثاقل , وشعرت كاتريونا بالتوتر طيلة وجودها في المركز , كان من المحتم أن يفكر الجميع في الزيارة المرتقبة لطاقم التلفزيون وأن يكون ذلك محور الحديث ,ولم يرتح بالها على الأطلاق , ووجدت نفسها تتطلع من النافذة في كل وقت تقف فيه سيارة بالخارج , فلامت نفسها على سخفها.
وعندما وصلت سيارات التلفزيون , كان ذلك بمثابة خيبة أمل , لأن الرجل الطويل الذي تترقبه عيناها غريزيا , لم يكن بين أفراد الطاقم من المصورين والمسجلين وغيرهم,
الذين دخلوا المبنى محملين بالمعدات , وكان الرجل الذي يرأسهم أسمه غارفيلد لوكاس ,وبرغم أن كاتريونا أسترقت السمع لحديثه مع أندرو فأنها لم تسمع ذكرا لأسم جيسون لورد , ألا أنها تيقنت من أن الفيلم الذي يصورونه عن المركز سيظهر في برنامج( هنا والآن) الذي ينتجه ويقدمه.
قال لوكاس لهم:
" يتضمن الفيلم مناقشة حية في الأستديو أمام جمهور من المدعوين , ونأمل أن يحضر ممثلوا منظمات خيرية أخرى , ونزلاؤكم وموظفوكم , وسنجري حديثا مع السيدة هندرسون بالطبع".
ووضع يده على كتف أندرو وقاده الى الخارج وهو يواصل الحديث معه وبعد دقائق أطل وجه جين من الباب ,وقالت وهي تجلس في مقعد:
"عندما يوصلون معداتهم بالكهرباء , قد تنفجر جميعا الى عنان السماء".
تنهدت كاتريونا من خلال أنفاسها , سوف تضطر أن عاجلا أو آجلا الى الأعتراف بدورها في كل هذه الفوضى , التي كانت أبعد ما يكون عن نداء أمسية الأحد الذي كانت تتخيل ظهوره أصلا في التلفزيون.
وجاء أندرو وهو يبدو منهكا , وقال:
" أهناك أمكانية لصنع القهوة يا جيني ,فربما يشربون غالونات منها".
" سأتحرى الأمر".
وخرجا معا , ومضت كاتريونا في كتابة حسابات المركز لأجتماع مجلس الأوصياء في اليوم التالي , وأستغرقت في عملها على نحو لم تسمع معه أحدا يدخل الغرفة , ولم ترفع عينيها ألا تحت الأحساس بأن أحدا يرقبها, كانت ميتش تقف خلف الباب, والغيتار بين ذراعيها , وتبدو شديدة الشحوب , وعينيها فزعتين , فعضت كاتريونا شفتها ,فهي لم تقدر أثر الكاميرا ؟ طاقم التصوير على فتاة مثلها , عندما بدأت حملتها الدعابية , قالت وهي تحاول أن تبدو تلقائية:
"هل جئت طلبا للهدوء؟ أنني لا ألومك , هناك مقعد بين خزانتي الملفات ".
وأخرجت الأوراق من الآلة الكاتبة وبدأت تراجعها بدون أن تنظر الى ميتش , ولكن حركة ما أنبأتها بأنها جلست ,وساد الصمت بعض الوقت , ثم قامت كاتريونا الى خزانة الأدوات الكتابية لأحضار علبة جديدة من المغلفات , فوجدت ميتش جالسة تحدق في الأرض , ويداها مضمومتان الى ركبتيها , والغيتار بجانبها مستندا الى أحدى الخزانتين , فتوقفت قائلة:
" هذا غيتار أسباني حقيقي , أليس كذلك؟".
أومأت لها ميتش بحركة خفيفة جدا من رأسها.
" وأنا أملك غيتارا أيضا ,ولكنه لا يضارع غيتارك في الجودة , هل يمكن أن أنظر اليه عن كثب؟".
بدت وكأنها تقف على حافة هاوية تنتظر هبة ريح لتسقط عليها , وتذكرت أن ميتش أنساقت مرة الى العنف بسبب الغيتار.
مرت فترة سكون طويلة , ثم تلك الهزة الخفيفة التي لا تكاد تميّز مرة أخرى.وشعرت كاتريونا وهي تمضي لألتقاط الغيتار وكأنها تمشي على قشرة بيض , ومدت يدها الى أوتار الغيتار تجربها ,وما لبثت أن جفلت.
" أنه يحتاج الى ضبط يا ميتش , من العار أن يظل هذا الشيء الجميل في هذه الحالة , أتعرفين كيف تضبطينه؟".
وجدت ميتش تحدق فيها فلم تحرك.
" هل أضبطه لك؟".
وبدأت تضبطه , ثم مرت بيدها على الأوتار , فخرج النغم جميلا , وأعادت الغيتار الى حيث كان بجوار ميتش.
" سنقيم حفلا هنا في أحدى الليالي ,فلماذا لا تأتين بالغيتار , سيحب الجميع أن يسمعوك وأنت تعزفين عليه".
" كلا!".
أطلقت ميتش الكلمة في لهثة أنفاس ,وحملت غيتارها وخرجت الى الباب لتجد هناك من يسده , وقال جيسون وهو يفسح لها الطريق:
" أرجو المعذرة".
وراقبها وهي تصعد الدرج حتى أختفت ,ثم ألتفت الى كاتريونا قائلا:
" أنني أبحث عن مستر ميلنر".
بلعن كاتريونا ريقها ,وقالت:
" سأ... سأذهب وأجده من أجلك".
" أشكرك".
وخلع معطفه الجلدي وعلقه على ظهر مقعد , ثم مضى الى النافذة ووأولاها ظهره , وفكرت وهي غير مصدقة , في أنهما يمكن أن يكونا غريبين , ولوهلة مفزعة ظنت أنها ستنفجر باكية , ولكنها تماسكت ورفعت ذقنها , أذا كان هذا هو ما يريد , فلا بأس!
ووجدت أندرو في المطبخ , فأبلغته أن منتج البرنامج ينتظره في المكتب ,وساعدت جين في تقديم القهوة وشرح ما يحدث للنزلاء , وكانت السيدة لامب تبدو عدوانية.
" لم يسألنا أحد أذا كنا نريد ذلك , ولن أسمح بمعاملتي كحيوان في الحديقة".
وأستغرقت عملية أسكات المخاوف بعض الوقت , وعندما عادت كاتريونا على مضض الى المكتب , كان جيسون قد أنصرف , ولكن شعورها بالأرتياح لم يدم , فقد أبلغها أندرو أن جيسون سيعقد بعد الظهر أجتماعا لبحث سيناريو الفيلم , وطلب منه أن كان في وسعه أن يقدم له العون في مسائل السكرتارية , لأن سكرتيرته مريضة.
" قلت له أنني متأكد أن كل شيء سيكون على ما يرام , هل تعتقدين أن في وسعك المسايرة يا كاتريونا , أنه يبدو رجلا شديد الوطأة في العمل ".
" ليس لي خيار آخر, أليس كذلك؟".
وشعرت بتوتر عندما أجتمعوا الى أحدى المائدتين في المكتب بعد الظهر , وشرح جيسون بأيجاز شكل الفيلم ,وسأل أندرو أن كانت لديه أضافات أو أنتقادات , وتبيّن أن التركيز سيكون على النزلاء ,ودور المركز في حياتهم وقت الأزمات الشخصية , وكان هذا أبعد ما يكون عن تكريم ذكرى السيد هندرسون على نحو ما تصورت أرملته!.
وقال جيسون:
" وبالأضافة الى ذلك , ستكون هناك بالطبع الأزمة الخاصة بشؤون المركز".
فرد أندرو قائلا:
" لا أحسب أنه يمكن أن أصفها على هذا النحو".
" أوه؟ وكيف تريد أن تصفها بالضبط؟ لقد أجرينا بعض التحريات يا سيد ميلنر وتحدثنا الى بعض الأوصياء الآخرين غير أليس هندرسون , وكذلك الى بعض المسؤولين في المجلس المحلي ,وكلهم تتفق آراؤهم على أن أيام المركز معدودة ما لم يتغير الموقف جذريا , وعاجلا".
حدقت كاتريونا في مفكرتها ورأت أمامها رموز الأختزال كأنما تسبح بلا معنى , ماذا قالت له من جراء التهور تلك الليلة؟ أن الغاية تبرر الوسيلة؟ وهي لم تعد واثقة من ذلك الآن".
قال أندرو معترفا:
" هناك مشكلة بالنسبة الى المال".
فرد جيسون في رفق:
" أظن أنها أكثر من مشكلة , فالمؤسسة مفلسة تقريبا على ما علمت , وقيل لي أيضا أنه كان من الممكن القيام بعملية أنقاذ لجذب مزيد من المال منذ وقت طويل, لولا عناد السيدة هندرسون نفسها".
نظر اليه أندرو بثبات وقال:
" أظن أن هذا يفسر الأهتمام المفاجىء لوسائل الأعلام بشؤوننا , كالجوارح التي تنتظر حلول الموت".
بادله جيسون النظر بسخرية , وقال:
"ماذا تتوقع يا سيد ميلنر ؟ أن هذا المكان والعمل الذي تقوم به ليسا فريدين . كان يمكن أن تركز الأضواء على عشرات من الأماكن الشبيهة , ولكنننا أخترناك , ألم تسأل نفسك لماذا؟ أنت تعرف الموقف أفضل من أي أنسان آخر , ولعله حان الوقت لتواجهه بواقعية".
ثم نظر في المفكرة أمامه , وقال:
" بالطبع , أن الوقت لم يفت بعد , أذا أردتنا أن نذهب".
أرسلت كاتريونا الى أندرو نظرة فزعة , ربما لا يحب زاوية العرض التي سيأخذ بها البرنامج , ولكن هذه قد تكون آخر فرصة لهم لأثارة بعض أهتمام الجمهور بمحنتهم , فأذا رفض أندرو العرض , فلا أمل بعد ذلك للمركز أو للأشخاص الذين يعتمدون عليه.
ولكن أندرو هو رأسه ببطء قائلا:
" لا أظن الخيار خياري , أننا في حاجة الى أية مساعدة نحصل عليها , سواء أرتهنت بشروط أو لا , وسوف نمنحك كل التسهيلات".
" شكرا , يحسن أن نبدأ أذا".
شعرت كاتريونا بأرهاق بدني وعقلي وهي تخرج آخر الأوراق من آلتها الكاتبة بعد ذلك بساعتين , كان الأجتماع قد أقتضى أن تبذل المزيد من القدرات بدون أن يتنازل لها أحد عن شيء بسبب أفتقارها للخبرة ,ومع ذلك فقد جاهدت لأن كبرياؤها لم تسمح لها بالتسليم تحت نظرات جيسون الساخرة وشعرت بأن السرعة التي جرت بها المناقشة , وما تخللها من تعليمات كانت تلقي اليها ببعض الأهمال الذي ربما قصد به أظهار عجزها , ولكم هذا جعلها أكثر تصميما ألا تقبل منه التمهل أو تكرار شيء قاله.
أنتفضت عندما وجدت يده تمر من فوق الأوراق.
" هل أنتهيت؟".
لم تكن قد سمعته يدخل , وأقلقها قربه وهو يقف خلفها يقرأ الأوراق., وتحركت قليلا بمقعدها حتى لا يحدث بينهما أتصال بدني معذّب , ونظرت اليه عندئذ بغير أرادة منها , فعرفت من حركة في فمه أن تصرفها لم يذهب بغير ملاحظة منه , وقال وهو يلقي بالأوراق على الطاولة:
" كتابة متقنة , سآخذ أول صورة معي الليلة , وفي وسعك أن تعطي نسخة للوكاس".
" بالطبع".
نظر الى ساعته قائلا:
" حسنا , عندي بعض الرسائل عندما تكونين حاضرة".
وبدأ يملي حتى قبل أن تفتح مفكرتها وتتناول قلمها , وفكرت بغضب في أن ما يحدث هو أختبار للقدرة على التحمل , وليس أملاء عاديا , وقال بتلقائية بعد أن فرغ:
" أود أرسال هذه الرسائل الليلة , ويجب ألا تستغرق منك وقتا طويلا".
أختلست كاتريونا النظر الى ساعتها , فوجدت أن الوقت تجاوز موعد خروجها من المكتب , فكتمت تنهيدة وهي تجمع الأوراق.
" هل أعطّلك ؟ ولكن رئيسك وعدني بكل التسهيلات و....".
" لا بأس".
قاطعته بهذه العبارة وهي تضع الأوراق في الآلة , وأرغمت فسها على التركيز فيما بين يديها , على أرادة منها يتجاهل حقيقة أنه سحب كرسيا ووضع قدميه على طرف مائدتها , ولكن أدراكها لنظراته المدققة اليها جعل أصابعها تتعثر , وأحمر وجهها من فرط الحرج وهي تضع في الآلة ورقة جديدة , وأخيرا قالت:
" هل تسمح بأن تكف عن النظر اليّ؟".
" أنا آسف .... ولكن ديان ليست على هذه الدرجة من الحساسية , فقد أعتادت على أنفاسي تحيط بعنقها!".
ظلت كاتريونا صامتة , وتساءلت في مرارة هل هذا يعني أن ديان على درجة متساوية من الود معه , ومع ذلك تقدر على جعل العلاقة علاقة عمل فقط في المكتب ؟ أن كان الأمر كذلك , فهو يتطلب درجة من التمرس لا تملكها وعذّبها أدراكها المستمر لرجولته البادية ,ولكنه ما لبث أن نهض قائلا:
" سأبحث عن جين وأرى أن كان في الأمكان أعداد بعض القهوة , هل تريدين قهوة؟".
تجاهلت مطالب معدتها الخاوية ,وهزت رأسها فقال:
" فهمت , لا بد أن أخرج وأظل في الخارج".
وكانت نبرته ساخرة , وتوقف كأنكا ينتظر ردا أنتقاميا من جانبها ,ولكنها لم ترد , وسمعت بعد قليل الباب يغلق وراءه , وعندما أكملت الرسائل وأعدتها لتوقيعه لم يكن قد عاد بعد, فخرجت تبحث عنه , ووجدته في المطبخ جالسا يتحدث مع جين وبعض النزيلات , ومنهم السيدة لامب , و من نظرته الجذلة ,وطريقة حديثه ,ضمنت جين بأن كل ما كان يساور السيدة لامب من مشاعر الأحساس بأنها حيوان في الحديقة قد ولّى, ولم تدهش كثيرا عندما نبأتها السيدة لامب بأنها ستكون وأسرتها موضوع حوار متعمق , قرر جيسون أجراءه في البرنامج , وغمزت لها جين بعينها فأبتسمت لها , كان من المحتم أن ينتصر جيسون , وعليها أن تكون مسرورة لأن نصره لم يشماها.
وصحبها الى المكتب , وأنتظرت في صمت ألى أن راجع الرسائل ووقعها قائلا:
" هل أوصلك؟".
" كلا , أشكرك".
وسرّها أنها كانت تطوي الرسائل وتضعها في مغلفاتها , وكان وجهها بعيدا عنه:
" ستكونين آمنة".
أحمر وجهها ورمت اليه بنظرة قاتلة:
" أرجوك , لا تهزل".
" وهل أنا أهزل؟ سأصدق كلمتك وأن كنت موقنا أنني لن أضحك".
ومد يده فجأة وأخذ بذراعها , وضغط عليها بأصابعه وهتف:
" كاتريونا".
كانت تشعر بفزع , من نبرة العنف في صوته ,ومن ردة فعلها لهذا الأتصال البدني اليسير , وآلمتها الحاجة الى أن تلتفت اليه وتلقي بنفسها بين ذراعيه , كما آلمتها ضرورة أن تفعل العكس تماما وأن تظل بمعزل عنه , وألا تظهر من جانبها أية بادرة للصخب الذي أثارته لمسة يده في أعماقها , وجاء صوت أندرو فجأة , وهو يقف على عتبة الباب ,كأنه طوفان ماء بارد.
" هل ثمة شيء؟".
" لا شيء , أن السيد لورد على وشك الذهاب".
قالت كاتريونا ذلك وهي تحرر نفسها من قبضة جيسون أذ خفت وكرهت نبرة التوسل التي ظهرت في صوتها , وحدقت في الأرض متجنبة نظرته اليها وألى أن أدركت أنه وقف يرقبها , وبعد برهة بدت كالدهر , ألتقط معطفه ووضعه على كتفيه , وحيّا أندرو ومضى ,وساد صمت طويل , ثم قال أندرو بهدوء:
" أتريدين التحدث؟".
" ليس هناك ما يمكن الحديث بشأنه".
" ولكنك ولورد ... لستما بالضبط... غرباء؟".
وقالت وعيناها لا تزالان مثبتتين في الأرض:
" كلا".
" فهمت, هذا يفسر الكثير في أي حال".
" كان المفروض أن أقول لك في النهاية , ولكنني كنت أشعر شعورا مقيتا لو أخبرتك , أنني لم أتوقع أن يحدث كل شيء على نحو ما حدث".
قال أندرو في هدوء وأبتسام:
" أعرف ذلك يا فتاتي العزيزة , أنني أعلم أنك تصرفت بكل حسن النية , وأنني لموقن أننا عندما يتاح لنا الوقت لألتقاط أنفاسنا , فسندرك تماما أن المركز هو المستفيد في النهاية , أن الأمر يحتاج الى التعود عندما لا تكونين متوافقة مع وسائلهم , ولكنني أقول شيئا واحدا عن صاحبك السيد لورد أنه يبدو وكأنما الفوز حليفه دائما".
جفلت كاتريونا في داخلها , وقالت:
" أنه ليس صاحبي".
" لا! حسنا يا كاتريونا , لن أتطفل على شؤونك , وليس لي الحق في أختبارك , أذهبي الى البيت الآن , فأمامنا يوم حافل غدا , وآمل أن نتحمل الضغط جميعا".
قالت كاتريونا بصوت غير مسموع تقريبا:
" وكذلك آمل أنا".

7- دائما الرجل الخطأ!
بدا الأمر مدهشا بعد أن أعتاد الجميع على وجود طاقم التصوير بينهم, فلم يمر يومان حتى كانت آلات التصوير والمكرفونات والأسلاك جزءا من الأثاث , وأصبح لوكاس ورفاقه كأنهم خلاّن قدامى.
وكانت ديان سكرتيرة جيسون قد شفيت من مرضها وعادت الى العمل , فخف الضغط على كاتريونا, التي لم تدر أن كان هذا قد سرها أو أحزنها , فمهما قالت لنفسها أن مشاعرها نحو جيسون هي مجرد تضييع للوقت , فأنها في الوقت نفسه لم تستطع أن تنكر وجودها ,وكان من الصعب أن تظل محتفظة بمظهر المتجنبة , لتحمي نفسها في وجوده , وأن كان جيسون قد أقتصر بنفسه عنها كذلك , فلم يعد يعرض عليها الآن أن يوصلها للمنزل , أو يوحي لها بأن علاقتهما تتجاوز حدود العمل , ولم تره الآن كثيرا بعد أن بدأ التصوير , وحلت ديان محلها بآلة كاتبة متنقلة كانت تسندها عند الضرورة على أي شيء , بدون أستخدام المكتب الا نادرا , وأرغمت كاتريونا نفسها على التركيز على عملها , وكلما فاجأتها لأية خطوة غريبة تدب في البهو ,كانت تتطلع الى الباب بأمل , ومع ذلك فقد فقلّما كانت وحدها , أذ أن الفتاة ميتش تنفق الآن معظم نهارها نتكومة وقد أنحنى رأسها على كرسي المطبخ القائم بين خزانتي الملفات , والغيتار غير بعيد عن قدميها , وقد ألفت كاتريونا بمرور الوقت دخولها , وبدأت تتحدث أليها ,ولم تتوقع منها ردا , بل لم تعرف حتى أن كانت ميتش وهي غارقة في عالمها الخاص , تدرك شيئا عن المونولوج الذي بدأت تحدث به نفسها في ترده أولا , ثم في ثقة متزايدة , وظنت كاتريونا أن ميتش مجنونة في البداية وهي تنصت في دهشة الى خليط الكلمات والأفكار المسترسل من فمها , وكانت على وشك أن تقرر أن هذه الفكرة مضيعة للوقت عندما رفعت ميتش رأسها فجأة ونظرت اليها , وقفز قلبها في صدرها , أذ لمحت في عينيها لأول مرة أشعارا بوجودها , لقد حدث نوع من الأتصال الضعيف , ولكنه بعث الأمل في نفس كاتريونا , وعندما ذكرت لأندرو ذلك فيما بعد بدا مسرورا لأهتمامها ,ولكنه لم يجد فيما قالته ما يبعث على التفاؤل.
" لا تفرطي في الأمل يا كاتريونا , لقد ظننا أنا وجين مرات من قبل أننا على وشك النفاذ اليها , ولكنها في كل مرة تتقوقع على نفسها من جديد , ولا أريد أن تحزني أذا حدث ذلك معك".
وظلت كاتريونا تذكر كلماته خلال لقائها التالي مع ميتش , ولكنها ظلت أيضا تشعر بالأمل , وواصلت ثرثرتها غير المنطقية مع نفسها , فكانت ترى ميتش أحيانا ترقبها والحيرة تعلو وجهها , كمن يفتح الراديو على محطة أجنبية ويحاول التعرف ألى لغتها , وبمرور الوقت , وبدأت كاتريونا تشعر بصعوبة في أيجاد موضوعات للحديث , كانت قد تعرضت في حديثها لعملها في المركز , وصداقتها لسالي , وحتى زيارتها لمركز التلفزيون , وغنائها في حفل مويرا دين.
وكان من المحتم أن تعود في النهاية الى العمة جيسي وأيام تورفيج ,وقد أستثار ذلك في نفسها ألما مختلفا , وبدا لها الأمر كأنما تردد حياة شخص آخر , وتجربته , وكأن الأمور التي وقعت لها في لندن منذ وصولها هي الحقيقة الوحيدة , وقد أشعرها ذلك بالذنب والحيرة, وقالت لنفسها أنها نفس الشخص , ولكنها كانت تدرك أن هذا ليس صحيح , وأنها في فترة أسابيع قد تغيرت من تلك الفتاة التي خرجت من موطنها تحدوها سذاجة مرحة , وتعرف في ذلك الوقت معنى الأمن والأمان , ولكنها تدرك الآن , وهي ترتعد , أن ما تلمسه ليس ألا الشك وعدم اليقين!
ولكن توقفها عن الحديث وأستبطانها لأمورها تبخر عندما تطلعت الى ميتش , ووجدتها تحدق فيها , ولم تصدق ما رأته في عينيها , تساؤل يصحبه توقع, كأنما أضحى الصمت يزعجها , وقالت لنفسها أنها تريد منها أن تستمر في المحاولة معها , فغمرتها موجة من الغبطة دفنت مع مشكلاتها , وأستأنفت حديثها وهي تخفي سرورها وتقاوم الرغبة في النظر الى ميتش كثيرا , تلمسا لرد فعل ,وبدأ صوتها تتخلله نبرات دافئة وهي تتذكر أمورا أخرى , أمسيات حزيران التي لا تنتهي , والحفل المرتجل المرتقب , ورائحة الخبز والكعك ودفء البحر الذي تعلمت السباحة فيه , وحتى رصيف موليج الصاخب ,حيث أعتادت أن تصحبها العمة جيسي في العطلات , لترقب السفن وهي تبحر الى الجزر وزوارق الصيد وهي تفرغ شحناتها تحت أشعة الشمس الذهبية.
وتوقفت عندما أدركت أم ميتش لم تعد تنصت , بل تحدق من وراء كتفها بعينين متسعتين , وقد تصلب جسمها , وألتفتت كاتريونا لتجد جيسون قائما عند الباب ,وقد أرتكن اليه ويداه في جيبه , وبدا كأنه واقف هناك من زمن, قال:
" أنك ترسمين صورة ريفية رائعة يا آنسة موير ,ولعلك تعرضين خدماتك على لجنة السياحة الأسكتلندية".
" أن لدي وظيفة بالفعل".
" حقا, وهل هذا جزء منها؟".
ونظر الى ميتش التي كانت قد أختطفت غيتارها وأوشكت على الفرار ,وقالت كاتريونا وهي ترقب رحيلها بخيبة أمل:
" أعتقد ذلك".
أومأ الى آلتها الكاتبة قائلا:
" أحتفظي بجهدك لعملك الذي تتلقين عنه أجرا يا آنسة موير , قد تحطمين أظافرك ولكن قلبك سيظل سليما".
أنقبضت يداها على غير أرادة منها , ولكنها قالت في ثبات:
"أتريد أخباري بألا أتورط في شيء؟".
" هذه هي سياستك المعتادة , أليس كذلك؟ أن تبقي بمعزل عما يحدث , وألا تسمحي لأية مشاعر بالتدخل , حذار يا كاتريونا , أن المرأة في داخلك قد تحاول الهرب , وأنت كفتاة يمكن أن تكوني العامل المساعد على حدوث ذلك".
أدى أحساسها بجرح مشاعرها الى التهور:
" أنك تبدو مغرورا يا سيد لورد , فهل ذلك لأنك أخفقت في أن تكون أنت نفسك العامل المساعد؟".
بدت نظرة عينيه الرماديتين الباردتين كأنما يشعرها بأزدراء:
" أنت تتملقين نفسك بذلك يا عزيزتي! ربما لم أكن على درجة من الأهتمام تجعلني أبذل الضغط الضروري".
ثمة شيطان يدفعها الى الأستمرار , قالت:
" بالطبع , لن تحتاج مع الآنسة دين الى بذل أي ضغط أليس كذلك؟".
" لا تتوقعي مني في الحقيقة أن أرد على ذلك , أنني أنصحك يا كاتريونا بأرجاع مخالبك , قبل أن يقرر أحد تقليمها لك! أن جهودك التي تشكرين عليها مع تلك الفتاة لا تجعلك خبيرة بالطبيعة البشرية".
أحنت رأسها وهي تشعر بالدموع تحرق جفونها , وقالت معتذرة:
" أنني آسفة".
" أنسي ذلك , هل لي أن أستخدم التلفون هنا؟".
نهضت عن المائدة قائلة:
" بالطبع , هل هي مكالمة خصوصية؟ أعني هل تريدني أن أخرج؟".
" الأمر متروك لك , سأتصل بالآنسة دين لتناول العشاء معي الليلة , وربما تريدين المكوث لتعرفي كم من الضغط أبذل!".
" كلا , شكرا".
قالت ذلك بصوت مكتوم , وخرجت حتى قبل أن يدير القرص , وقابلها أندرو وهي تعبر البهو الى المطبخ.
" أوه , أن لوكاس يريد أن يعرف يا كاتريونا أذا كان في وسعنا أن نرتب الحفل ليلة غد , يريد أن ينتهي من التصوير فيما يبدو ,ويرى أن الحفل سيكون عنصرا خفيفا أذا قورن بسائر عناصر البرنامج".
حدقت فيه مفزوعة :
" يا للسماء! لم أكن أتخيل أنهم يريدون تصوير الحفل , هل تعرف السيدة هندرسون ذلك؟".
" لا أعتقد , كان لوكاس وجيسون لود عل أتصال بها فيما يبدو , وطلبا منها الحضور الى المركز لأجراء حوار معها وهي تتحدث الى النزلاء , أو تساعد هنا أو هناك , ولكنها أبت وقالت أنها تفضل الحوار في منزلها أو خلال المناقشة التي ستجري في الأستديو و وأعتقد أنها مخطئة بذلك , لقد أستخلصت لنفسها نتائجها الخاصة عن طريقة أخراج البرنامج , وأخشى أن تصدم , لو أنها جاءت فقط وتعاطفت , لربما كان ذلك منذرا لها بما سيجد من أمور".
وافقت كاتريونا وهي تتمنى نسيان الفكرة عن أقامة الحفل , ولكنها أدركت أن النزلاء سيصابون بخيبة أمل أذا تراجعت الآن , وقدّرت في النهاية أن أستمتاعهم وأحساسهم بألفة الروح بينهم , أهم من أي أتهام قد توجهه لها السيدة هندرسون مستقبلا بأنها سعت الى الأنظار الى نفسها , وبقيت بعيدة عن المكتب أطول مكتب ممكن حتى لا تخاطر بأستراق السمع الى حديث جيسون مومويرا , وعندما عادت أخيرا , لم يكن ثمة أثر لوجوده ألا عقب سيكارته في المنفضة , وقد أطفأها في منتصفها , وتمنت أن تطفأ مشاعرها بالطريقة نفسها.
وظلت تعمل الى وقت متأخر في المساء , وهي تساعد أندرو على أعداد ميزانية أخرى لأجتماع مجلس الأوصياء , وعرض عليها بعد ذلك توصيلها الى المنزل فأعتذرت وبينما كانت تمر بالبهو في طريقها الى الخارج , وجدت نفسها وجها لوجه أمام مويرا دين , وهي ترتدي ثوبا من الشيفون الأزرق للسهرة , وشعرت بأعماقها تئن وهي ترى العداء في نظرة مويرا , لو كان لديها أدنى فكرة عن لقائهما في المركز للذهاب الى سهرتهما لأخفت نفسها في مكان ما.
" أنت ثانية؟ ماذا تفعلين هنا ؟ هل تقيمين في هذا المكان!".
جاهدت كاتريونا لتمسك أعصابها:
" كلا يا آنسة دين أنا أقيم مع سالي فنتون , وهنا أعمل في المكتب".
" فهمت, وأتساءل لماذا أختار جيسون هذا المكان , ربما كانت هذه هي القصة المحزنة التي رويتها له في مطبخي تلك الليلة".
ثم ألقت الى ما حولها نظرة أستخفاف ,وقالت:
" يا له من مستودع قمامة ! هذا مكان يجب هدمه لا أنقاذه , ولكن لعل جيسون سيقول هذا في البرنامج!".
قالت كاتريونا وهي تحاول قمع الأنوعاج الذي أثارته كلمات مويرا في نفسها:
" لا أعتقد ذلك ... أنه في صفنا... كل الطاقم في..".
ضحكت مويرا في أزدراء ,وقالت:
" أن الطاقم كله يفعل ما يشاء , وهو ليس في صفك أو في صف أحد , أنه صحفي من قمة رأسه حتى أخمص قدميه , ويعرف الخبر الجيد عندما يلمسه , فأذا أبدى أهتماما بهذا المكان , فليس ذلك لأغراض خيرية , بل لأنه أكتشف شيئا يمكن ترجمته جيدا بأسلوب تلفزيوني , وفيما عدا ذلك فلن يهتم , وسيكشف تماما عن حقيقة ما يجري لو أنه عثر على شيء , وهناك ما يحدثني يا آنسة %u

كلمات البحث

رواية، مصور، رومانسية، مترجم، احلام، عبير، عالمي، ابداع، قلوب، كوري



ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك




hgHykdm hglj,pam - shvm ;vhtk-v,hdhj ufdv hgr]dlm hgHykdm hgr]dlm shvm ufdv


التعديل الأخير تم بواسطة حفصه ; 09-24-2014 الساعة 02:43 PM
lorry_jon غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2013, 04:57 PM   #2

همسات دافئة
alkap ~
 
الصورة الرمزية همسات دافئة

  عَضويتيّ : 4
  تَسجيليّ : Mar 2012
مشآركتيّ : 32,550
مَلآذي :  القاهرة
 نُقآطِيْ : همسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond repute
أنـٍُا :
منٌ : دولتي Egypt
مزاجي : مزاجي
 ﭠآﺑﻋﻧي: My Facebook My Twitter My Flickr My Fromspring My Tumblr My Deviantart
 
مشروبك   pepsi
قناتك mbc
мч ммѕ ~
My Mms ~
شكراً: 849
تم شكره 8,058 في عدد 2,514 مشاركات

Awards Showcase

افتراضي رد: الأغنية المتوحشة - سارة كرافن-روايات عبير القديمة

رواية جميلة ..
شكرا ياقمر ..تسلم ايديكي
همسات دافئة غير متواجد حالياً  
التوقيع


شكرا تماضر علي هديتك الرقيقة ..وشكرا dodyعلي التصميم الرائع


شكرا الجميلة ساندورة علي هديتك الرائعة التوقيع و الصورة الرمزية



شكرا نورسين اختيارك الرائع للتوقيع و شكرا سعد علي التصميم الرائع
رد مع اقتباس
قديم 04-12-2013, 10:33 PM   #3

الحائرة
 
الصورة الرمزية الحائرة

  عَضويتيّ : 33
  تَسجيليّ : Apr 2012
مشآركتيّ : 44
 نُقآطِيْ : الحائرة is on a distinguished road
شكراً: 0
تم شكره 2 في عدد 1 مشاركة
افتراضي رد: الأغنية المتوحشة - سارة كرافن-روايات عبير القديمة

رواية جميلة
تسلم ايديكي يا قمراية
الحائرة غير متواجد حالياً  
من مواضيعي
رد مع اقتباس
قديم 11-17-2013, 04:15 PM   #4

نهرجاري

  عَضويتيّ : 4851
  تَسجيليّ : Nov 2013
مشآركتيّ : 2
 نُقآطِيْ : نهرجاري is on a distinguished road
شكراً: 0
تم شكره 0 في عدد 0 مشاركات
افتراضي رد: الأغنية المتوحشة - سارة كرافن-روايات عبير القديمة

شكراااااجزيلااا عالرواية
نهرجاري غير متواجد حالياً  
من مواضيعي
رد مع اقتباس
قديم 12-03-2013, 07:57 PM   #5

شبابيه كووول

  عَضويتيّ : 5067
  تَسجيليّ : Dec 2013
مشآركتيّ : 306
 نُقآطِيْ : شبابيه كووول is on a distinguished road
شكراً: 0
تم شكره 0 في عدد 0 مشاركات
افتراضي رد: الأغنية المتوحشة - سارة كرافن-روايات عبير القديمة

يعطيك العافيه
شبابيه كووول غير متواجد حالياً  
من مواضيعي
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المتوحشة, الأغنية, القديمة, سارة, عبير, كرافن-روايات

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية

Bookmark and Share


الساعة الآن 10:48 PM

أقسام المنتدى

الأقــســـام الــعـــامــة و الثـقافـية | همسات الاسلامي | همسات العــــام | همسات للبحوث و المعلومات العامة | الأخبار الخفيفة | همسات للسياحة و السفر | الأقــســـام الرومـانســية | همسات رومانسية العام | همسات روايات عبير | روايات عبير المكتوبة | همسات روايات أحلام | روايات احلام المكتوبة | قلوب همسات الرومانسية | همسات للروايات الرومانسية المترجمة | همسات للقصص المترجمة القصيرة | ورشة عمل مشرفي المترجم | همسات للقصص الرومانسية المترجمة المصورة | همسات للاقترحات و الطلبات و المواضيع الجانبية | قسم خاص لهمسات الرومانسي | همسات للقصص و الروايات المنقولة | نبض المشــاعر | همسات للخواطر و الأشعار المنقولة | الأقــســـام الأســرية | همســات لتربية الطفل | همسات للاشغال اليدوية | همســات للديـكور | مطبخ همســات | همسات للرشاقة و الرجيم | همســات للطب و الصحة | كتب و مجلات الطبخ | استشارات فى الوصفات | اكلات لأشهر الشيفات | الاكلات الرئيسية | المعجنات والمخبوزات و البسكويت | للحلويات الشرقية و الغربية | السلطات والمقبلات | المشروبات والمربات | اكلات خاصة للاطفال | أقــســـام المكتبة الادبـية | همســات للكتب العـالمية | همســات للكتـب و المؤلفات العربية | مكتبة الطفل | قصص و مجــلات ديزني | ورشة عمل مشرفي قلوب همسات | الأقــســـام الفنـية | الأقــســـام الترفيهية | الأقــســـام التقنية | الأقــســـام الاداريــة | همسات للأفــلام | الافــلام العربية و المسرحيات | الافــلام الاجنبية | همســات للأغـاني و الموسيـقي | الاغـاني العربـية | English Songs | همســات للـدرامـا التركـية | همســات للـدرامـا الاسـيوية | الافــلام الاسيوية المترجمة للعربية | المسـلسـلات الاسيـوية المترجمة للعربية | همسـات للانـمي | مقهى همسات | ملـتـقي الاعضـاء | العاب خفيفة و مسابقات | همسـات لبـرامـج الكمبـيوتـر و الجوال | همسات الفوتوشوب و التصمـيم | ورشة عمل خاصة بفريق اميرات الابداع | همســات للألعـاب الالكترونية | الارشـيف | الشكاوي و الاقترحات | المشرفين | الادارة | ورشة عمل مشرفي المترجم المصور | روايات عبير الجديدة | افلام الانمي | اكلات للرجيم واطباق صحية | همسات للمسلسلات | المسـلسـلات العـربـية | المسـلسـلات الاجـنبية | الافــلام الهـنديـة | المحـذوفــات | الافــلام التـركـية | روايات عبير دار النحاس | روايات عبير دار ميوزيك و المركز الدولي | روايات عبير القديمة و مكتبة زهران | روايات عبير مكتبة مدبولى و دار الحسام | روايـات بوليسية عالمية | همسات للكتب العربية الحصرية | همسات للاخبار السياسية | سلسلة أحلام من 1 الى 100 | سلسلة أحلام من 101 الى 200 | سلسلة أحلام من 201 الى 300 | سلسلة أحلام من 301 الى 400 | سلسلة أحلام من 401 الى 500 | همسات للروايات الرومانسية المكتوبة | المكتبة الخضراء | قصص ديزني الاجنبية | همســات للكتب العـالمية الحصرية | الأنمى المترجم-ANIME TRANSLATOR | مسلسل ما ذنب فاطمة جول؟ | المسلسلات التركية | فعاليات رمضان | دروس رمضانية | كتب و مجلات الطبخ الحصرية | سفرة رمضان 1434 | ورشة عمل أميرات الرومانسية | أخبار الصحة و الطب | شروحات البرامج و الكمبيوتر | سلسلة ارسين لوبين | تعالوا نتعارف | تعالوا نتعارف | همسات الاخبارية | همسـات للتاريخ و الحضارة | همسات للتنمية البشرية | الاخبار الثقافية و الادبية | دورات و دروس التصميم | ملحقات برامج التصميم | تصميمات الاعضاء | همسات للموسيقي | انظمة التشغيل | برامج الحماية | برامج الفيديو و الصوتيات | طلبات واستفسارات الكمبيوتر | برامج المحادثة و ملحقاتها | برامج الصور و التصميم | ورشة الاسيوي | روايات باربرا كارتلاند | مجلة اميرات ديزني | قصص و مجلات وينى الدبدوب | قصص الاطفال المكتوبة | الأقــســـام الاجـنـبـية والـمترجـمة | قلوب همسات المصورة | ورشة عمل قلوب همسات المصورة | الدراما الاسيـوية المترجمة للانجليزية | القصص القصيرة المنقولة | القصص والروايات الطويلة المكتملة | همســات لتعليم الاطفال | الأقــســـام الأدبية من ابداع الاعضاء | همسـات للمانجا | Hidden Object Games | Puzzle & Match 3 Games | Action/Adventure Games | Dash/Strategy/Time Management Games | Tycoon/Build Games | ورشة فريق الفراشات | Harelquin English Manga | Shooter Games | مانجا One Shot | Racing Games | المسـلسـلات المدبلجة | الكتب الإسلامية | اجاثا كريستى | سلاسل روايات مصرية للجيب | سلسلة رجل المستحيل | سلسلة ملف المستقبل | سلسلة ما وراء الطبيعة | روايات زهور | روايات غادة | English Library | Romance | Action - Crime - Suspense | Paranormal - Horror | الدواوين والدراسات الشعرية | سلسلة اجمل حكايات الدنيا | دورة الوان ( منتهية ).. اعداد moony | منتدى الاقتراحات والطلبات والمواضيع الجانبية | ورشة عمل فريق الموج الأزرق | احتفال همسات روائية بعيد ميلادها الخامس | روايات عبير المكتوبة بواسطة فريق الفراشات | روايات أحلام المكتوبة بواسطة فريق الفراشات | همسات حب | منتدى الاقتراحات والطلبات والمواضيع الجانبية | رحلات إلى بلادنا العربية الجميلة | مــول همسـات روائية | مــول همسـات روائية | Forum Français | Romance | Drama et Humor Comedie | Action et Policier et Crime | كتب التنمية البشرية وإدارة الأعمال | Divers à Classer | Cuisine et Recette | تصميمات إسلامية | تصميمات عامة | روايات أحلام بصيغة txt ـ للقراءة بواسطة الجوال | روايات عبير بصيغة txt ـ للقراءة بواسطة الجوال | ورشة عمل للاشغال اليدوية | مجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية | همسات للصور | صور و توبيكات الماسنجر | فواصل وايقونات لتزيين المواضيع | صور المناظر طبيعية | همســات لنغمات الجوال | نغمات دينية | نغمات الزمن الجميل | نغمات حديثة | الموسيقي العربية | الموسيقي الأجنبية | همسات للاستشارات القانونية | القرارات الادارية | صور رومانسية | الاخـبار الرياضية | نغمات موسيقية | دار الأزياء و الأناقة | المسابقة الرمضانية 1434 | ورشة عمل همسات ميكس | همسات ميكس للمترجم | القصص الرومانسية المترجمة المصورة القصيرة | مملكة همسات الخيالية | ورشة عمل مملكة همسات الخيالية | سلسلة أحلام القديمة | اشهي الوصفات فيديو | فريق قلوب همسات الروائي | دورات تعليم الفوتوشوب | دورة تعليم فوتوشوب cs6..اعداد dody | قلوب همسات الزائرة المكتملة | فريق همسات السرية | عالم أدم | العناية والجمال | القصص الخيالية الرومانسية المترجمة المصورة | قسم للاقتراحات و المواضيع الجانبية | سلاسل الروايات الرومانسية المترجمة | سلاسل القصص الرومانسية المترجمة المصورة | همسات لطلبات الكتب | أدوات إصلاح الويندوز و تحسين أداؤه | احتفال همسات روائية بعيد ميلادها الاول | برامج الجوال | متصفحات الانترنت و برامج التحميل | ارشيف الافلام | أخبار مصر | أخبار عربية و عالمية | روايات عبير الجديدة الحصرية | روايات عبير مكتبة مدبولى و دار الحسام الحصرية | ورشة خاصة | مجلس الادارة | ارشيف المسابقة الرمضانية 1434 | رمضان 1435هــ (2014م) | همسات روحانية | المسابقة الرمضانية 1435 | صحتك في رمضان | ورشة عمل رمضان | ارشيف قلوب همسات | قصص الليالى العربية الرومانسية المترجمة المصورة | القصص التاريخية الرومانسية المترجمة المصورة | همسات للكنوز الرومانسية المفقودة | ورشة عمل كنوز رومانسية مفقودة | قصص رومانسية مصورة مترجمة منقولة | روايات رومانسية منقولة | تدريب المشرفين | اقسام الأنمي و المانجا و الكرتون | همسات للكرتون | مسلسلات الأنمي | قسم المانجا المستمرة | قسم المانجا المكتملة | افلام الكرتون | مسلسلات كرتون | عالم اطفال همسات | علوم اللغة والبلاغة | قسم المخللات | ورشة همسات للديكور | ورشة عمل للمقهى | مسابقة همسات روائية للنشر | ورشة خاصة بفريق العمل | الروايات المشاركة في مسابقة النشر | سلسلة صرخة الرعب | ورشة خاصة بالمطبخ | ورشة عمل قصص و روايات منقولة | قلوب همسات الغير مكتملة | دورة لتعليم أغلفة الروايات .. اعداد anvas_alwrd | احتفال همسات روائية بعيد ميلادها الثاني | افلام رومانسية | أفلام الاكشن و الخيال العلمي | أفلام الرعب | فريق جنيات همسات | فريق اميرات همسات | صور نجوم ونجمات | صور فنانين و فنانات عالم الغناء | صور دراما و افلام | أماكن و روايات | Saga et Serie | ورشة المكتبة الفرنسية | Written Romantic Novels | رمضان 1436هــ (2015م) | المسابقات الرمضانية | همسات روحانية | صحتك في رمضان | أرشيف رمضانيات | مسابقة مساجد حول العالم - اعداد marwa tenawi | مسابقة معالم تاريخية - اعداد زهرة الاقحوان | سفرة رمضان | مسابقة الكلمة المفقودة - اعداد تماضر | المسابقه الثقافيه العامه - إعداد روحي الأمل | ختم القران في رمضان - برعاية الوجس | رمضان أحلي مع سوما - إعداد سما عماد | حدث في رمضان - اعداد Shaymaa | منوعات قلوب همسات واقعي اجتماعي | الحياة الزوجية والاسرية | عروس همسات | فساتين زفاف وخطوبة | اكسسوارات العروس | نصائح وترتيبات | طرق التخسيس وانقاص الوزن | زيادة الوزن والتخلص من النحافة | التمارين الرياضية | فن الاتيكيت والتعامل مع الآخرين | التوجيهات الزوجية | العناية بالبشرة | العناية بالشعر و تسريحاته | العناية بالجسم | المكياج و العطور | Video Clips With Lyrics | قلوب همسات الغربية الحصرية المكتملة | قلوب همسات الغربية الحصرية القصيرة | قلوب همسات الشرقية الحصرية القصيرة | قلوب همسات الشرقية الحصرية المكتملة | روايات رومانسية مترجمة منقولة | ألغار وقصص بوليسية للأطفال | القصص والروايات بلهجة مصرية المكتملة | احتفال همسات روائية بعيد ميلادها الثالث | همسات للروايات الخيالية الرومانسية المترجمة | منتدى الاقتراحات والطلبات والمواضيع الجانبية | ورشة عمل مشرفي المترجم الخيالي | ورشة خاصة لقسم الصور | احتفال همسات روائية بعيد ميلادها الرابع |



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.

Ramdan √ BY: ! Omani ! © 2012
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2017 DragonByte Technologies Ltd.
This Forum used Arshfny Mod by islam servant
Alexa Group By SudanSon
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009