لن اكون لعبتك - ايما دارسي - منتديات همسات روائية

الروايات الحصرية المتميزة  

عاداتوعدتك
فعاليات المنتدى
                                                                      


آخر 10 مشاركات
نوفيلا قربان التنين الجزء الأول من سلسلة الخالدون بعد الظلام ...بقلمRobin Stone كاملة مع الرابط (الكاتـب : Robin Stone - آخر مشاركة : أماني شورة - المشاهدات : 381 )           »          نوفيلا نبضة (134)بقلم نور بلاك حصريا على منتدى همسات روائية كاملة مع الرابط (الكاتـب : Nor Black - آخر مشاركة : رقاوي - المشاهدات : 260 )           »          رواية العروس المنبوذة (21) للكاتبة marina maddix ترجمة doua'a najeeb هدية عيد الفطر كاملة مع الرابط (الكاتـب : Doua'a Najeeb - آخر مشاركة : aalaa essam - المشاهدات : 1391 )           »          76- علاقة الملياردير اليوناني السرية - الجزء3 من سلسله الاخوة انتيكيز - مايا بانكس - حصريا على... (الكاتـب : اسمر كحيل - آخر مشاركة : ابراهيم غباين - المشاهدات : 80043 )           »          رواية حتى اقتل بسمة تمردك الجزء الثاني(34) بقلمي مريم غريب على منتديات همسات روائية كاملة مع رابط... (الكاتـب : مريم غريب - آخر مشاركة : كليوباترا55 - المشاهدات : 10082 )           »          رواية سيد القلب - عدد 1180 (الكاتـب : JEWELRY - آخر مشاركة : منى لطفي - المشاهدات : 17141 )           »          رواية رحلة قلب بقلمي (doua'a najeeb (103 حصريا على منتدى همسات روائية كاملة مع الرابط (الكاتـب : Doua'a Najeeb - آخر مشاركة : radwa okasha - المشاهدات : 533 )           »          رواية نسمه..زوجة أخي (75) بقلم ملاك عسل حصرياً على منتدى همسات روائية كاملة مع الرابط (الكاتـب : Malak Assl - آخر مشاركة : fatma m on - المشاهدات : 9845 )           »          (561) قصة الرئيس الجديد_Catherine George_حصرياً لمنتديات همسات روائية (الكاتـب : Hibba - آخر مشاركة : smasm - المشاهدات : 189 )           »          فتاة المطر (كلارا) (102) بقلم moon light حصريا على منتدى همسات روائية كاملة مع الرابط (الكاتـب : Moon Light - آخر مشاركة : زهرة قرمزية - المشاهدات : 375 )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-03-2013, 09:26 PM   #1

lorry_jon

  عَضويتيّ : 2493
  تَسجيليّ : Mar 2013
مشآركتيّ : 550
 نُقآطِيْ : lorry_jon is on a distinguished road
شكراً: 0
تم شكره 2 في عدد 2 مشاركات
افتراضي لن اكون لعبتك - ايما دارسي

لن اكون لعبتك - ايما دارسي

الملخص .

انها مساعدته الشخصية ، وليست لعبة بين يديه ...جاك دافيلا رجل ناجح جدا فى عمله وجميع النساء مغرمات به ... ما عدا مساعدته الشخصية مارلينا روسى !
كانت مارلينا تعلم جيدا ان رب عملها يحب الشقراوات النحيلات لا السمراوات الممتلئات مثلها ... وكان هذا كافيا لرفيا لردع قلبها من ان يستجيب له .
ثم طلب جايك من مرلينا تنظيم حفلة عيد ميلاد جده الثمانين ، ورات فى ذلك فرصة سانحة لتظهر له ما يفوته ....
رمقته عيناها بكرات من نار . فشعر بها حتى اخمص قدميه ، ورغم الضجيج الذى تعالى . انباه حدسه بأن علاقته بمرلينا تغيرت للتو والى الابد 0



رابط الرواية مكتوبة كاملة


محتوى مخفي



الفصل الاول . ( لن احتمل المزيد ) .
********



انهى جايك دافيلا حلاقة ذقنه ووضع القليل من العطر عليها ، هذا العطر الذى تتنشقه معظم النساء باهتمام بالغ . نعم ، معظم النساء لكن ليس مساعدته الخاصة والرئيسية مرلينا روسى . فقد اعتادت ان تجعد انفها كما لو ان هذه الرائحة كريهة ومزعجة .

وكشر لصورته التى عكستها مرآة الغرور . ان الفكرة التى خطرت له بالامس ستنسف حتما رباطة جأشها وهدوءها الذى لايهتز عادة .

يسره فعلا ان يضايقها ، ان يسترخى فى مقعده ويراقب الشرر يتطاير من عينيها الكهرمانيتين . ولطالما خطر له ان عينيها اشبه بعينى نمر ، وتساءل عما اذا كانت ستظهر مخالبها يوما وتقطعه اربا اربا . لابد ان انفجار كل هذا الشغف المكبوت امر مثير .

الا ان فقدان السيطرة سيؤدى لسوء الحظ الذى انتهاء اللعبة ، وهو لا يرغب فى ذلك . ان ميل ، وهو الاسم الذى تكره ان يناديها به احد وتحملها له يشكل مصدر تسلية اخر له ، اشبه بالملح فى حياته ، ما يتناقض مع حلاوة النساء الاخريات اللواتى يزين حياته . سيفتقدها اذا ما تركته ورحلت .

الا انه لا يستطيع التخلى عن صراع الارادات المثير فى ما بينهما ، فهو لذة لا تقاوم .

لقد بدات العمل لديه منذ حوالى ثمانية عشر شهرا ، واثبتت انها الفتاة المثالية اذ تتبع تعليماته حرفيا وتحافظ على مواعيده المهنية والاجتماعية ، وتحل محله حين يكون لديه ارتباطات اخرى . وتذكر الان ان طلبه الاخير هو الذى اطلق صراع الارادات المسلى بينهما .

هذه الذكرى ابقت الابتسامة على وجهه فيما غادر الحمام متوجها الى غرفة الملابس ليختار ما سيرتديه اليوم . من بين السير الذاتية التى درسها ليجد الجوهرة التى يبحث عنها ، اختار مرلينا روسى لانها عملت كمسؤولة علاقات عامة لدى رئيس تحرير مجلة متخصصة للمراهقين ، ما يعنى انها مطلعة على سوق المراهقين ، وهو السوق الذى يدر الارباح على شركة جايك .

حضرت الى المقابلة وهى ترتدى بذلة عمل واسعة ، سوداء اللون ، وقد رفعت شعرها الطويل البنى اللون ، بعيدا عن وجهها . بدا مظهرها مثيرا ، بشفتيها الممتلئتين ، وعينيها الواسعتين الكثيفتى الرموش ، وبشرتها الذهبية اللون ، ووجهها المقوس . لعل جيناتها الايطالية هى الطاغية ، انما بدا انها تنوى التقليل من تاثيرها الى اقصى حد .

وخطر لجايك انها ليست من النوع الذى يعجبه . فهو يفضل الشقراوات الطويلات القامة والساقين والنحيفات ، اللواتى يبرعن فى اظهار تاثير مفاتنهن الى اقصى حد ، النساء المحنكات اللواتى يسعين الى الربح فى رهان اثارة الرغبة . وكان سعيدا فى تعزيز غرورهن الانثوى فى هذا المجال ، مع انه يعلم انهن يسعين دوما خلف اى شخص اخر قد يرضى غرورهن اكثر . لقد عاش فى هذا العالم طيلة حياته ، فعلمته الخبرة الشخصية والمراقبة الا يرتبط عاطفيا باى من هؤلاء النساء اللواتى يمرن فى حياته .

نصحه جده ذات مرة : استمتع بهن يا بنى . انما اعلم ان عليك الا تاخذهن على محمل الجد والا غلبنك 0

كان جده يعيش مرحلة طلاقه السابع ، وتذكر جايك ان ساله حينذاك : ولم لا تنفك تتزوجهن ؟

-لانى احب حفلات الزفاف .

يمكن لجده ان يتحمل النفقات بغض النظر عن الكلفة النهائية .
لم يكن جايك مستعدا لانفاق ثروته الخاصة بهذه الطريقة ، فقد تعب فى جمعها ولم يشأ ان يتخلى عنها بسهولة من اجل اى امرأة لمجرد انها مثيرة . فلطالما اخذ العمل على محمل الجد ، ولطالما سره ان يكون ناجحا فى عمله وحرص على حسن اختيار الاشخاص الذين يساعدونه فى الحفاظ على نجاحه هذا وتعزيزه .

ومرلينا روسى من هذا الصنف .

انها غنيمة على كافة المستويات .

اظهر اللقاء الاول معها انها ذكية وسريعة البديهة وانها على الارجح كفوءة جدا فى تنفيذ كل ما يطلبه منها . الا ان الامر الوحيد الذى انتقده فيها هو مظهرها المتزمت ، اذ بدت محافظة ، واذا لم تكن مرنة بما يكفى كى تتغير ...

قال لها : اذا اردت هذا العمل ، فعليك ان ترتدى ما يتناسب معه . ان مظهرك خاطئ كليا .

سحره الاحمرار الذى راه يزحف من عنقها الطويل الى وجنتيها ، انما ما سحره اكثر هو انها تمكنت من الحفاظ على رباطة جأشها وهدوئها رغم احمرارها .

وصرحت بتزمت : هلا شرحت لى ما هى الصورة او المظهر الذى تطلبه .

رد قائلا : لا ارغب فى مظهر امرأة فى الاربعين من عمرها .

اثارت اهتمامه كليا بتصميمها على الترفع عن اى ازعاج . هل مرلينا روسى صاحبة عزم وثبات حقيقيين ؟ هل هى قادرة على التكيف مع كافة الاوضاع ؟

واردف : تقول سيرتك الذاتية انك فى التاسعة والعشرين من عمرك ، فهل هذا صحيح ؟

-نعم .

وترك كرسيه خلف المكتب ودار حوله ليستند اليه من الجهة الامامية فيما راح يتاملها من راسها الى اخمص قدميها وهو يشرح : يجب ان يبدو مظهرك شابا وليس كامرأة مسنة . نحن نبيع الالحان الخاصة لاصحاب الهواتف الخلوية ، وهذا السوق يغلب عليه الطابع الشبابى . واذا كنت ستمثلينى وتمثلين شركتى ، فعليك ان تتمتعى بمصداقية .

قيمته بهدوء من راسه حتى قدميه : وهل يعنى هذا ارتداء الجينز والقمصان ؟

كان ليرضى بذلك ، لكنها ايقظت الشيطان النائم فى داخله حين تاملت مظهره بنظرة بطيئة وثابتة .

-لا . هذا المظهر يتطبق على الرجال العاملين فى الشركة . ارغب فى ان تعكسى اخر صيحات الموضة فى الملابس الشبابية . وسراويل الجينز لا تعكس هذه الموضة عند النساء بما ان موضتها لا تبطل . دعى شعرك ينسدل على كتفيك واظهرى بعض النباهة والحاسة السادسة يا انسة روسى .

فقالت بنبرة تحدى : شعرى منسدل .

كلامها دفع جايك على الفور لان يخطو خطوة تحد اخرى : آه ، نعم ، شعرك . هل لى ان اقترح تسريحة عصرية اكثر ؟ ان قصة شعر قصيرة قد تتماشى اكثر مع الصورة التى تريد ان تعكسها .

التهبت وجنتاها غضبا ما جعل الشيطان فى داخل يمرح . وتردد فى ذهنه سؤال معذب ... هل ستواجه التحدى ام ستتراجع وتنسحب ؟

-هل تطلب شعرا قصيرا جدا مع تسريحة سبايك ؟

سمرته عيناها كما لو انه دجاجة ترغب فى شيها على نار هادئة .

وبالرغم من رغبته فى جعل النار تستعر اكثر ، الا انه ادرك ان ثمة حد قد وضع وانها سترحل اذا ما بالغ فى تصرفاته . فقرر ان يهدا ، بعد ان راى انه سيمرح اكثر مع الانسة روسى لاحقا اذا ما عملت لحسابه .

ورفع راسه مفكرا فى ما يليق بها ثم قال : لا . ربما يناسبك قص غرة وترك بعض الخصل تحيط بوجهك وعنقك .

ما تحتاجينه هو تسريحة عصرية تتناسب مع الموضة . هل فهمتنى ؟

لم تعلق على اقتراحاته ، بل استخدمت اسلوبا مباشرا وسالت عن النقطة الاهم : هل تعرض على العمل ؟

-نعم ، شرط ان ...

-اناسب الصورة المطلوبة .

ووقفت ثم مدت يدها لتؤكد الاتفاق ... مجرد عمل وحسب . بعدئذ ، اردفت : فهمت واتفقنا يا سيد دافيلا . متى تريدنى ان استلم العمل ؟

وخطر لجايك وهو يرتدى ثيابه ليتوجه الى العمل انها وجهت اليه ضربة قوية . فميل روسى لم تكن ملحا وحسب بل فلفلا ايضا ... فلفل احمر حريف حين تصمم على ذلك .

فى اليوم الاول ، جاءت تتبختر وتعرض نفسها ، وقد بدت مثيرة للغاية ، فيما راحت تسريحتها الجديدة تتمايل حول وجهها ، والاهداب على حذائها العالى الكعبين يتراقص مع كل خطوة تخطوها فضلا عن وركيها فى التنورة القصيرة جدا . اما مركز ابزيم حزامها العريض والمزخرف فاثار صورا لا علاقة لها بالعمل . فى الواقع ، افقدت الرجال الذين يعملون فى الشركة كلهم قدرتهم على التركيز .

الا انها لم تتاثر وكانها لا ترتدى سوى بذلة عمل عادية ، بعيدة كل البعد عن الصفة الشخصية . لم تحاول ان تبعث مع احد او تغازل احد . ما من مشاحنة نسائية ، او محاولة لدفع الرجال المفتونين للعمل بدلا منها .

انها الانسة كفاءة منذ البداية . وكان على جايك ان يتعايش مع ما جناه على نفسه .

ولهذا طور اللعبة . معركة الجنسين ، معركة مثيرة ، مبهجة ومنعشة ، مسرة ومرضية بشكل جميل . يمكن القول ان ميل هى الاثارة عندما يكون بعيدا عن اى محاولات اثارة نسائية . كان الامر محصورا فى عقله حيث ينبغى ان يبقى . ومهما عظم اغراء التورط معها ، الا ان خطوة كهذه تعتبر خطا فادا . ثمة نساء كثيرات مستعدات لمشاركته فراشه ولكن ثمة ميل روسى واحدة وهو لا ينوى فقدان الازيز اللذيذ للصراع فى ما بينهما .

ان الفكرة التى خطرت له الليلة الماضية رائعة . لن تئن ميل وحسب بل ستحترق .

وبالكاد تمكن جايك من انتظار معركة اليوم لتبدا .




***



تحققت مرلينا من مظهرها فى المرآة الطويلة المعلقة على باب خزانة ملابسها . كانت التنانير الواسعة التى تصل الى الكاحل هى الموضة اليوم ، وهى تشكل تغييرا مرحبا به عن التنانير القصيرة التى لم تشعر يوما بالراحة حين ترتديها بسبب نظرات جايك دافيلا المثيرة والاستفزازية فى آن . الا ان هذا لا يعنى ان هذا اللباس سيمنعه من تاملها ومن الابتسام تلك الابتسامة الخاصة به والتى تعكس اعتداده بنفسه لانه يعتبر نفسه مسؤولا عن هذا التغيير فى مظهرها . كما ان هذه الابتسامة تظهر الرضا ايضا .

هذا التصرف يؤثر فيها دوما لكنها لا تظهر ذلك ابدا . كانت تكرر لنفسها انها ترتدى هذه الملابس من اجل العمل وليس من اجله ، لكن او كانت صادقة كليا مع نفسها ، لاعترفت بانها اصبحت مدمنة على استعراض انوثتها امامه ، مدمنة على شحنة الاغراء التى تئز بينهما ، وهذا ليس فى مصلحتها .

انه يسيطر على حياتها الى حد كبير ما جعلها تفقد الاهتمام بغيره من الرجال . ها هى تكاد تبلغ الثلاثين من العمر وحياتها كلها تدور حول شيطان مغر لا يفكر ابدا فى الزواج وانجاب الاطفال . واذا ما جسد اى رجل يوما رمز العازب المتنقل من امرأة الى اخرى لكان جايك دافيلا . ويبدو انه يملك كافة الصفات ليستمر فى ذلك .

انه وسيم جدا ، بعينيه البنيتين الكبيرتين اللتين تلمعان بشكل خطر وباهدابه الطويلة الرائعة التى تحلم النساء بأن يتمتعن بمثلها .

وحاجبيه المعبرين اللذين يبدوان اشبه بعلامتى تعجب كلما تحدث فضلا عن شعره الاشود الكث والمتموج الذى يثير الرغبة فى تمرير الاصابع فيه ، وانفه المستقيم وذقنه القوية وفمه المثير والاستفزازى والغمازتين فى خديه .

غمازتان !

وتمنت مرلينا لو ان هاتان الغمازتان لا تسحرانها الى هذا الحد الكبير .

كل ما فيه يبهج العين ايضا ، فجسد رياضى من الدرجة الاولى ، فكتفاه عريضتان وعضلاته مفتولة حيث ينبغى لها من دون اى شحوم ، وجسده يتناسب مع طوله المثالى ... فهو طويل من دون مبالغة .

لم يولد هذا الرجل وفى فمه ملعقة من فضة بل صندوق من الادوات الفضية ، كما قدم له كل شئ على طبق من فضة . انه ينحدر من اسرة غنية جدا ، كما كسب الملايين من شركته ، من فكرته الذكية ، من اختياره ثقافة موسيقى البوب . عند بلوغه الخامسة والثلاثين ، كان العالم عند قدميه ، بما فى ذلك مجموعة من النساء الجميلات ... عارضات ازياء ، سيدات مجتمع ، نجمات سينما وتليفزيون ، كلهن مررن فى مفكرته الاجتماعية وفى سريره من دون شك .

وبالرغم من قيامها بواجباتها على اكمل وجه كمساعدة شخصية له ، الا ان مارلينا شكت فى ان جايك يعتبرها لعبته المسلية فى العمل . كان يحب ان يتجادل معها ، ويحب ان يضايقها . وكان يحب ان يكلفها بمهام صعبة ليرى ان كانت قادرة على القيام بها كما ينبغى . هذا الرجل من محبى اللهو قلبا وقالبا . كانت تدرك ذلك ، لكنها لم تستطع ان تمنع نفسها الافتخار بقدرتها على النجاح فى تحقيق آماله وعلى تلبية طلباته .

كان عاجزا عن هزيمتها .

مستحيل ! لن تدعه يفعل ذلك .

ورغم ذلك ، ادركت اكثر واكثر انها اصبحت محجوزة فى علاقة هوس مع مديرها ... فهو البهجة واللون والاثارة فى حياتها . كانت معجبة بذكائه ونباهته ... بطريقة معالجته للمسائل المهنية وبقدرته على بث الحماس والابداع فى موظفيه . كما نال استحسانها الصادر من صميم قلبها بكرمه فى تقديره ومكافاته لاصحاب الافكار الجيدة اللافتة .

التواجد معه مصدر اثارة دائم ، فهو يتمتع بكثير من الصفات التى تحب وتكره ، لانه لن يعتبرها يوما شريكا يريده الى جانبه . على الاقل ، ليس فى جوانب حياته كلها . هذه الحقيقة اوضح من ان تتجاهلها او من ان تامل ان تتغير . فجايك دافيلا نظم حياته على شكل العاب حيث يسيطر هو على مسارها ، ويديرها حسب رغبته . وهى لا تعدو كونها جزء من لعبته فى مكان العمل .

وبالرغم من كل ما تعرفه ومن كافة الدفاعات الحذرة التى تحيط نفسها بها ، تمكن من ان يجذبها الى دوامة من العواطف والانفعالات وهو مازال يشدها ويسحبها بقوة الى اعماق هذه الدوامة . واذا لم تخرج نفسها من هذه الدوامة فسينتهى فسينتهى بها الامر وقد فقدت احترامها لنفسها .

وخطر فى ذهنها ان ثمانية عشر شهرا مع جايك دافيلا هى قصارى ما يمكن لها تحمله .

ما ان بلغت الثلاثين من العمر حتى شعرت ان وقت اللهو يجب ان يتوقف وان عليها ان تسعى جديا لايجاد شريك يشاطرها حياتها لينشا معا اسرة . ولم ينفك والدها الايطالى يذكرها بان السنوات المتبقية لها لتحمل محدودة وانها وانها اضاعت معظم هذه السنوات فى السعى وراء حلمها المهنى .

كانت اخواتها متزوجات ولديهن اسر .

واخوتها تزوجوا وانجبوا اطفالا .

وهى ترغب فى ذلك ايضا ... لكن وفقا لشروطها وليس لشروط عائلتها . لقد رفضت ان تدع والدها يرهبها ويدفعها الى ما يعتبره طريقة العيش المناسبة لبناته . واقسمت الا تتزوج الا حين تصبح جاهزة لذلك . ما من حرية فى قضاء الحياة وفقا لتوقعات الاهل طوال الوقت ، بل يحق لها ان تكون على طبيعتها وان تكتشف شخصيتها وما تريده فى الحياة بنفسها .
لكنها لا تكون على طبيعتها فى حضور جايك دافيلا .

عليها ان تواجه هذا الامر وتضع حدا له وتتابع حياتها .

وخير البر عاجله !

او عليها ان تدع ما تبقى من سنوات شبابها ، اتذوى بسبب انجذابها الشديد الى رجل لم يخطر له يوما ان يشاطرها
المستقبل الذى تريده فعلا فى اعماقها .

نادتها اختها : مرلينا ، ماذا تفعلين ؟ الفطائر التى حضرتها لك بدات تبرد .

اجابتها بسخط وهى تلتقط حقيبتها عن السرير وتتوجه الى غرفة الجلوس فى شقتها الصغيرة : قلت لك انى لا اريد اى فطائر يا سيلفانا .

-انت نحيلة جدا ويجب ان تتغذى .

صرفت مرلينا باسنانها ، فالكل يصر على اسماعها الكلام نفسه وقد طفح كيلها من ذلك . ان كانوا سعداء لانهم مكتنزون فهذا لا يجعلها هزيلة . انها انحف منهم وحسب .

لا يمكنها ان تحافظ على صورتها اذا ما زاد وزنها ، كما ان بنيتها ممتلئة اصلا ما يجعل اتباع الموضة امرا صعبا بما يكفى .

-تناولت بعض اللبن والفواكة ، ولا ارغب فى تناول اى شئ اخر .

صرحت بذلك وهى اكثر من مستعدة لتوديع اختها التى جاءت الى سيدنى من غريفيث لتخضع لعملية لايزر لعينيها ، والتى امضت عندها ليلتها لئلا تضطر للاستعجال فى الصباح .

كانت سيلفانا جالسة الى طاولة المطبخ ، مركزة على تغذية نفسها بمجموعة من الفطائر المغطاة بشراب القبقب .

وخطر لمرلينا ان اختها ممتلئة الجسم وتسعى لزيادة وزنها اكثر فيما هى تقول : على ان اذهب . امل ان تتخلصى من قصر النظر فلا تضطرى لارتداء النظارات بعد الان .

كانت الشوكة المليئة بالفطائر فى طريقها الى فمها الذى بقى فاغرا فيما هى تحدق فى مرلينا مصدومة : اهذا ما ترتدينه للذهاب الى العمل !

هذا يشير على ما يبدو الى اللباس الذى اختارته بعناية . تنورة طويلة واسعة مزينة بزهور خضراء وزهرية اللون ، وحزام زهرى من القماش يحيط بوركيها ، وقميص من القطن اخضر اللون ، وعقد طويل ذهبى يتدلى من عنقها ، وقرطان ذهبيان فى اذنيها ، وحذاء اخضر اللون عالى الكعبين فى قدميها .

كانت اختها ترتدى بالطبع زيها الاسود اللون المعتاد المحترم : سروال يصل الى خصرها وقميص واسع يغطى كتل اللحم البشعة .

ردت وقد احمر خداها من الانتقاد الضمنى : يفترض بى ان البس على هذا النحو للذهاب الى العمل يا سلفانا .

-وان تكشفى عن خصرك بهذه الطريقة ؟

-اعلمى ان هذه التنورة هى اخر صيحات الموضة حاليا .

-ستبدو صرتك اذا ما انزلق الحزام قليلا .

-وماذا فى ذلك ؟

-سيصاب والدنا بجلطة اذا ما راك تعرضين نفسك هكذا .

-انت فى المدينة يا سيلفانا . ولست مضطرة لان التزم بقواعد المجتمع الايطالى فى غريفيث . لن تطالنى الالسنة بالسوء هنا ، ومن الافضل الا يثرثر لسانك انت عندما تعودين الى المنزل . هل فهمت ؟

نفخت سيلفانا ، فعلى الرغم من انها اصغر من مرلينا بسنتين الا ان زواجها وانجابها للاطفال اعطاها على ما يبدو الحق فى ان تنتقد اختها المتمردة . فعادت تقول : يكفى انك اقدمت على قص شعرك الجميل واتباع هذه الموضة المشعثة . اظن ان هذا العمل لا يعود عليك بالخير .

ردت مرلينا بغضب رغم انها توصلت الى الاستنتاج نفسه ، انما لاسباب مختلفة : انه خيارى . ساخرج الان . احرصى على اقفال الباب عند رحيلك وابلغى الاسرة سلامى عندما تصلين الى المنزل .


بادرتها سيلفانا قائلة : ها قد غضبت !

-اتساءل عن سبب هذا الغضب .

ومدت لسانها فيما تمر بطاولة المطبخ لتصل الى الباب الامامى .

-انتظرى !

وقفت سيلفانا ودارت حول الطاولة ثم ضمت مرلينا بين ذراعيها فى عناق سحق عظامها واردفت : ام اشا ان اغضبك . انى اهتم لامرك وهذا كل ما فى الامر .

-اذن ، ارجوك ان تتوقفى عن وضعى فى قالب لا يناسبنى . نحن مختلفتان . وانا احب تسريحة شعرى كما احب ملابسى وعملى . لذا ، دعينى وشانى ، اتفقنا ؟

وطبعت قبلة على خد شقيقتها ثم لوحت لها مضيفة : وداعا وحظا سعيدا عند طبيب العيون .

اعربت لها سيلفانا عن اسفها لانها اغضبتها وشكرتها على ضيافتها قبل ان تتمكن مرلينا اخيرا من الفرار .

او كادت تفر .

لوحت لسيلفانا بيدها وزادت من سرعتها ، مستغربة تصرفاتها حيث تجرات على خرق قواعد اللباس المحترم . انها فعلة جايك دافيلا ، لكنه لا يعلم انه اسدى لها خدمة فى تحديد شروط الصورة التى ترغب فى ان تظهر بها . فالالتزام بهذه الشروط حررها فى الواقع .

شكل عملها مع جايك العذر ، الاذن ، المهماز الذى دفعها لفعل ما رغبت فى فعله . لكن هذا لا يعنى انها بالغت فى اظهار مفاتنها بدافع الاثارة . او على الاقل هذا ما تظنه . فملابسها الداخلية لا تزال محتشمة ، ولا تقارن حتى بلباس البكينى الذى لم تتجرأ على ارتدائه ، اذ مازالت تلتزم بلباس بحر من قطعة واحدة حين تسبح .

لا تزال سيلفانا ملتزمة بما يعتبره الايطاليون ملابس محترمة . ورات مرلينا ان ما من داعى لان تشعر بالذنب بسبب اى من التغييرات التى ادخلتها على مظهرها .

شكل قص شعرها صدمة لها فى بادئ الامر لانه لطالما كان طويلا وهذا لا يعنى انه قصير جدا الان ، فقد اكتفت بقصه من الامام ليحيط بوجهها . وتنتهى الطبقة العليا منه تحت اذنيها تماما اما الطبقة السفلى فتصل الى كتفيها . وطبيعة شعرها المتموجة تجعل من السهل عليها الحفاظ على هذه التسريحة بشكل مرتب . كما ان هذه التسريحة تتماشى مع ملابسها الجديدة .

شكل جايك دافيلا القوة المحركة الكامنة خلف تحولها لكن هذا المظهر الحديث يعكس حاليا شخصيتها هو ، وهو تحبه . لا بل اكثر من ذلك ، فهى لا تنوى العودة الى البذلات المتزمتة عندما تترك جايك ، لكنها قد تضطر الى الابتعاد قليلا عن ملابس الصرعة . فهذه الملابس ستثير الاستغراب فى امامك العمل الاخرى .

على اى حال ... لم تكن تجربة العمل مع جايك سيئة على الدوام . فى الواقع ، كان العمل منشطا على مستويات عدة . الا ان مرلينا راحت تحدث نفسها بضرورة وضع حد لهذه العلاقة ، فيما هى تقطع بالقطار المسافة التى تفصل شاتسوود حيث تعيش الى ميلسون بوينت حيث تقع الشركة فى مكان مميز يطل على مرفأ سيدنى .

يجب ان تترك العمل قريبا .

قريبا جدا ....

الفصل الثانى ( انا لا انسى ! )

*********

لايمكن للحياة ان تكون افضل . هذا ما خطر لجايك وهو يستند الى الخلف فى كرسيه المصنوع من الجلد الازرق المائل الى الرمادى والذى جمع بين الراحة والعملية . رفع رجليه على مكتبه ، وشبك يديه فوق صدره ، فيما شعر بالرضا يتملكه ويملا عقله وقلبه .

لا ترضى ميل طبعا بجلسته هذه البعيدة كل البعد عن المهنية . سوف تدخل فى اى لحظة وتحدق فى كعبى حذائه ، رافضة القاء التحية عليه حتى يخفض قدميه ويضعهما على الارض ثم يجلس مستويا .

لميل معاييرها الخاصة .

يمكنها ان تنجح كمدرسة .

او كمربية ...

وهذه الافكار جعلت مخيلته تجمح نحو عالم من الاحلام السارة .

وانتقلت نظراته بكسل الى النافذة الكبيرة فى الطرف من مكتبه والتى تطل على مشهد رائع تطل على مشهد رائع لجسر مرفا سيدنى . لاحظ عددا من المتسلقين الذين يشقون طريقهم الى اعلى الجبل للاستمتاع بالمنظر . بدا له النهار مناسب لذلك ، فالسماء زرقاء صافية ، والشمس مشرقة . وخطر له ان عليه ان يقلدهم يوما ما ...

وخطر فى باله لاحن الاغنية القديمة : ساتسلق الجبال . سيذكره لاحقا للباحثين فى الغرف الخلفية وسيطلب من مهندسى الصوت الاستماع اليه للاستفادة منه . لابد من وجود هذه الاغنية فى مكتبتهم الموسيقية . يمكنها ان يعملوا على جزء من اللحن للاجيال الاكبر سنا التى لا تستسيغ الموسيقى الغربية على هواتفها الخلوية .

هذه الاغنية ماخوذة من اكثر الافلام الاستعراضية شعبية وهو لحن السعادة لرودجرز وهامرشتاين ، وهو الفيلم المفضل لدى المسنين . يجب على شركته ان تخترق هذا السوق وتنتشر فيه بشكل افضل ، اذ لم تستفد من القدرة الشرائية لهذه الشريحة . لكن المشكلة تكمن فى ان المسنين لا يستخدمون الانترنيت بقدر الاولاد ، علما ان الانترنيت هو مركز المبيعات . الا اذا تمكنت الشركة من الوصول اليهم عبر الاولاد ... عليه ان يطلب من العاملين على الكمبيوتر لديه ان يفكروا فى حل للمسالة .

نعم ... يجب تسلق كل الجبال .

كانت جولى اندروز ، التى لعبت دور الراهبة – المربية فى الفيلم ، تتراقص فى ذهنه عندما دق باب مكتبه ودخلت ميل . توقفت وحدقت فى حذائه على مكتبه ، كما كانت جولى اندروز لتفعل عندما لعبت دور مارى بويبيتز ، فرفعت انفها استهجانا واستنكارا لهذه الاساءة الى معايير التصرف الخاصة بها .

احترام ، احترام ، احترام ... راح يردد هذه الكلمات فى سره فيما هو يرفع قدميه ويؤرجحهما ببطء ليضعهما على الارض وهو يكشر فى وجهها . لعلها تتصرف كمربية لكنها لا تبدو بالتاكيد كراهبة ! فى الواقع ، تبخرت صورة جولى اندروز من راسه فيما احتلت الرؤية امامه الاولوية . وبعد ان تامل تمازج الالوان الجميل ، وعرض الانوثة الواضح ، علق قائلا : جميل جدا .

لكن ما خطر له فعلا هو : مثير جدا . الا انه لم يعبر عما جال فى فكره لئلا تعتبر ميل كلامه تحرشا جنسيا .

قالت متجاهلة تعليقه على لباسها : صباح الخير يا جايك .

لعلها سجلت فى ذهنها انها تناسبت مع الصورة المطلوبة منها مجددا . السيدة كفاءة لا تفشل ابدا ، لكن جايك حضر لها
تحديا من نوع اخر لهذا اليوم .

علق بسرور : انه بالفعل يوم جميل يا ميل . خطرت لى بعض الافكار ، فهل دفتر ملاحظاتك معك ؟

كانت تحمله على صدرها وكانه درع ، لكن جايك بارع بقدرها فى تجاهل ما لا يرغب فى رؤيته .

اجابت ، رافضة كالعادة ان تهزم : نعم .

التصرف بادب درع واق ايضا . وود جايك لو يفجر ذاك الدرع ليصل الى الجزء الحساس والضعيف فى ميل روسى – اظهار داخل هذه المرأة .

دعاها باستمتاع : اجلسى .

لم يكن هناك فى المكتب سوى كرسى لشخص واحد من الجلد الازرق المائل الى الرمادى ، فاضطرت للجلوس على احداها . وبدلا من ان تسترخى فى الكرسى ، جلست على طرفها ووضعت ساقا فوق الاخرى كى تتمكن من اسناد دفتر ملاحظاتها الى ركبتها .

-انا جاهزة .

انه تحذير بان يتوقف عن النظر الى ساقيها وينتقل الى العمل .

رفع جايك نظره اليها وابتسم ثم قال والمرح يتدفق مع كلماته : لابد انك جاهزة ومستعدة تنتظرين التحديات التى اعددتها لك لهذا اليوم .

وابتسمت ابتسامة فى تكشيرة عريضة .

اكرهه !

هذه الفكرة لم تفارق ذهن مرلينا .

لن ياخذها جايك دافيلا على محمل الجد كشخص او كامرأة او حتى كانسان لديه مشاعر ينبغى احترامها . لم يكن يكترث لامرها ، بل يتسلى باللهو بها .

من الجنون الصرف ان تجلس ههنا وقلبها يثب كالمجنون ومعدتها تعتصر لانه تاملها بتقدير ذكورى فيما غمازتيه تغمزان لها . هذه الابتسامة العريضة على وجهه اشارة الى انه وضع مخططا جهنميا .

دفع كرسيه نحو الامام واسند ساعديه على الطاولة وانحنى الى الامام وعيناه تلتمعان ، فيما انتظرت هى كالبلهاء لتسمع افكاره النيرة ، لتعمل لاحقا كالمجنونة على انجاز التحديات التى وضعها .

قالت فى سرها انها مجرد دمية يحركها على هواه . وما كانت لتشعر ان الوضع سئ الى هذا الحد لو لم يكن هو الهوى الوحيد فى حياتها لكنه كذلك . وعليها ان تتخلص من هذا الوضع ، فاحساسها بقيمتها الذاتية اشار عليها بانها الطريقة الوحيدة لتنجو بنفسها .

لكنه حاليا يحتبسها فى هذه اللحظة ، وتكاد تكون مقطوعة الانفاس بانتظار ما يخبئه لها .

قال : نحتاج الى اجتماع للخروج بافكار هذا الصباح . يجب ان تشارك فيه كافة الاقسام . اريد ان اطرح بعض الافكار للوصول الى سوق المسنين .

شعرت بالارتياح لسماعه يتكلم فى شؤون العمل . وسالته : فى اى ساعة تود ان احدد الاجتماع ؟

وجاءها الرد على الفور : عند الحادية عشرة وخمسون دقيقة . بعد قهوة الصباح ، كى تكون ادمغتهم ناشطة وقبل الغداء كى يفكروا جيدا فى المواضيع التى ناقشناها .

-حسنا !

وسجلت الموعد فى مفكرتها .

-اصدرى هذه المذكرة حالا يا ميل .

-سافعل . هل من شئ اخر قبل ان اعمل عليها ؟

تشدق وفى عينيه لمعان خطر : نعم ، نعم .

ركزت على الحفاظ على ملامح وجهها جامدة فيما هى تنتظر ان يكمل حديثه .

استند الى الخلف فى كرسيه ولوح بيده فيما قال : موعد عيد ميلاد جدى يقترب .
وخطر لها ان عيد ميلادها هى ايضا اصبح قريبا .

-سيبلغ الثمانين من عمره .

وانا سابلغ الثلاثين .

-اريد ان اعد له شيئا مميزا .

وصمت فيما راح يراقبها كالصقر ، منتظرا ليرى الاتجاه الذى ستسلكه طريدته .

بادلته النظر بصبر ، بعينين صافيتين ، خاليتين عن عمد من اى شعور او انفعال . لن تدعه يفقدها شهيتها هذا الصباح ! الا ان الانتظار طال ، فقالت اخيرا : هل تود ان اقدم لك اقتراحات ؟

ضحك : اشك فى ان تعرفى ما يسلى جدى يا ميل . عندما كنت صغيرا ، طلب منى ان اناديه فرقع بدلا من جدى لانه كان خبيرا فى فرقعة الفلين .

تعطل دماغها الذى لطالما سيطرت عليه وفقدت قدرتها على الكلام بشكل سوى .

-ربما لديك انت ايضا سبب وجيه كى تنادينى بميل بدلا من مرلينا .

تشدق قائلا وهو يبتسم فى وجهها مجددا : ليتل وايين .

-عفوا ؟

-فيلم ليتل وايين . بطله ميل غيبسون .

-اتربط بينى وبين ممثل ... رجل ؟

ااذ ما سلمنا جدلا ان ميل غيبسون يبرع فى افلامه ، الا انه رجل ، فكيف يمكن لجايك دافيلا ان ينظر اليها كما يفعل اذا ما كان يعتبرها رجلا ؟ وتمنت مرلينا لو انها لم تفتح هذا الموضوع . لقد سئمت وحسب من ان يناديها بميل بدلا من ان يستخدم اسمها . هذه الشوكة مغروزة فى جنبها منذ بدات عملها فى الشركة ويبدو ان الحاجة الماسة الى اخراجها والتخلص منها تغلبت عليها .

همست وهى تستعيد حذرها : لاباس ، انا اسفة لابتعادى عن موضوع عيد ميلاد جدك . ارجوك تابع .

فقال بشكل استفزازى : صدقينى ... صورتك عندى لا علاقة لها ابدا بذكورية ميل غيبسون .

-يسرنى ان اسمع هذا .

الا انها لم تعد ترغب فى سماع المزيد عن هذا الموضوع اذ يبدو جليا انه يتسلى على حسابها وعدم الرد عليه هو اسلم الخيارات . لكنها لم تستطع ان تقاوم رغبتها فى توجيه ضربة اليه قبل اقفال الموضوع : كنت قد بدات اتساءل عن مدى انحراف نظرتك . لكنى اعتذر مجددا ، فتفكيرى فى غير محله . قلت انك تريد شيئا مميزا لجدك .

ضايقها : الا ترغبين فى اشباع فضولك ؟

فقالت رافضة الخوض فى الموضوع : انا واثقة من انى لا ارغب فى ذلك .

-لان الفضول مهلك وانت لا ترغبين فى المخاطرة ؟

وتراقصت عيناه بسخرية .

استشاطت غيظا ، ورغبت فى مقابلة الاذى بالمثل : عندما كنت صغيرا يا جايك ، كان على احدهم ان يعلمك الا تعبث مع القطط ، فلها مخالب .

وافقها الراى : انت محقة ، كان يجب ان احظى بمربية مثلك يا ميل . كنت لتحولينى من دون شك الى رجل مستقيم وممتاز .

انه يعشق هذا الحوار ، ويبتهج به ابتهاجا شديدا .

اطبقت فمها بشدة . لن تتفوه باى كلمة حتى يعود الى الحديث عن العمل . كانت شفتاه تتراقصان مرحا وغمازتاه تلمعان بشكل شيطانى . لم تستطع ان تمنع نفسها من ان تحملق فيه لكنها ابقت فمها مطبقا .

اشار اليها باصبعه : هذا تماما ما اعنيه ... لما تذكريننى بميل غيبسون . الكثير من الطاقة المكبوتة التى تعلمين انها ستنفجر عند اشعال الفتيل .
وراحت عيناه تتراقصان من الاثارة لفكرة فقدانها رباطة جاشها وتخليها عن هدوئها . تدفق الدم حارا فى عروق مرلينا اشبه بحمم بركانية تهدد بالانفجار لكنها لم تشأ ان ترضيه باعطائه ردا غاضبا ، فهذا يعنى انه سجل نقطة لصالحة . حافظت على وقارها بعبوس حتى استسلم اخيرا امام الحائط الذى رفعته للدفاع عن نفسها .

-حسنا ! لنعد الى جدى ...

تنفست مرلينا الصعداء وهى لا تزال تحدق فيه . ان بايرون دافيلا مشهور بتعدد زيجاته ، وهو ينافس الملك هنرى الثامن فى عدد الزيجات ولعل جايك ورث عنه هذا الميل الى اللهو ، الا ان الفرق الوحيد هو ان جده اعتاد ان يتزوج النساء اللواتى يلهو معهن . قد يكون السبب هو فارق الاجيال ، فالمجتمع لم يكن يتقبل المغامرات العاطفية المؤقتة حينذاك .

-... اريد تحضير قالب حلوى له .

-قالب حلوى .

كررت كلماته وهى تبعد نظرتها عن عينيه اللامعتين ثم دونت ماقاله فى دفتر ملاحظاتها .

-قالب مميز جدا . ثمانية طوابق . طابق لكل عقد من عمره .

سجلت مرلينا 8 طوابق . وخطر لها ان فى الامر مبالغة ، لكن ... انها ليست هنا لتفكر فى السبب ، بل لتنفذ او تموت !

-كما اريد ثمانين شمعة حول طرف الطبقات .

اشارت : سيصعب عليه ان ينفخها كلها .

فجاءها الرد اللطيف : ستتفاجئين كم ان جدى معافى وفى صحة جيدة .

رمقته بنظرة ساخرة : هل تود فعلا ان تكبد رئتيه كل هذا العمل الشاق فى عيد ميلاده ؟

ابتسم : يسرنى ان تهتمى لامره يا ميل ، لكنى لا اريد شمعا حقيقيا .

-شموع للزينة فقط ؟ لن تتم اضاءتها ؟

--للزينة ، نعم . للزينة وحسب .

قلبت عينيها ثم كتبت للزينة فقط .

قال جايك : لن تكون حقيقية ، شانها فى ذلك شان قالب الحلوى .

لم يساعدها كلامه . شعرت مرلينا بعقلها يذوب . اشتدت قبضتها على الواقع المتين ، على قلمها ، ثم رفعت نظرها ببطء شديد عن دفتر ملاحظاتها الموضوع على ركبتيها ، وفى نيتها ان تحدق فى معذبها حتى يتصرف كما ينبغى لرب العمل ان يفعل . قالت بصوت رتيب : اشرح من فضلك .

ضحك فاطلق العابا نارية فى راسها ... صواريخ وشموع ارتفعت وتفجرت .

كرهته ، كرهته ، كرهته .

لكن جل ما كرهته هو تاثيره العميق فيها .

كل خلية فى جسدها ادركت وجوده ، والفرح المترقرق فى ضحكته والحيوية التى تضيفها على وجهه الوسيم جدا .

وخطر لها ان الشيطان يتملكها ، وعليها بطريقة ما ان تحذفه من وعيها وتتحرر منه كليا .

تشدق ، بعد ان اتزن اخيرا بما يكفى كى يتكلم : اخشى ان الاتصال بمخبز قوالب الحلوى للمناسبات المميزة لن يجدى نفعا يا ميل .

بقيت صامتة ، بانتظار التعليمات المناسبة .

-عليك ان تبحثى وتستعلمى ، لكنى اظن ان فرق الدعم العاملة فى كواليس المسرح يمكن ان تؤمن ما اريده .

قالب حلوى مزيف ، ليس حقيقيا !

واعادت تركيز ذهنها المشتت قبل ان تسال : ما هو العلو الذى تفكر فيه وكم يبلغ عرض الطابق السفلى برايك ؟

-اظن ان ستة اقدام تكفى كعلو . ويجب ان يكون الطابق العلوى واسعا بما يكفى كى تخرج منه امرأة .
امرأة !

-يجب ان تتدرج الطوابق لتتناسب مع هذا الاتساع وتشكل درجات كى تنزل المرأة .

يريد امرأة تخرج من قالب الحلوى !

-فى الداخل ، لابد من وجود آليه ما تفتح غطاء قالب الحلوى وترفع المرأة فوق الطابق العلوى . آلية اشبه بمصعد صغير .

لاشك فى انه يريد امرأة فى ثوب مغرِ او فى لباس السباحة .

-ولابد من وضع القالب على عجلات لسحبه وتقديمه لجدى فى الوقت المناسب .

امرأة هدية لجده المحب للهو !

وبخها قائلا : لا اراك تدونين ما اقوله يا ميل .

فاجابت صادقة : انه مطبوع فى دماغى .

-لاباس ، طالما انك تدركين ما اريده .

-لا تقلق . ستسير الامور على ما يرام .

-حسنا ! والان ، المرأة ...

نعم ، بعد ان انفتح قالب الحلوى المزيف ، ما الذى سيظهر بالتحديد على المسرح ؟

-يجب ان تكون شقراء .

طبعا . يبدو ان جايك ورث عن جده حبه للشقراوات .

ابتسم لها ثم اضاف : وممتلئة الجسم مثلك يا ميل . امرأة على غرار مارلين مونرو .

سرت رعشة خائنة فى جسدها كله . جايك يقارنها برمز الاثارة الاول فى عالم الافلام .

واردف قائلا : جدى لا يحب المرأة النحيلة .

لكن جايك يحب النحيلات . لاشك فى ذلك ، فكل من خرج معهن نحيلات كالقلم . لا امل لديها فى ان تلفت انتباهه ، فوحدها عائلتها تظنها نحيلة . كما انها تتمتع بمزايا ميل غيبسون الخطرة فى فيلم ليتل وايين ، ما لا يعتبر مثيرا بالنسبة الى رجل يحب النساء اللواتى لا يعقدن حياته ، فيدخلونها بسهولة ويخرجون منها بالسهولة نفسها .

اقترح جايك : يمكنك ان تستعينى باحدى عارضات الازياء اللواتى تظهر صورهن فى المجلات .

لم تستطع مرلينا ان تمنع نفسها من التعليق : لابد انك تدرك ان مسالة قالب الحلوى هذه قديمة الطراز ، وغرور ذكورى فى اسوا اوجهه .

وافقها الراى ثم لوح بيده فى دعوة لها كى تتفهمه : طبعا . جدى ما زال مؤمن بالزواج ، اتصدقين هذا ؟

وهز راسه مضيفا : قديم الطراز للغاية . سيحب هذا . انه مشههد من فيلمه المفضل الذى عرض فى العام 1966 .

رفعت حاجبيها وسعت لتسجيل نقطة ضده : يبدو ان الافلام تملا راسك هذا الصباح .

رد : انها مرآة الحياة .

-هذا صحيح !

وصرفت باسنانها قبل ان تساله : وما هو اسم هذا الفيلم ؟ اذا ما استطعت العثور عليه فساشاهده لاكون فكرة واضحة ودقيقة عما تريده .

-اسمه " كيف تقتل زوجتك " وهو من بطولة جاك ليمون وفيرنا ليزى .

علقت بوحشية ناعمة : استطيع ان افهم لما هذا الفيلم هو المفضل لدى جدك . لقد تزوج سبع مرات حتى الان ، اليس كذلك ؟

فاكد لها جايك : طلاقه من زوجته السابعة سيتم قريبا .

وكم يبلغ عدد عشيقاتك انت ؟ سبع وسبعون ؟

المشكلة هى انها قد تصبح الرقم ثمانية وسبعين اذا ما ركز عليها اهتمامه . لكنه لن يفعل ، وهى تعلم انه لن يفعل ابدا . الا انه وفى بعض الاحيان ، حين ينظر اليها ....
ابلغها جايك : ما من جريمة قتل حقيقية فى الفيلم . انه فيلم كوميدى . يشارك جاك ليمون فى حفلة تقام لوداع حياة العزوبية ويتم ادخال قالب الحلوى . تخرج فيرنا ليزا من القالب وتلتقى عيونهما فتنقلب الامور راسا على عقب ! وهذه هى نهاية حياته كعازب لعوب .

ما تحتاجه هو ان تقلب حياة جايك دافيلا راسا على عقب . وقبل ان تبحث عن عمل فى مكان اخر ، تود فعلا ان تعبر عما فى داخلها ولو لمرة واحدة فقط . لعل انهاء حياته كعازب مجرد حلم . ولعل قلب حياته راسا على عقب حلم ايضا لكن ... وبدات فكرة غريبة تختمر فى راسها ، فتضئ اجزاء مظلمة حضنها ذهنها فى الاشهر الثمانية الاخيرة .

-فى حال لم اجد نسخة عن الفيلم ، هلا قلت لى ما الذى كانت قيرنا ليزى ترتديه عندما خرجت من قالب الحلوى ؟

ليس فى الامر مخاطرة ، فالفيلم يعود الى فترة الستينات .

-لباس بحر .

وعقد حاجبيه فيما هو يتذكر المشهد .

لباس بحر ....

مثل هذا الخلاص الاخير لعقل مرلينا الواقع فى دوامة ، ان ارتداء مثل هذا اللباس تحت الاضواء سيشكل دليلا على الثقة بالنفس التى ستحملها معها عندما تتركه . كما ان اسرتها لن تعلم بالامر ابدا ستحتفظ بالسر لنفسها .

-اعتقد انه كان مصنوعا من الزهور . انثوى للغاية .

ابتسمت وقد اعجبها الوصف .

مقبول تماما .

وقابل للتنفيذ ...

ازداد عبوس جايك ، وراحت عيناه تتاملانها بحدة بعد ان اثار مزاجها الحسن المفاجئ شكوكه .

واتسعت ابتسامتها وهى تهب واقفة على قدميها قائلة : حسنا ، بما اننى حصلت على فكرة شاملة ، سابدا بالعمل على تنفيذها ... بدا متفاجئا من استعدادها للعمل على هذا المشروع .

-ما هو تاريخ عيد ميلاد جدك ؟

طرحت سؤالها هذا بما انه لم يحدد بعد الموعد .

-الشهر المقبل . فى الرابع من شباط ، يوم عيد العشاق .

عندئذ ، اقترحت بمرح : ربما علينا ان نطلب قالب الحلوى على شكل قلوب بدلا من الدوائر .

انحنى الى الامام واستند بساعديه الى مكتبه فيما حاولت عيناه ان تحخترقا آلية عمل دماغها . يبدو انه لم يتوقع ابدا رد فعلها وهذا ما جعلها تشعر بالانتصار .

قالت بصوت مرتعش : عيد العشاق يوم مميز للمحبين . قلوب وزهور ، اتفقنا ؟

تنهد واستند الى الخلف فى كرسيه ثم غمغم بسخرية : اتفقنا . اذن ، اعتبر انك ستقومين بهذا العمل من اجلى .

-نعم ، سافعل يا جايك . ثق بانى سافعل .

كانت تبتسم وهى تتجه نحو الباب ، بعد ان ادركت انها هزمته هذه المرة فى لعبته . ولم يخطر لها ان الدوامة قد تجذبها نحو العمق اكثر فاكثر . سعادتها اعلمتها انها فى اعلى هذه الدوامة وتشق طريقها بعيدا عنها .

-لا تنسى المذكرة !

فتحت الباب قبل ان تلتفت اليه وتعلن : انا لا انسى ابدا .

راقبها جايك وهى تخرج من مكتبها وتغلق الباب خلفها .

لقد تمكنت وبطريقة ما من ان تقلب الطاولة فى وجهه .

ان ميل روسى المرأة الاكثر قدرة على اثارته واستفزازه من دون شك !

جعلها تضطرب وحتى تغلى غليانا ، وكادت تنفجر ، ثم ... عادت الحلاوة والخفة لتطلا برأسيهما .

عليه ان يجد فكرة اخرى لانه يرفض الاعتراف بهزيمته امامها . سيصل الى المرأة فى داخلها . المسالة مسالة وقت وحسب .




***



انتهى الفصل الثانى .

الفصل الثالث ( وحصل ما حصل ) !



**********


كان على جايك ان يعترف بان جده يجيد اقامة الحفلات . فالمنزل القديم والاراضى الرائعة المحيطة به مصممة خصيصا لاستضافة عدد كبير من الاشخاص . وحتى فى سن الثمانين او ربما لانه بلغ الثمانين ، لم يكن بايرون دافيلا مستعدا للتخلى عن سمعته كافضل مضيف ! وهو لا يزال قويا ويثبت ذلك بالدليل القاطع اليوم .

كما لم يفقد الرجل العجوز قدرته على لفت الانظار وجذب الناس . فلم يقتصر الحضور على نخبة المجتمع فى سيدنى بل تعداه ليشتمل كبار القوم فى ميلبورن فضلا عن لائحة طويلة من كبار المشاهير . ولاحظ جايك ايضا ان عائلة دافيلا حضرت باكملها ... اربعة اجيال منها . فهو لم ينفك يصادف الاقارب فى كل مكان بين الضيوف . وهذا لا يعنى انه على علاقة وثيقة باى منهم ، فكثرة حالات الطلاق ادت الى تفكك اواصرالعلاقات .

-جدك رجل رومانسى ، اليس كذلك ؟

جاءه التعليق من رفيقته الى الحفل ، وهى عارضة ازياء معروفة تدعى فانيسا هيل . ورفعت يدها تشتم الوردة الحمراء المعلقة بسوار من القماش الابيض قدم لها عند وصولها ، كما حصل مع الضيفات الاخريات كلهن .

لم يستطع جايك ان يمنع نفسه من الابتسام بسخرية وهو يجيب : انه يعرف الطريق الى قلب المرأة .

كانت ميل محقة حين اختارت ان تلعب ورقة عيد العشاق . ولابد ان محل الزهور الذى سلم هذه الكميات الكبيرة من الورود المرتبة فى باقات ضخمة والموزعة فى كل مكان قد كسب ثروة من هذه الطلبية . وراى على صوانى المشروبات التى يجول بها النوادل على الحضور صحونا من الفضة تحوى حبات من الشوكولا البلجيكى على شكل قلب ، فيما راحت الفرقة الموسيقية تعزف اغانى الحب القديمة .

تفاصيل ممتازة على المستوى الرومانسى !

وراحت فانيسا تثرثر : انها فكرة رائعة ... اقامة حفل شاى انكليزى . انا اعشق هذه الطريقة فى اللباس ، فهى انثوية للغاية !

اعتمرت النساء قبعات مع شبك وارتدين الكشاكش والهدب ، فيما ارتدى الرجال البذات الصباحية واعتمروا القبعات ، بحيث تشعر وكانك فى الرويل اسكوت او فى اليوم المخصص للسيدات فى بطولة ملبورن ... باختصار ، وقت لهو وتسلية للاغنياء والمشاهير .

قال لها جايك ردا على النظرة المغناج التى رمقته بها : تبدين غاية فى الجمال فى اللون الزهرى يا فانيسا .

التمعت عيناها الزرقاوان سرورا فيما خطر لجايك انها لو شاءت ان تبدو كصبية صغيرة ، لكان عليها ان تجعد شعرها بدلا من ان تتركه منسدلا ناعما على كتفيها .

الاهتمام بالتفاصيل هو اساس نجاح المظهر وميل خبيرة فى ذلك .

ردت فانيسا تقول : وانت تبدو رائعا تماما فى بذلتك الصباحية المقلمة .

راح جايك يفكر فى متعة الغزل لكنها لا تضاهى متعة المعارك والمبارزات الكلامية مع ميل روسى . سيشتاق لهذه المواجهات اثناء غيابها فى عطلة ، فالمساعدات المؤقتة التى اختارتها لن تقدم له اى تحد منشط . الشهر المقبل من دون ميل سيكون فارغا ومملا .

لم تكن فانيسا قادرة على اثارة عقله ، الا انها خبيرة فى اثارة جسده . لابد ان افكار كهذه ستزعج ميل رغم انه يتساءل احيانا حين ترمقه تينك العينان الكهرمانيتان بتلك النظرة المتقدة جدا والمثيرة ...

لقد رمقته بتلك النظرة فى الامس قبل ان تغادر العمل .

سالها : هل كل شئ جاهز ليوم الغد ؟

فاجابت بثقة : اذا كان التصميم الذى اعطيتنى اياه لمنزل جدك صحيحا ودقيقا واذا ما كان اخراج قالب الحلوى الى الشرفة سهلا ، فسيجرى العرض بشكل ممتاز من دون اى هفوات .

-الاجر الذى دفعته للمرأة التى استخدمتها باهظ .

ولم يكن بكلامه هذا ينتقدها ، بل يبدى ملاحظة وحسب ، الا انه اثار حفيظتها .

-كان عليها ان تجرب ثوب السباحة المصنوعة من الازهار وان تتمرن لتتاكد من ان المصعد فى قالب الحلوى يعمل بشكل جيد . كما لا اظن ان جدك سيعجب بشخص سهل ورخيص . لهذا ، قررت اختيار النوعية .

ورفعت حاجبيها فى حركة تحد ثم اردفت : هل لديك مشكلة فى ذلك يا جايك ؟

-لا ، اذا كانت تستحق اجرها .

-حسنا ، ستحكم على ذلك بنفسك غدا .

ترافقت جملتها الاخيرة هذه مع تلك النظرة المثيرة ... المثقلة بالشغف . لعلها ممتعضة لانه اوكل اليها مهمة تعكس مغالاة فى التصرف الذكورى ، فسعت لجعله يدفع الثمن على طريقتها الخاصة . وهذا لا يعنى انه يهتم للكلفة ، فوحدها النتائج تعنيه . ولاشك فى ان احتراف ميل سياتى بنتائج حسنة . الا انها اثارت اهتمامه وزادت شوقه الى اكتشاف نوعية المرأة التى ستخرج من قالب الحلوى .

مظلات مخططة باللونين الابيض والاحمر علت الطاولات التى وضعت فى اخر المرجة الخضراء لتناول الشاى . انه يوم رائع ، فقد خفف النسيم الناعم والبارد الذى هب من ناحية المرفأ حر الصيف ، ما جعل الجلوس فى الخارج للاستمتاع بالجو ممتازا .

كانت الطاولات مغطاة بشراشف بيضاء اللون فيما احاطت بها كراسى منجدة باللون الاحمر . وقد خصص لكل ضيف صحن وفنجان من الخزف الصينى الرائع ، ترافقا مع ادوات مائدة من الفضة اللامعة ومنديل من الكتان الابيض المنشى على طبق من فضة ايضا .

وبعد ان جلس الجميع الى الطاولات ، قدم الشاى من اباريق فضية انيقة ووضع الندلة قواعد قوالب الحلوى مزينة من خمسو طوابق على الطاولات . وكانت هذه الطوابق مليئة بسندويشات متنوعة وقطع من الكعك المغطى بالسكر ، والكعك المحشو بالتمر ، والحلويات اللذيذة وانواع اخرى من الكعك المختارة بعناية .

علق احد الضيوف الجالسين الى طاولة جايك باعجاب : هذا يذكرنى بفندق امبريس على جزيرة فانكوفر .

وراح يقارن الحفل بفنادق كبرى اخرى حول العالم .

بدا جليا من الاصوات السعيدة حول الطاولات ان الحفل لاقى نجاحا ساحقا . وكانت الخطابات تتوالى بمرح وبهجة . انتظر جايك حتى تم تقديم الطبق الاخير ، وهو اطباق من الفراولة المغطاة بالشوكولا والكريما المخفوقة ، قبل ان يعتذر ويبتعد عن الطاولة . اخرج هاتفه الخلوى واعطى اشارة الانطلاق للرجال الذين سيتولون مهمة جر قالب الحلوى الضخم الى الخارج .

وابلغ الاوركسترا سريعا بان تبدا بعزف لحن سنة حلوة يا جميل عندما توقف قالب الحلوى للحظة ثم تحرك نحو طاولة جده حيث كان بايرون دافيلا يلعب دور المضيف لبناته الاربع اللواتى رزق بكل منهن من زوجة مختلفة ولازواجهن الحاليين .

كانت والدته قد تخلت منذ زمن بعيد عن والده ، وهو موسيقى شكل غلطة شبابها . وهذا لا يعنى انها لا تبدو شابة رغم سنواتها الخمسين . فشعرها الاشقر الجميل اضفى عليها شبابا فيما حافظ وجهها الذى يكاد يخلو من التجاعيد على جماله . غريب ما يمكن للجراحة التجميلية والاموال ان تحققه .
اعلن جايك : لدى مفاجاة خاصة لك يا جدى .

-رائع ! فانا اعشق المفاجآت !

كان جده فى صحة جيدة . ولاشك فى انه اشعل الغيرة بين بناته ، محرضا الواحدة ضد الاخرى كما دار ايضا بين الطاولات ، ناشرا سحره على النساء من الضيوف . وتساءل جايك عما اذا حدد زوجته التالية بما ان طلاقه السابع قد تم .

انه لا يزال ممشوق القامة وانيقا ، كما ان عينيه البنيتين لم تفقدا بريقهما . اما تجاعيد وجهه الذى صبغته الشمس والذى لم تظهر فيه اى بقع ناتجة عن التقدم فى السن فمعظمها تجاعيد ضحك ، كما اخفت لحيته السوداء والرمادية اى تهدل ظهر عند فمه وحنكه . وحافظ انفه على انحناءته المتغطرسة ، كما ابرز الشارب من تحته شكل فمه الشهوانى . حاجباه اللذان خالطهما الشيب غطيا على مسالة صلعه لشدة قدرتهما على التعبير .

وتساءل جايك ما اذا كان شعره سيلاقى المصير نفسه عندما يتقدم فى السن . علما ان المسالة لا تهمه كثيرا . وهو تعجبه فكرة ان يبقى نشيطا عندما يبلغ سن جده الحالى .

قال لجده : هل اردت كرسيك بحيث تواجه الشرفة ، فمفاجأتك ستعلو المسرح بعد لحظات .

رد جده وقد هب واقفا على قدميه ، وعيناه تلمعان بتخمينات حماسية : المسرح ؟ هل هى فرقة من الفتيات الراقصات ؟

انبته فتاته الصغرى : ابى !

فعلقت احدى البنات الاكبر سنا : لن يتصرف يوما كما يقتضى سنه .

عندئذ ، تدخلت والدة جايك مانحة والده ابتسامة تساهل عززت موقفها كابنته المفضلة : ولم عليه ان يفعل فى حين انه غير مضطر لذلك ؟

وعلا صوت احد الضيوف قائلا : انظروا الى هذا !

وعلى الفور ، انصب الاهتمام كله على الشرفة ، وتعلقت الانظار بقالب الحلوى العملاق . كان يجره اربعة شباب يرتدون ملابس بيضاء وكتب عليها عيد ميلاد سعيد وسط قلب طبع باللون الاحمر .

وخطر لجايك انها لمسة موفقة من ميل ، وقرر ان يهنئها عند عودتها الى العمل .

ضحك جده وسدد له ضربة على كتفه قبل ان يصرخ وعيناه تتراقصان لذكرى فيلمه المفضل : لم تفعل !

رد جايك برضا سعيد لسرور جده : بل فعلت !

-هل تشبه فيرنا ليزى ؟

-سنرى .

-انى متشوق لذلك .

وخطر لجايك انه كذلك ايضا . كان قالب الحلوى قطعة فنية فى حد ذاته ... فالحلى الدرجية والازهار تحيط بكل طابق منه ، والشرائط الحمراء اللون معقودة من تحتها . كانت الشموع على شكل مصابيح كهربائية مضاءة ، ما يعنى ان الطاقة تاتى من مولد كهربائى صغير داخل قالب الحلوى . فكرة رائعة اخرى من افكار ميل ! انها فعلا نسخة تتفوق على الفيلم الاصلى .

اشار جايك : ثمانية طوابق . واحد لكل عقد من حياتك يا جدى .

وجاء الرد المدوى : والافضل سياتى لاحقا .

لابد انه التفكير الايجابى ! وامل جايك ان يشعر على النحو نفسه عند بلوغه الثمانين .

وقف الجد والحفيد جنبا الى جنب ، يراقبان قالب الحلوى وهو يتوقف للحظة . وما ان بلغ منتصف الشرفة حتى عمل شخصان على مد سجادة من الناحية الخلفية للطابق السفلى .

صرخ بايرون بهما وهو يتقدم ليصل الى آخر السجادة : اسرعا يا شباب !

سجادة حمراء بالطبع ! انها نقطة اضافية لمبادرات ميل . وهى تستحق علاوة على هذا .

لحسن الحظ ، ادركت الاوركسترا ان عليها ان تتوقف عن العزف حتى ينتهى اعداد المشهد كليا . لم يستطع جايك مقاومة الرغبة فى ان يتبع جده ، فوقف خلفه اماما ليرى بوضوح المرأة التى استخدمتها ميل التى قالت عنها انها اختارت النوعية . وتعالت الثرثرة من الحشد خلفها ، ثرثرةعكست تشوق الحضور لمعرفة ما سياتى . لابد ان هذا المشهد سيشغل الناس لفترة طويلة ، طويلة . وانحبست انفاس الضيوف الذين تسمرت انظارهم على الطابق العلوى الذى انفتح غطاءه .

وراحت الاوركسترا تعزف لحن سنة حلوة يا جميل فيما اخذ الكل يغنى بحماسة . بدا راس اشقر بالظهور من اعلى قالب الحلوى ... شعرلامع ، مسرح على طريقة مارلين مونرو ، وغرة تغطى الجبين . كانت عيناها منخفضتين ، وجفناها مظللين باللون الرمادى ، فيما الرموش الطويلة السوداء تلامس وجنتيها . فم شهوانى جدا ابرزه احمر الشفاه الاحمر اللامع .

ولم يدرك جايك من تكون حتى ظهر الوجه والعنق ولم يعد قالب الحلوى يخفىها . ادراكه حقيقة هويتها كان اشبه بانفجار فى راسه .

انس امر الشعر الاشقر الخداع !

ما كان ينظر اليه هو وجه ميل روسى .

لاشك فى ذلك !

الصدمة افقدت جايك احساسه بالواقع . لم يكن يتخيل ولو بعد مليون سنة ، مساعدته الخاصة والكفوءة تلعب دور امرأة شقراء لعوب فى قالب حلوى ! انه امر لا يصدق ! لكن ، ها هى هنا ، تظهر امامه ، ومفاتن جسدها بارزة بشكل فاتن .

كان ثوب السباحة الذى الذى ترتديه مصنوعا من الورد الاحمر . لابد انها ورود اصطناعية لكنها تبدو حقيقية للغاية . وكانت تضع حول معصمها شريطا احمر اللون يتدلى منه قلب من القماش اللماع الاحمر اللون . ولم يكن قلب جايك فى حالة جيدة ، اذ راحت دقاته تتسارع فيما نظراته تلاحق خروج ميل البطئ من قالب الحلوى ، لتظهر بالكامل وصولا حتى حذائها المثير ، العالى الكعبين والاحمر اللون ايضا .

تنهد جده سرورا وقال : واو ! لقد ابدعت يا فتى !

لم يسمع الاغنية تنتهى لكن لابد انها انتهت اذ تعالى التصفيق ، فيما تناهت الى سمعه صيحات الرجال . وعادت نظرته الماسورة الى وجه ميل ، التى رفعت اهدابها لتوها .

و ... حصل ما حصل !

رمقته عيناها بكرات من نار .

لم تخفِ هذه النظرة شيئا !

فشعر بها حتى اخمص قدميه .

وبرغم الضجيج الذى تعالى فى تلك اللحظة ، انبأه حدسه بان علاقته بميل روسى تغيرت للتو ... والى الابد !




***



انتهى الفصل الثالث .

الفصل الرابع ( ضربة موفقة ) .



**************



نفحة من الرضا هدأت اعصاب مرلينا المرتجفة . بدا جايك مذهولا كليا ، ولم يستعد رباطة جأشه بسرعة . لقد حلت الصدمة محل حيوية وجهه الوسيم المعتاد . لم تر اثرا للغمازتين على خديه ، كما ان فمه بقى جامدا تماما ولم تظهر عليه حتى لمحة تسلية بسيطة . لم تكن عناه الداكنتان مفعمتين بالحيوية والبهجة كما فقدتا بريقهما المتالق . راح يحدق فيها وكأنه منبهر ، مسحور او منوم مغناطيسيا .

ما من شك فى ذلك .

لقد عبرت له عما فى نفسها مع ثأر خفيف .

وها هى محور الاستعراض ، فى لباس البحر ، وفخورة بنفسها لانها تجرأت على ذلك .

ان الوقت الذى خصصته لهذا العرض والجهد الذى بذلته لنجاحه اتيا بثمارهما . يمكنها ان تنسحب من ساحة المعركة مع التقدير . لن تكون مهزومة ابدا !

انما مازال عليها ان تنهى الفصل وتنهيه بشكل صحيح . واملت ان تعود عليها التدريبات التى اجرتها على النزول من قالب
الحلوى فى هذا الحذاء الاحمر المثير ، بالفائدة . فالسقوط سيكون فظيعا فى هذه المرحلة .

ركزت نظراتها على بايرون دافيلا الذى لا بد انه الرجل الواقف عند اسفل السجادة الحمراء وامام جايك تماما ، ثم رسمت على شفتيها ابتسامة بطيئة ، شهوانية تهدف الى تدفئة تغضنات سنواته الثمانين .

علما انه لايبدو فى الثمانين ، بل فى اوائل الستينات ، والابتسامة التى بادلها اياها عكست تقديرا ذكوريا لمظهرها ما منح مرلينا التشجيع الذى تحتاجه لتنطلق فى عملية النزول حتى السجادة الحمراء التى تؤدى اليه مباشرة .

وراحت تقول فى سرها : فكرى كمارلين مونرو .

وبدات الاوركسترا تعزف لحن اغنية معروفة فيما شرعت مرلينا تشق طريقها وتنزل الدرجات وهى تشعر بالامتنان . فمن الاسهل بكثير ان تبدو مثيرة ورشيقة وهى تتحرك على وقع الموسيقى بدلا من ان تنزل والصمت يحيط بها والحضور كلهم يحدقون فيها . وصلت الى السجادة الحمراء من دون اى هفوة ، ومصممة على تجاهل جايك . توجهت مباشرة نحو جده وثقتها بنفسها تتزايد مع كل خطوة تخطيها .

لقد فعلتها وهذا رائع فعلا !

شعرت بنظرة جايك عليها واحست بدوامة عنيفة من الافكار تنطلق منه لتدور من حولها وتلف عليها . وعادت اعصابها نشيطة جدا ، لكنها لم تعد ترتجف خوفا من الفشل كحالها من قبل بل راحت تئز تيها وابتهاجا لانها اوقعت محرك الدمى فى شر اعماله وجعلته يتشابك مع خيوطه .

وكان بايرون دافيلا ينظر اليها كما تمنت دوما ان يفعل جايك ... باعجاب متالق واهتمام ماسور . هذا الانتصار كان مبهجا ، ما جعل ابتسامتها تتسع وتتالق فيما تراقصت عيناها بنظرة جريئة وهى تلتفت الى الرجل الاكبر سنا . مد ذراعيه مرحبا
بها فيما توقفت هى للحظة . فكت الشريطة عن رسغها وقدمتها له مع القلب الاحمر .

قالت موجهة سرورها الخاص نحوه مباشرة : عيد سعيد يا سيد دافيلا . اتمنى ان يبقى قلبك مملوء بالفرح والسعادة دوما .

-انه كذلك يا عزيزتى وذلك بفضلك .

وربط الشريطة حول معصمه ، ثم اخذ يديها وضغط عليهما بخفة فيما عيناه تلمعان تشجيعا ثم اردف : افضل فى هذه المرحلة من حياتى الا اضيع الوقت . فما اسمك ؟
فردت مشددة بعض الشئ على الاسم : انه مرلينا روسى .

-مرلينا ...

كرر الاسم وكانه يتلذذ بطعمه : اسم جميل لامرأة جميلة .

-شكرا لك يا سيد دافيلا .

-ادعينى بايرون .

-شكرا لك يا بايرون .

-والان يبقى السؤال الاهم ...

ورفع حاجبيه فى غزل مغر ، ثم اردف : ... هل ترضين بالزواج منى ؟

ضحكت . فمن سخرية القدر ان يعرض عليها جد الرجل الذى تريده فعلا الزواج امامه ، سواء اكان هذا على سبيل المزاح ام لا .

قال جايك بنبرة نزقة ، غاضبة ، بعيدة كل البعد عن التسلية : انت تبالغ يا جدى ، فقد رايتها لتوك .

فرد بايرون باستمتاع ، وعيناه لا تفارقان عينيها للحظة : نعم ! انه الحب من النظرة الاولى . وما من مثيل له ! شكرا لك يا
جايك لانك اخترت لى مرلينا .

صرف باسنانه ثم قال بنبرة خشنة ساخطة : لم اخترها ! كما لا يمكنك الحصول عليها ، فهى لى !

التفت بايرون نحو حفيده بعبوس : لك ؟ رايت عارضة ازياء نحيلة متعلقة بذراعك طيلة بعد الظهر ، فعد اليها يا فتى . لا يمكنك الحصول على الاثنين وانت تعلم ذلك .

خطر لمرلينا انه محق . وشعرت بمودة شديدة نحو بايرون دافيلا الذى يفهم كيف ينبغى ان تكون العلاقات . ورمقت جايك بنظرة ازدراء ساخنة لاساليبه المستهترة . اذا اراد ان يحصل عليها ، فعليه ان يتخلى عن النساء الاخريات ويحارب جده من اجلها . كما ان عليه ان يتجاوز بعض عوائقها ايضا ، كالزواج والاولاد . وهذا ما لن يحصل ، وهى تعلم ذلك . الا ان ادراكها لهذه الحقيقة لم يطفئ حلمها بحصول معجزة مفاجئة تغير مجرى حياتيهما .

قال جايك بلهجة مهددة : ميل هى مساعدتى الخاصة !

فساله جده : ميل ؟ ميل ؟ ومن هى ميل ؟

بدات مرلينا تحب بايرون دافيلا . فهو يحارب بدلا منها ، مجبرا جايك على الاعتراف باسمها الحقيقى .

-هذه المرأة التى سحرتك هى ميل .

وحرك جايك يده بشكل حركة المقص وكأنه يرغب فى انها هذا المشهد على الفور . والتفت الى مرلينا ليؤكد ما اعلنه .

حملقت فيه بدورها وهى تقول فى فكرها : مستحيل . لن انقذك بعد الان . حل امورك بنفسك .

اعلن بايرون الذى عاد باهتمامه الى مرلينا ، وراح يبتسم لها وكان نساء العالم الفاتنات كلهن اجتمعن فى شخصها : يجب ان تعدم بالرصاص لانك تشوه هذا الاسم الجميل . انه النسخة الانثوية لاسم ميرلن ، الساحر العظيم . وقد وقعت اسير سحرك عزيزتى .

آه ، انه بارع فعلا ! هذا ممتاز ! لا عجب فى انه اوقع سبع نساء فى شراكه . لعل ثروته الكبيرة تجذب العديدات لكن الرجل فى حد ذاته ساحر للغاية .

امرها جايك وهو يصرف باسنانه غضبا : اخبريه ! اخبريه انك مساعدتى الشخصية .

اخذت مرلينا نفسا عميقا ثم تنهدت برضى لتشوش رب عملها :كنت مساعدة جيك الخاصة يا بايرون .

وصمتت للحظة ثم اردفت : لكنى لم اعد كذلك .

استشاطا جايك غاضبا : ماذا تعنين بقولك انك لم تعودى كذلك ؟

رفرفت باهدابها وهى تلتفت اليه : تركت استقالتى على مكتبك بالامس لايحق لك بعد الان ان تطالبنى يا جايك .
بدا مصعوقا من جديد من جديد ، وفقد قدرته على الكلام مؤقتا .

هذا رائع !

وابتسمت بحلاوة لجده : لذا ، انا حرة فى تمضية ما شئت من الوقت معك يا بايرون .

وافقها قائلا : احسنت !

لكن جايك لم يقل كلمته الاخيرة بعد . وعاد يقول بعزم : لا يمكنك ان تغادرى من دون اشعار .

والتمعت عيناه وهو يذكرها : هذا تصرف غير اخلاقى يا ميل .

-اعتقد ان مدة شهر اكثر من كافية لتجد بديلا عنى يا جايك . وقد اشرت الى ذلك فى استقالتى . لديك الشهر القادم باكمله لتجد بديلا عنى .

وادرك الحقيقة فجاة ، ما جعله يقطب : لكنك ستكونين فى عطلة هذه المدة كلها .

-نعم . وانت مدين لى بهذه العطلة كما تعلم .

فهى لم تحصل على اى عطلة اثناء الاشهر التسعة عشر التى امضتها كعبدة له !

وافق بايرون بصدق : رائع ! اين تودين تمضية هذه العطلة يا مرلينا ؟ يكفى ان تنطقى بكلمة واحدة وسوف ...

فقال جايك من بين اسنانه المطبقة : مرلينا ... ليست شقراء حقيقية .

هل انفجر فيه عرق دم ليهاجم على هذا المستوى الشخصى ... ؟

حملق بايرون فيه وقال : هذا ايضا حال عارضة الازياء النحيلة التى ترافقك يا فتى . كن فتى طيبا وعد اليها . افهم خيبة املك لانك فقدت مرلينا انما يبدو انك لم تكن تقدرها بما يكفى .

خطر لها انه محق تماما ، وشعرت بانها بدات حقا تحب جد جايك .

وجاء الرد عنيفا : انا لا اعنى ان شعرها مصبوغ ، فشعرها بنى داكن . وهى تضع الان شعرا مستعارا !

هذه ضربة وضيعة وخبيثة ، ضربة تحت الحزام .

تامل بايرون شعرها بنظرة تقدير : يا له من شعر مستعار متقن الصنع ! لقد خدعتنى .

عندئذ ، وجه جايك الضربة القاضية : انها تخدعك يا جدى .

ابتسم لها بايرون : ما من شئ اجمل من ان تحتال عليك امرأة .

الانقباض فى صدر مرلينا خف مع مرور محاولة الاذلال الواضة . وبادلت بايرون الابتسام قبل ان تقول : لقد وضعت الشعر المستعار لكى اسعدك فى يوم عيد ميلادك يا بايرون . قال جايك انك تفضل الشقراوات .

-حسنا ، اجد نفسى الان ميالا نحو ذوات الشعر البنى . وبما انك جئت على ذكر عيد ميلادى ...

وصمت للحظة قبل ان يستدير قليلا ويقدم لها ذراعه ويقول : اسمحى لى ان ارافقك الى طاولتى حيث يمكننا ان نحتفل معا .

-هذا لطف منك !

ووضعت يدها على ذراعه .

لم تكن متاكدة ما اذا تذمر جايك لكنه رمقها بنظرة وكانه يتمنى لو يمسك بها ويخنقها . بدت عدائيته خطرة فعلا ، ومثيرة ايضا .

ربت بايرون على يدها وابتسم بود لحفيده : اشكرك جايك . هذه اجمل هدية يمكنك ان تقدمها لى .

ولوح بيده مضيفا : يمكنك ابعاد قالب الحلوى لكنى ساحتفظ بمرلينا . واطلب من فضلك من الاوركيسترا ان تعزف لحنا خاصا ، وليكن رومانسيا .

وترك جايك واقفا وقد بدا على اهبة الاستعداد للقتال ، فيما قاد بايرون مرلينا عائدا نحو ضيوفه بمشية منتصرة . وفكرت فى انه قد يركل قالب الحلوى ، ثم قررت ان تغازل جده بشكل جسور حتى انتهاء الحفل .

همس بايرون فى اذنها : ما هذا المرح ! ارى ان ثمة مسائل عالقة بينك وبين حفيدى ، وقد ايقظته لتوك من سباته .

ابتسمت له وقد لاحظت التسلية الواضحة فى عينيه : شئ من هذا القبيل .

-احسنت يا عزيزتى . لا اعلم ما الذى يراه فى اولئك النساء النحيلات .

تنهدت : لا اظن ان ما حصل سيغير شيئا يا بايرون .
-كلام فارغ ! لقد نضج .

اعترفت له بخجل : انها حرارة اللحظة فحسب ، وكان هذا مفيدا لكبريائى . لكن جايك ، وعلى عكسك ، ليس من النوع الذى يتزوج ، وقد ضيعت ما يكفى من حياتى عليه .

نصحها قائلا : الوقت ليس مناسبا للاستسلام مرلينا . انت فى اعلى الموجة وعليك ان تركبيها حتى تصل الى شاطئ الامان . حان الوقت كى يتزوج هذا الفتى وانا موافق عليك من صميم القلب . فامرأة مثلك تضفى على حياة المرء الكثير من الاثارة .

ضحكت وضمت ذراعه بمودة حقيقية : انت شخص رائع يا بايرون . لكنى لا اظن ...

-دعى الامر لى ، فانا بارع فى المؤامرات .

-اوافق على كلامك هذا . فطلب يدى للزواج ضربة رائعة !

-يمكننا ان نستفيد منها . هلا رافقتنى وسامنحك خاتم خطوبة من الماس .

جمدت مرلينا مكانها ، وقد شعرت بانها غير واثقة مما ستؤول اليه الامور مع جد جايك : بايرون ، انت رجل رائع لكنى لا استطيع ان اتزوجك فعلا .

ضحك : انها محاولة لايقاظ النيام يا عزيزتى . منذ متى وانت تعملين لحساب جايك ؟

-منذ تسعة عشر شهرا .

-اذا ، فقد غمزت الصنارة ، حتى وان كان لا يدرك ذلك بعد .

هزت مرلينا راسها : لا اظن ان الامور وصلت الى هذا الحد . فقد مرت فى حياته سلسلة من النساء اثناء عملى معه .

وافقها بايرون الراى : انه ياخذ ما يرغب فيه من دون الحاجة الى الالتزام .

وربت على يدها مجددا : لنركز على جعله يدفع الثمن . كونى رفيقتى مدة اسبوع . اسبوع واحد من حياتك مرلينا ، لنرى ما اذا كان جايك سياتى اليك .

انها فكرة مغرية ! فكرة ان تثير غيرة جايك دافيلا بحيث يفقد صوابه هى حلم احلامها الاكثر غرابة . ليت هذا يحصل ...

-اعدك بانك ستتسلين . ساصطحبك للتسوق وسارافقك الى المسرح وسنتناول العشاء فى الخارج . سنظهر فى كل مكان معا ، وسنشكل ثنائيا رائعا . واراهن ان جايك لن يتمكن من تجاهل ذلك .

قالت : انت شيطان بقدره يا بايرون .
وخطر لها : لم لا ؟ ستتمكن من تحمل اسبوع تعامل فيه كرفيقة مدللة ، اليس كذلك ؟ بعض المرح قبل ان البدء بالبحث عن عمل جديد . واذا ما كانت مرافقة جده ، ستدفعه ...

-لقد ورث جيناته عنى .

وقرعت اجراس الانذار فى راسها على الفور . لعل بايرون دافيلا بلغ الثمانين لكن مرلينا تشك فى ان يكون قد فقد شيئا من رجولته . التفتت اليه وقالت : عليك ان تعدنى بان تتصرف كرجل شهم ومهذب اذا ما وافقت على اقتراحك .

ضحك : اعدك بان ابعد يدى عنك . اعرف اين هو اهتمامك يا مرلينا ، وانى على استعداد تام لمساعدتك اذا ما استطعت ذلك .

صدقته . وقررت المغامرة فليس لديها ما تخسره : حسنا ، انا موافقة .

فقال بنبرة تقدير : هذه فتاتى ! يا له من عيد ميلاد رائع ! والان ، دعينى اعرف الى والدة جايك .

وتابعا طريقهما نحو طاولته .

ومن خلفهما ، بدات الاوركسترا تعزف لحنا رومنسيا .




***



انتهى الفصل الرابع .


الفصل الخامس ( طفح الكيل ) .



****************



عاد جايك الى طاولته وهو يرغى ويزبد لان ميل او مرلينا افسدت مفاجاة عيد الميلاد التى اعدها . ان اهتمام جده بها لا يحتمل ابدا . لقد فعلتها كى تظهر احتقارها وازدرائها للعبته ولتضع اللمسة الاخيرة على استقالتها ، لترحل وتدير ظهرها له من دون ان تأبه بردة فعله . كان مغتاظا من خروجها المنتصر من حياته ، الى حد بالكاد استطاع معه ان يتجاوب مع ثرثرة اصدقائه المرحة ، ومع مزاح الرجال منهم خاصة .

-نعترف لك يا جايك بان هذا العرض كان رائعا . مارلين مونرو وصاحبة الحسن والجمال فى امرأة واحدة !

-انها رائعة . الاثارة تسير على قدميها !

-لو كانت فى الحديقة ، لشعر اى رجل برغبة فى التوقف ليشتم رائحة الورود !

-يبدو ان ان هذا ما يفعله جدك الان . احسنت جايك !

-اين وجدتها ؟

-لابد انها كلفتك ثروة .

ثروة فقط ! الكلفة كانت غير مقبولة ابدا . فخسارة ميل كمساعدة شخصية له ... ستترك فراغا كبيرا فى حياته . وعندئذ ، تذكر اجر عارضة الازياء المهول . انها ضربة دنيئة منها . وكاد يهب واقفا وهو يفكر كيف خدعته ميل وحضرت لانسحابها من العمل .

رد مستعينا بكل ذرة من الارادة لديه لضبط صوته بحيث لا يبدو عنيفا بقدر شعوره : لم اكن احتسب الكلفة . جل ما اردته هو اسعاد جدى .

واختبار قدرات ميل وهزمها . الا انها نالت منه !

قالت فانيسا بطريقة جافة ، وهى تومئ براسها نحو طاولة جده : لاشك فى انك نجحت . يبدو جدك متيما بها .

ها هو يعرف ميل الى والدته وخالاته وهى تضحك وقد ارجعت راسها الى الخلف . وشد جايك قبضتيه .

وليزداد الطين بلة ، علق احد الشباب : انها تستحق كل قرش دفعته من اجلها . اين قلت انك عثرت عليها يا جايك ؟

تدخلت فانيسا وفى صوتها نبرة غيرة : ما هذا ؟ كل هذا الكلام عن النجمة امام النساء الموجدات على هذه الطاولة ينم عن عدم كياسة .

وافقتها النمساء الراى على الفور ، انما بنبرة اكثر مرحا من نبرة فانيسا النزقة ، ما ذكره بما اعتاد جده ان يقوله وهو ان النساء النحيلات لا يفكرن سوى بانفسهن . لابد ان فانيسا منزعجة للغاية لان امرأة اخرى اشد اغراء منها خطفت الاضواء .

حاول جايك ان يوليها الاهتمام الذى تريده لكن قلبه لم يطعه وبقى يحوم فى مكان اخر ، حتى انه لم يعد يجدها جذابة . ولن يطيل السهر معها الليلة ... لا ، لم يشأ ذلك . فى الواقع ، بالكاد استطاع ان يقاوم الانجذاب المغناطيسى والرغبة فى مراقبة ما يحصل بين ميل وجده .

لن يمنح مساعدته الشخصية الرضا عبر اظهار الاهتمام بتصرفها المشين فى هذه الحفلة ، لكن كان من الصعب عليه ان يبقى نظره مركزا على فانيسا وعلى رفاقه الاخرين ، كما وجد الثرثرات مزعجة جدا . وتحول الوضع كله الى معاناة بانتظار ان تنتهى الحفلة .

واخيرا ، بدا الضيوف بالمغادرة . وقرر اصدقاءه تمضية السهرة فى ملهى ليلى معروف ، لكن جايك لم يشأ ان يرافقهم . لم يكن مزاحه يسمح بأن يتصرف بشكل متمدن ، فكيف يمكنه ان يمرح ويلهو . وطفح بفانيسا الكيل حين اعتذر ، متحججا بالتزامات اخرى . واقترح عليها ان ترافق الاخرين اذا رغبت فى ذلك فقالت وهى مقطبة انها ستفعل .
وتساءل جايك كيف امكنه ان يعتقد انها مثيرة . الا ان كبرياءه منعته من انهاء علاقتهما فيما ميل لا تزال قادرة على رؤيتهما معا . فمن شأن هذا ان يمنح الانسة روسى نصرا ساحقا عليه ، نصرا لم يشأ ان يمنحها اياه .

كانت متعلقة بذراع جده الذى وقف يودع ضيوفه ، وراحت تلعب باتقان احترافى دور المضيفة مظهرة ثقة كبيرة بالنفس ، ما ضايق جايك الى اقصى حد . وضع ذراعه اليسرى حول خصر فانيسا وهما يقتربان ليودعا مضيفهما ويغادرا الحفل .

قال مبتسما ابتسامة عريضة : حفلة رائعة يا جدى .

مد الجد يده اليمنى وصافح جايك بقوة : انها رائعة بفضلك يا فتى . لا يمكننى ان اشكرك كفاية .

تدخلت مرلينا قائلة بفرح : نعم ، فكرة قالب الحلوى كانت رائعة ، فقد امضيت وقتا ممتعا مع بايرون .

اجبر جايك نفسه على النظر اليها وقد تحولت ابتسامته الى تكشيرة : شكرا لك . واسمحى لى ان اهنئك على قيامك بمهمتك على اكمل وجه .

ثم وليظهر انه يتقبل الخسارة بروح رياضية وليعوض عن رد فعله العصبى السابق ، اردف : اتمنى لك النجاح فى العمل الذى ستختارينه تاليا مهما كان ، يا ميل .

ليلعنه الله ان ناداها باسم مرلينا !

فرد جده وهو يغمزها بخفة : ستختار الزواج اذا ما كان لى اى تاثير على قرارها .

خرخرت وهى تضم ذراعه فى تعبير عن فرحها : آه ، يا بايرون !

شعر جايك بمعدته تنقبض واعصابه تتشنج .

زأر الاسد فى داخله ورغب فى ان يحمل ميل روسى ويمزقها بمخالبه .

سالها بصوت حاول ان يجعله يبدو مهتما ومراعيا : هل هناك من يقلك الى منزلك ؟

ابتسمت وقد التمعت عيناها الكهرمانيتان ببريق دافئ : هذا لطف بالغ منك ! لكنى لا احتاج الى من يقلنى . فقد طلب منى بايرون ان ابقى معه وانا مستمتعة جدا بصحبته ...

فما كان منه الا ان سال على الفور : وماذا عن الملابس ؟

صورتها وهى تتبختر فى لباس البحر المصنوع من الورود فى سهرة خاصة مع جده جعلته يرغب فى امساكها من شعرها وجرها الى كهف .

ردت بسهولة ووضوح : احضرت معى بعض الملابس . وافق النادل على الاحتفاظ بحقيبتى حتى انتهاء الحفل . لا تقلق على يا جايك .

تدخلت فانيسا لتقول بوضاعة : لا ، انا واثقة من انه لن يفعل . شكرا لك على هذه الحفلة الرائعة يا بايرون .

فرد ، مظهرا ما يكفى من الرقة ليراعى امرأة نحيلة بدات تظهر علامات تحول الى امرأة لئيمة : يسرنى انك استمتعت يا عزيزتى .

وتمكن جايك من ان يقول قبل ان يبعد فانيسا : اعتنى بنفسك يا جدى .

فاعلن جده بتهور : ساعتنى بمرلينا بدلا من ذلك . سنذهب للتسوق غدا .

وابتسم لها ابتسامة توقع قبل ان يردف : ثمة محال تجارية رائعة فى دايل باى ويمكننا ان نتناول الغداء فى دايل ، فثمة طاولة جاهزة لى دوما .

صرخت المرأة الفاتنة تدنو اكثر منه : آه ، يا الهى !

لقد طفح الكيل !

وغادر جايك على عجل والغضب يتاكله جارا معه فانيسا التى اعترضت : لا تسرع ، فانا انتعل حذاء عالى الكعبين كما تعلم .

تذمر وقد فقد كياسته كليا : يمكنك ان تكونى حافية القدمين ، الامر لا يعنينى .

وقفت فانيسا جامدة ، وراحت ترغى وتزبد : كنت تخطط للحصول عليها ، اليس كذلك ؟
هذا الاتهام جعل جايك يقف بدوره : لا ، لم افعل !

وجاء البرهان المثقل بالنكد التذكر : بقيت تحوم حولها عندما خرجت من قالب الحلوى ، واردت منذ لحظات ان توصلها الى منزلها . كما انك الان مغتاظ وفى مزاج سئ لانها فضلت البقاء مع بايرون .

كرر جايك غير مصدق : فى مزاج سئ ؟

-لاتحاول الانكار ! ولا تظن انى سالعب دور البديل عن فتاة قالب الحلوى . وداعا يا جايك ! ساتركحك مع تيم وفيونا .
وبعد ان اهانته برفضها له ، وابتعدت عنه وهى تختال بمشيتها ، عادت والتفتت اليه لتقذفه بكلام حاقد : امل ان تصبح زوجة جدك !

لن اسمح بذلك ولو كلفنى الامر حياتى !

جمد جايك فى مكانه فيما الفكرة تخترق عقله بعنف مذهل .

ولاول مرة فى حياته ، لم يعرف كيف يتصرف .

لم يكن لديه خطة .

الركض خلف فانيسا لا معنى له ، فهو لا يريد تمضية وقته معها . من الافضل ان يقطعا علاقتهما ببعضهما ، ولا يهم من قام بذلك . ليدع فانيسا تشعر بالرضا لانها من قطع العلاقة !

الا ان تخلى ميل روسى عنه امر اخر ....

انها ضربة تحت الحزام ....

عليه ان يقاوم !

عليه ان يربح المعركة !

انها تستخدم جده كسلاح وكدرع ، لكن ما ان تصبح وحدها ...

عندما تعود الى شقتها فى شاستوود ، سيكون فى انتظارها ، ولن يدع ميل روسى تقفل الباب فى وجهه !

حل منتصف الليل ... ولم تعد بعد !

بلغ احباط جايك وغضبه ذروته . لابد انها ستمضى الليلة فى منزل جده . لهذا ، ما من فائدة من بقائه هنا اكثر . حتى لو عادت الان ، سيبدو كرجل غبى ، غيور ، لانه انتظرها حتى الساعة ليواجهها ، وهو ليس غيورا او احمق . كان يعلم ما الذى تخطط له . انها تحاول انهاء اللعبة بنقاط لصالحها ، لكنه مصمم على ان تكون الكلمة الاخيرة له .
عاد الى منزله وهذا القرار يغلى فى ذهنه .

الا ان فرصة تحقيق النصر عليها بدت صعبة . لم تجب ميل على اى اتصالات نهار الاحد ، فراح جايك يرغى ويزبد لفكرة انها خرجت فعلا لتتسوق وتتناول الغداء مع جده . وامر نفسه بان يهدا ، فالمسالة مسالة وقت . عليه ان ينتظر بعض الوقت قبل ان يتمكن من محاسبتها .

وجاء نهار الاثنين حاملا معه مزيدا من الاحباط . ووجد صعوبة متزايدة فى ان يتصرف بشكل متمدن مع مساعدته المؤقتة لانها ليست ميل . كانت فتاة شقراء ، نحيلة ، لم تنفك تتودد اليه من دون ان تثير لديه اى اهتمام . فى الواقع ، شك فى ان تكون ميل قد بحثت خصيصا عن امرأة تتناسب والمعايير التى يعتمدها فى اختيار صديقاته . انا صفعة جديدة توجهها اليه !

ومازال المجيب الالى يطالعه كلما اتصل بها فى شقتها . هل غادرت لتستمتع باجازتها ؟ او ... لا ، لا يعقل ان تكون برفقة جده . كان الامر مجرد لعبة ... الم يكن كذلك ؟

واتصل بمنزل جده .
رد على اتصاله رئيس الخدم ، فقال بسرعة : انا جايك . هل جدى هنا هاورلد ؟

-لقد خرج السيد بايرون .

تردد جايك ، لكن الحاجة الى معرفة الحقيقة دفعته للسؤال : وماذا عن الانسة روسى ؟

-الانسة روسى برفقة السيد بايرون .

انقبضت معدة جايك ، وقال بنبرة عنيفة : ومتى سيعودان ؟

-سيقدم العشاء فى موعده المعتاد . لذا ، اتوقع ان يعودا قبل هذا الموعد .

يعودا ! انه لا يتكلم عن جده وحده !

واجبر جايك نفسه على ان يقول : شكرا هارولد . ساعاود الاتصال لاحقا .

-هل من رسالة يا سيدى ؟

-لا ، شكرا لك .

كان من المستحيل ان يركز على اى عمل ، فذهنه لايزال مشغولا بامر ميل . هل تعدى الامر كونه لعبة ؟ ان جده ثرى وقادر على ان يحيط المرأة بقدر ما تشاء من الرفاهية ، لكن ميل لا يمكن ان تفكر فى الزواج من رجل فى الثمانين من عمره .

لعلها احتلت منصب مساعدته الشخصية ، مع ما يترافق مع ذلك من فوائد . فسيسع ى جده الى تدليلها الى حد افسادها وسيستمتع بكل دقيقة يمضيها وهو يفعل ذلك .

تبا لهما !

بدت له هذه الفكرة صعبة الاحتمال بقدر فكرة الزواج . لكن ، ماذا فى وسعه ان يفعل حيال ذلك ؟ لن تفارق هذه المشكلة عقله ، وراح يفكر فيها ويعيد التفكير ، وكان لا يزال مشغولا بها حين ابلغته مساعدته المؤقتة بان فانيسا هال تود التحدث اليه عبر الهاتف . تمكن بعد جهد جهيد من ان يجبر عقله على التعامل مع كارثة اخرى من كوارث حفلة جده . كان الوقت متاخرا وامل الا تسعى الى المصالحة.0

سالها بكياسة : فانيسا ... كيف يمكننى ان اخدمك ؟

-عدت لتوى من عرض ازياء فى حفل خيرى ...

انها تذكرة بانها ملكة المسرح ويجب ان يقّيم على هذا الاساس .

وتابعت تقول بنبرة ناعم ة : اتعلم من حضر الحفل يا جايك ؟

اقشعر بدنه ، وقال بعد ان ادرك هدف الاتصال وقرر ان يبدو مهتم بالامر : اخبرينى ؟

-بايرون وصديقته من قالب الحلوى .

-لابد انهما امضيا وقتا ممتعا .

-نعم ، بالتاكيد ! يحق لهما ان يحتفلا ولسبب وجيه . فهى تضع فى اصبعها خاتما من الماس ، خاتم خطوبة . اتمنى لهما السعادة يا جايك !




*****



انتهى الفصل الخامس .


الفصل السادس ( انتِ لي ) .




**************



بدات مرلينا تقدرسحر حياة الاثرياء وتعتاد عليه . فالجناح الذى تشغه حاليا فخم للغاية ، ومنذ ان وطأت قدماها منزل بايرون المذهل ، لم تقم باى عمل من الاعمال الروتينية التى اعتادت عليها ، فما من طبخ او تنظيف او غسيل او كوى . كانت مهمتها تقتصر على الاعتناء بمظهرها . وعلى البقاء على اهبة الاستعداد لمرافقة بايرون الذى يلاحق المسرات على اختلاف اشكالها وانواعها .

من ناحية الدلال الصرف ، هذه افضل بداية لاى عطلة قد تحصل عليها ، لكن بدا من المستحيل الا تفكر فى جايك الذى تاثر على الارجح برحيلها وخروجها من حياته . هل افتقدها فى العمل اليوم ؟ ام ان المساعدة المؤقتة ، التى اختارتها له خصيصا تقدم له التسلية امناسبة التى يقدرها زير النساء ؟

والتفتت الى الخاتم الماسى المذهل الذى اصر بايرون على ان تضعه ، مشيرا الى انه ضرورى لنجاح التمثيلية وحصد انتائج . وتحركت اصابعها بشكل تلقائى ليتلالا الضوء على اوجه الحجر الكريم الرائع . انه فاتن ، لكن ثروات العالم كله لا يمكن ان تمنحها ما تريده فعلا . هل هذه الخطوبة الزائفة من جده ستدفعه للتخلى عن حياة العزوبية حيث لا مسؤوليات ولا ارتباطات ؟

وتنهدت تنهيدة عميقة ثم امسكت بفرشاة شعرها ، مصممة على الا تدع الرد على هذا السؤال المزعج ينغص عليها حياتها . فلديها حياة تعيشها مهما حصل ، ومن الافضل الان ان تركز على لعب دور العروس المثالية لبايرون .

وفى حين نجح الشعر المستعار الاشقر فى حفل عيد الميلاد ، فضلت اظهار شعرها البنى الداكن الطبيعى فى الواقع . اذا لم تعجب جايك وهى على طبيعتها ، فهذه مشكلته وليست مشكلتها هى . انجذاب المرء الى شخص اخر هو ما يضفى عمقا على علاقتهما ، عمق يكفى كى ينجح الزواج .

وبعد ان جددت زينتها ، تحققت مرلينا من مظهرها فى المرآة الطويلة قبل ان تنزل الى الاسفل لتلاقى بايرون قبل العشاء . كانت ترتدى احد الفساتين الجديدة التى اشترياها فى جولة التسوق التى قاما بها فى الامس ، وهو ثوب من الحرير الابيض يزينه حزام عريض من الجلد يلتف حول خصرها . انه انيق ومثير فى آن واحد وقد احبته ، لاسيما بعد ان اختارت له حذاء جديدا ابيض مناسبا . ورات انه لباس انيق يليق بمقابلات العمل ، ولم تأبه لثمنه .

اذا لم تنجح هذه المحاولة مع جايك ، فستفتح صفحة جديدة فى حياتها ، وتنطلق من جديد بعد ان تتخلص من كل ما يذكرها به ، بما فى ذلك الثياب التى اختارتها لتتناسب مع صورة الشركة . كما ستتخلص ايضا من البذلات السوداء المحافظة . فهى ارث مما توقعته عائلتها منها وقد تناسبت مع عملها السابق بما ان ربة عملها كانت تكره ان يسرق احدهم منها الاضواء . اما الان فهى تتحلى بما يكفى من الثقة بالنفس كى تختار ما يناسبها وتلتزم به .

وقد حان الوقت ايضا كى تجد لنفسها زوجا ، رغم ان العثور على رجل ترغب فى قضاء حياتها معه يشكل مشكلة . فبعد ان عرفت جايك ... وهزت راسها . اجراء المقارنات تصرف غبى . الم تدرك منذ البدء ان جايك ليس من النوع الذى يتزوج ؟
رغم ان بايرون يظن انه قد يدرك انها المرأة المناسبة له كى يتزوج اذا ما استفز بشكل كافِ . وبقى الامل فى ان يصح هذا التحليل لانجاح مشروع الزواج يداعب قلبها . فالاحلام لا تذوى بسهولة .
لكن مهما كانت نتيجة مخططات بايرون ، يبقى عليها ان تبحث عن عمل جديد . فما من عودة الى الوراء ، بل عليها ان تمضى قدما . هذا هو الخيار الوحيد المتبقى لها .

وبعد ان عقدت العزم مجددا ، نزلت مرلينا السلالم وتوجهت الى غرفة الاستقبال الرئيسية . وما ان دخلت حتى خطر لها انه وحده الرجل الخارق الثراء يمكنه ان يختار اثاثا ابيض اللون . بدت الكنبات رائعة بين الاثاث الاثرى اللماع والسجاد الملون على الارض الخشبية ، لكن الحفاظ على نظافتها لابد ان يشكل ازمة فى منزل عادى .

تقدم منها بايرون ، الذى بدا رائع الاناقة فى سرواله وقميصه الابيض وسترته المصنوعة من الكتان الاسمر ، حاملا فى يده كاسين من الكريستال . انحنى لها باعجاب وكأنها افضل ما اختاره يوما . لاشك فى ان جايك ورث الكثير عن جده .

صرخ بنبرة انتصار : لدى اخبار جيدة لك يا عزيزتى ! لقد ابلغنى هارولد للتو ان جايك اتصل بعد ظهر هذا اليوم وسال عنك !

تسارعت نبضات قلبها حين ادركت ان جايك لم يمحها ببساطة من حياته ، كما خطر لها انه سيفعل بعد ان جرحت كبرياءه برحيلها المفاجئ من المكان الذى خصصه لها .

ودفعها المنطق لان تقول : لعله واجه مشكلة فى العمل .

ابتسم لها بايرون : كما سال متى سنعود الى المنزل ؟ اتوقع ان يزورنا الليلة .

همست مرلينا : لعله سال بعد ان اغاظته فكرة الا يجدنى عند الحاجة .

سخر منها بايرون قائلا وعيناه تلمعان مكرا : تحلى ببعض الايمان يا فتا ، فقد نسيت ورقتنا الرابحة .

-خاتم الخطوبة ؟ انى له ان يعرف ؟

-اراهن على ان فانيسا هيل لم تستطع ان تنتظر حتى تطلعه على الامر .

-ولم تفعل هذا ؟

-لانها فقدت صوابها وتمرغت كرامتها فى الوحل حين اظهر جايك اهتماما بالغا بك يوم الاحد . ثقى بى ، فانا اعرف النساء جيدا .

لم تناقشه مرلينا فى ذلك ، فقد تزوج بايرون سبع مرات ولاشك ان تجاربه تفوق المرات السبع هذه . وانبعثت منه الثقة وهو يقدم لها كأس العصير ويرفع كأسه قائلا : نخب النجاح يا عزيزتى .

ذكرت مرلينا نفسها بان عليها الا تبيع السمك وهو فى البحر . الا ان النخب الذى اقترحه بايرون لا يقاوم . كانت تامل ان تنجح وان لم تستطع ان تشعر بالثقة كما يفعل . وكانا يرتشفان العصير عندما دخل رئيس الخدم .

بادره بايرون : نعم هارولد .

-فتحت لتوى البوابة الخارجية للسيد جايك يا سيدى .

-رائع ! فى الوقت المناسب تماما !

شعرت مارلينا بتشنج شديد فى معدتها .

اما رئيس الخدم ، وهو رجل فى الخمسين من عمره ، طويل القامة ونحيلها ، وحريص دوما على وقاره ، فاسترخى بما يكفى كى يبتسم لسرور مستخدمه : هل اعتبر انكم ثلاثة اشخاص على العشاء يا سيدى ؟

-اشك فى ان يكون حفيدى فى مزاج يسمح له بتناول العشاء معنا . لا تقدم العشاء حتى اطلب منك ذلك هارولد .

-كما تشاء يا سيدى .

ودق جرس الباب فخرج هارولد من الغرفة ليستقبل الضيف ويدخله .

علق بايرون بنبرة مرحة : يا لهذه السرعة ! لابد ان جايك يقود بسرعة جنونية . هل انتِ جاهزة للمواجهة يا مارلينا ؟

اخذت نفسا عميقا ، محاولة ان تهدئ نفسها . انها لحظة المواجهة ... لحظة الحقيقة والحسم ! فرد فعل جايك على الوضع سيعلمها ما اذا كانت تعنى له شيئا اكثر من مجرد جرح فى كبريائه وعزة نفسه .

قالت بتصميم : فلنبدا اللعب .

ابتسم لها ابتسامة نابعة من صميم القلب : هذه فتاتى !

كلامه جعلها تبتسم . اذا لم تنجح حملة جد جايك لتزويجها ولم تحقق اى نتيجة ، فيكفيها ما فعله لثقتها بنفسها ولكبريائها ، اذ عززهما وجعلها تشعر بانها امرأة تستحق الاهتمام .

وجهها قائلا : والان ، اشربى . تذكرى اننا نحتفل .

-حسنا !

وارتشفت بعض العصير .

وترافق جيشان عواطفها واعصابها مع دخول جايك ، جيشان تغلغل فى كل خلية من خلايا جسد مرلينا .

وجاء التعليق الساخر : سمعت ان علينا تقديم التهانى .

انتفض قلبها فيما اقشعر بدنها ، وبالكاد تمكنت مارلينا من منع نفسها من الاستدارة لمواجهته . يجب ان تسيطر على نفسها وتحافظ على رباطة جأشها ، فهذه هى الطريقة الوحيدة للتعامل مع جايك .

اجاب بايرون بجراة : مانحا اياها لحظة لتستعيد هدوءها : ما سمعته صحيح يا فتى .

ورسمت على وجهها ابتسامة عريضة ثم التفتت نحوه ، رافعة يدها اليسرى كى يرى الخاتم الملفت للغاية قبل ان تقول بسعادة : نحن مخطوبان وسنتزوج .

ابتسامة جايك المصطنعة لم تعكس اى سعادة من اجلها ، كما لم تظهر غمازتيه كالعادة . اما نظرة عينيه البنيتين الداكنتين فبدت قاتلة وهى تتاملها من راسها حتى اخمص قدميها ، متجاهلة الخاتم الماسى الذى ينبغى ان تركز عليه . كان يرتدى سروالا من الجينز وقميصا ذا كمين قصيرين ، وهو اللباس المفضل لديه للعمل . لكن التوتر الذى ينبعث منه ويثير اعصابها بدا بعيدا كل البعد عن الاسترخاء الذى ينبغى ان تعكسه ملابسه .

قال بنبرة اشبه بخنجر ملفوف بحرير ، خنجر طعنها فى قلبها مباشرة : يا لحسن حظك ! لن تضطرى للبحث عن عمل جديد .

المعنى المبطن الذى حمله كلامه جعل الدم يتدفق الى وجهها . لم تكن يوما من الباحثات عن المال والذهب وكرهت ان يظنها كذلك . الا ان العقل والمنطق اعلماها بان جايك لا يمكن ان يراها بشكل مغاير فى مثل هذه الظروف ، وان من المستحيل ان تعترض . فاللعبة كلها ستفشل اذا ما قالت الحقيقة .

ضحك بايرون ، منقذا اياها من هذا الموقف المحرج : اظن ان مرلينا لن تجد متسعا من الوقت للعمل وستكتفى بلعب دور زوجتى . استطيع ان ارانا نعيش حياة صاخبة جدا . سنبدا اولا برحلة طويلة حول العالم ....

-نعم . تخطيطها ممتاز ، وهى صفة افتقدتها للاسف اليوم . فبديلتها المؤقتة محدودة التفكير . اود ان اتحدث الى ميل على انفراد ، اذا لم يكن لديك مانع يا جدى . امل ان نتمكن من حل المشاكل التى تسبب بها رحيلها .

العمل !

انه لا يابه بحياتها .

انه مهتم وحسب بعمله الغالى .

صحح له بايرون كلامه : القرار يعود لمرلينا . واود ان اضيف انك تزعجها حين تناديها ميل . فلطالما كرهت هذا الاسم ، وليس من الحكمة ان تستخدمه اذا اردتها ان تساعدك .

-انت محق .
وانحنى نصف انحناءة امام مرلينا مضيفا : اعتذر لانى شوهت اسمك مجددا . انها احدى العادات السيئة .

والتمعت عيناه فيما تابع يقول : اذا ما تكرمت وساعدتنى فى هذه المسألة ...

فقالت بشئ من عدم الصبر ، وقد انبها ضميرها لانها تركته يتخبط فى المشاكل : نعم ، نعم . انا اسفة على خيارى بالنسبة الى بديلتى . لكنى ظننت انها ستعجبك .

ضاقت عيناه وكانها سددت اليه لتوها ضربة . وهذا ما فعلته فى الواقع ، فاختيارها فتاة شقراء نحيلة لتحل محلها كان هدفها توجيه صفعة اليه . جاء تصرفها هذا بدافع الضغينة ، اذ احست بان اختياره للنساء اللواتى يشاركنه حياته يقلل من قيمتها . لكن العمل هو العمل وما كان عليها ان تدع المسائل الشخصية تشوش على حكمتها ، وحكمها على الامور .

قال بايرون متطوعا : حسنا ، ساترككما لتحلا مشاكلكما . اتود ان تنضم الينا على العشاء ؟ وان تشرب نخب سعادتنا المستقبلية ؟

-لا ، شكرا .

جاء الرد حادا ، لكنه عاد ولطفه بابتسامة مصطنعة قبل ان يضيف : ما ربحته انت خسرته انا . لا اشعر برغبة فى تناول الطعام الليلة .

اوما بايرون : فهمت . ستشاركنا فى مرة اخرى . ساخبر هارولد انك لن تبقى على العشاء .

شعرت مرلينا بالتوتر يتصاعد فى الغرفة مع رحيل بايرون الذى خرج مقفلا الباب خلفه . حدقت الى الاسفل ، الى ما تبقى من العصير فى كاسها ، متمنية لو تغرق هذا الاحساس المؤلم بخيبة الامل الذى يمزق فؤادها . بدت اللعبة سخيفة جدا الان ، اشبه بملاحقة سراب . الا انها غير مستعدة للاعتراف بالحقيقة لجايك ، فكبرياؤها لا تسمح بذلك وتدفعها للاستمرار فى التمثيلية .

-ارى انك غيرت مظهرك ليتلاءم مع اسلوب عيش جدى .

نبرته الساخرة جعلتها ترفع راسها تحديا فيما راح الغضب يعتمل فى صدرها : انى ارتدى ما يلائمنى انا يا جايك . هذا انا طفح الكيل من التناسب مع صورة ما . لست ... لم اعد الفتاة الواجهة لشركتك . فى الاسبوع الماضى ، لم يكن عيد ميلاد جدك وحده . كان عيد ميلادى انا ايضا ، علما ان هذا لا يعنى لك شيئا ، لكنه يعنى لى الكثير . لقد بلغت الثلاثين من عمرى ، ولم اعد مراهقة تتبع الموضة .

ووضعت كأسها على الطاولة قرب الكنبة بعنف ثم اسندت يديها الى وركيها فى وقفة عدائية قبل ان تردف : كما ان جدك يحبنى كما انا . ويطرى على كل ما فى ، بما فى ذلك شعرى الاسود !

ارتفعت ذراع جايك واشار اليها باصبعه : لم اطلب منك يوما تغير لون شعرك .

-لا ، لكنك طلبت منى ان اقص ما تركته ينمو لسنوات . الشعر الطويل تقليد فى اسرتى ، لكنك لم تزعج نفسك بالسؤال عما اذا كان قصه يزعجنى . اما هذا واما لاشئ .

-كان بامكانك ان تخبرينى . كنا فى مرحلة مفاوضات .

-كنت غبية بما يكفى لارغب فى الحصول على العمل .

شعر بالمهانة فرد ساخطا : غبية بما يكفى ! كان العمل المثالى لك . لقد تجلت مواهبك كلها فيه . كما كان اجرك جيدا . هذا من دون ذكر المبلغ الذى منحته لنفسك لتخرجى من قالب الحلوى .

-استحقيت كل قرش اخذته . لقد حصلت على ما تريده تماما لقاء مالك يا جايك دافيلا .

-لا ، لم افعل !

ولوح بيده بشكل مبالغ فيه ، عاكسا ما يشعر به من احباط ورافضا ادعاءها .

سالته بنبرة حادة : اين خذلتك اذن ؟
فمه الى خط غاضب فيما حدق فيها بعينين عاصفتين وارتفع صدره وهبط فى حركة شهيق وزفير سريعة ثم اسقط يديه بطريقة يائسة وهو يعترف يعترف اخيرا : لم تخذلينى . لكنى احتاج اليك فى العمل .

هذا هو جوهر المسألة .

جايك مرتبك .

شبكت مرلينا ذراعيها على صدرها فى تصميم لدفع اى محاولة لاضعافها . هذا اكثر من كاف . لن تعود بل سترحل وتمضى فى سبيلها .

اعلنت بدقة باردة : لقد تدبرت امرك من قبلى ، وستتمكن من فعل ذلك من بعدى .

-لا اريد ان افعل .

كاد يصرخ بها الا انه عاد واخفض صوته مضيفا : ما الذى يمكن ان يعيدك الى العمل ؟

-لا يمكنك ان تقدم لى شيئا يجعلنى ابدل رايى .

انقبضت يداه الى جانبيه . بدا وكأنه مستعد لخنقها ، وكأن الطاقة العنيفة التى تعصف فى داخله بحاجة الى مخرج ما . راح يذرع الغرفة مجيئة وذهابا بخطى غاضبة .

الا ان مرلينا بقيت جامدة فى مكانها ، تتامله برضا كبير . كم من مرة ودت لو تخنقه ؟ سرها ان تنقلب الموازين ولو لمرة ، وان تراه وقد فقد السيطرة السيطرة على الوضع ، واختفى احساسها بالذنب لاختيارها تلك البديلة عنها . جايك دافيلا يستحق بعض العذاب ، فقد رات الويل معه .

صرخ بها وعيناه تحدقان فى عينيها بقوة محرقة : لايمكنك ان تتزوجى جدى .

كلامه اثار فيها حب القتال : بلى ، يمكننى ذلك !

هز راسه فى حركة رفض : كيف يمكنك ان تتزوجى رجلا عجوزا مثله ؟

-قلب بايرون لا يزال شابا .

رماها برد مثقل بالغل والحقد : لكن جسده جسد رجل فى الثمانين من عمره .

اجابته بازدراء متغطرس لتركيزه على الجسد : لكنه يحافظ على لياقته .

ناقشها بعنف : لكن هذا لا يجعله مثيرا .

-جدك مثير بقدر شون كونرى ، الذى لا يزال يعتبر احد اكثر نجوم السينما اثارة فى العالم بالرغم من سنه . ان لجدك العينين البنيتين اللامعتين نفسهما ، والسحر نفسه ، والحضور الآسر نفسه ...

-اذن ، سيسعدك ان تعاشريه كزوجة ، اليس كذلك ؟ رجل عجوز بما يكفى ليكون جدك ؟

كان ينبغى انهاء النقاش عند هذا الحد ، لكن مرلينا شعرت بغضب عارم ولم تشأ ان تدع جايك يربح اى جولة فى هذه اللعبة : ولم لا ؟ بايرون يجعل من كل ما يفعله متعة وهو يعرف ما تريده المرأة .

وفجاة ، ضاقت عينا جايك ، وتطاير الشرر منهما بشكل خطر فيما بدا يتقدم نحوها : ولعلك لم تعرفى ما هو افضل . اليس كذلك مرلينا ؟ لطالما كنت فتاة ايطالية طيبة ؟

شبكت ذراعيها على صدرها فيما راحت ترتجف فى داخلها . ان جايك يتقدم منها وهو ينوى اختبار مدى خبرتها . احست بانها تتمزق بين الرغبة فى اكتشاف شعورها اذا اخذها بين ذراعيه وبين كبريائها التى اصرت على انها ستشبع غروره وحسب اذا ما سمحت له بلمسها .

ردت بحدة : الامر لا يعنيك .

ارتسمت على وجهه ابتسامة حملت وعودا : ارى ان اجعل الامر من شأنى .

وبدا ذهنها يعمل بشكل محموم وهو يقترب منها اكثر واكثر . انها ضعيفة جدا ازاءه بسبب انجذابها اليه . اذا ما لمسها ، اذا ما عانقها ...

-قف مكانك يا جايك دافيلا !
بدا صوتها مرتعشا ، دفاعيا ، خائفا .

توقف على بعد خطوة منها ، وهمس بصوت مغر: هيا يا ميل ، انت تعلمين ان هذا الشعور لطالما كان بيننا ، انه يئز بيننا .

-اسمى مرلينا .

تجاهل اعتراضها ، وراحت عيناه تحدقان فى عينيها ، تطالبانها بالحقيقة : كان الامر مثيرا ، اليس كذلك ؟ طريقة تناوشنا وتشاحننا ... الضربة والضربة المضادة . انا ارمى التحدى وانت تواجهينه ، وتنجزين المهمة المطلوبة ...

نعم ، كان ذلك . لكن ...

-انت زير نساء يا جايك . وقد بلغت الثلاثين من عمرى واريد ان اتزوج .

-لماذا ؟ من اجل الامان ؟ هذا ممل . ما تحتاجينه وما تريدينه هو ....

-اريد انشاء اسرة .

لم تكن ترغب ابدا فى سماع الحاجات التى قد يلبيها . على اى حال ، اى علاقة مع جايك لن تكون سوى علاقة عابرة ، مؤقتة لن تعنى له شيئا . اذا ما استسلمت للاغراء فلن تصبح سوى رقم اخر فى مفكرته .
رد بنبرة غير مصدقة : تريدين ان ترزقى باطفال من جدى ؟

ناقشته بحرارة : تشارلى شابلن رزق باطفال وهو فى الثمانين . وجينات بايرون عظيمة ليورثها . انظر الى نفسك .

-وماذا عنى ؟

-انت ذكى ، مبدع ، وسيم . سارزق باطفال رائعين من بايرون .

رد على حجتها بسرعة : ويمكنك ان ترزقى باطفال رائعين منى .

كلامه اسكتها للحظة ، لكنها عادت وتمالكت نفسها ، قائلة : لكنك لا تريدهم .

-ومن قال انى لا اريدهم ؟

-وهل تريدهم ؟

هذا التحدى المباشر اوقعه فى الشرك : لم افكر فى الامر .

سخرت منه بفظاظة : صحيح !

-هذا لا يعنى انى لا استطيع ان افكر فى المسألة .

-وكم من الوقت سيتطلب التفكير ؟

بدا انه يتخبط فقررت ان تسدد الضربة القاضية : اريد ان انشئ عائلة فى وقت قريب يا جايك . انت زير نساء وستضيع وقتى فحسب . لذا ، اخرج من حياتى وابقى بعيدا عنها .

-لاتركك لجدى ؟

وتبدل التعبير الذى ارتسم على وجهه بشكل عنيف . لقد ابتلع لحظة التردد بتصميم يفتقر الى الصبر .

-لن افعل ما دام فى عرقى دم !

وتقدم منها وشدها الى احضانه فيما التمعت عيناه بتهور خطر : من المستحيل ان تصبحى زوجته ! فانتِ لى مرلينا روسى ! لى انا !




*****



انتهى الفصل السادس

الفصل السابع ( قد اتزوجها ) .



************



كانت مرلينا من الذهول لنبرة التملك الصرف فى صوت جايك وللتاثير المفاجئ لوجودها سجينة بين ذراعيه ملتصقة بجسده المفتول العضلات ، بحيث لم تنطق باى كلمة او تقوم باى تصرف لتبعده عنها .

تفجرت الاحاسيس فى داخلها ، ناسفة اى منطق فى عقلها . متسببة بفوضى عارمة ، جاعلة قلبها يعدو ورئتيها تصرخان مطالبتين بالهواء فيما انقبضت معدتها وارتجفت ساقيها . لقد فقدت السيطرة كليا . جاهدت ذراعاها لتتحررا من سجنهما وارتفعتا لتلتفا حول عنقه ، مدفوعتين برغبتهما فى الحفاظ على هذا الاتصال الحميم بينهما .

بادلته العناق رغبة منها فى الاحساس بتوقه الشديد اليها وبسلطتها عليه . ووجدت متعة بالغة حين شعرت بدقات قلبه القوية ، وبعضلاته المشدودة .

انه يرغب فيها .

هذا الاكتشاف المسكر نسف اى تعقل تبقى لديها .

لم يعد للوقت والمكان اى اعتبار .

-احم ! ... احم !

بدا التنحنح اتيا من مكان بعيد ، صوتا غريبا خرق ما ينبغى ان يكون لحظة حميممة ، وسدد ضربة عنيفة الى دفق المشاعر الرائعة . جاء رد فعل جايك اسرع من رد فعلها ، فرفع راسه والتفت نحو الدخيل فيما بقى ممسكا بها وكانه يحميها .

-اعذرنى يا سيدى ....

تسرب صوت هارولد الجليل الى شرنقة عالم مرلينا الداخلى وازاح الغمامة عن دماغها . وفيما ادركت ما كانت تفعله ، ووعت لوضعها وللرجل قربها ، شعرت بصدر جايك ينتفخ وهو يتنفس ما جعل معدتها تتقلص .

ماذا سيقول ؟

كيف سيفسر ما حصل ؟

اعلن هارولد بدم بارد : السيد بايرون فى المكتبة . وهو يتساءل الى متى هذا ... آه ... هذا اللقاء على الانفراد سيدوم ؟

رد جايك بصوت اجش : لن يطول الامر يا هارولد .

ثم ابتلع ريقه بشدة واضاف بنبرة انعم : ابلغ جدى اننا سننضم اليه فى المكتبة بعد لحظات .

سننضم اليه ؟

لماذا ؟

بعد ان اساءت الى موقفها من جايك عبر استسلامها لمشاعرها وتجاهلها المتهور للحقائق ، حاولت مرلينا بائسة ان تستعيد رباطة جاشها وسلامة عقلها قبل ان تضطر لمواجهة الرجل الذى مازال ينوى عدم التخلى عن سيطرته عليها . لم تتمكن من ايجاد القوة او الارادة اللازمة للابتعاد عنه . على اى حال ، لا يمكنها باى شكل من الاشكال ان تتصرف وكانه اهانها واساء اليها بتصرفه بحرية معها فى حين انها تجاوبت معه بشكل فاضح وواضح .

قال هارولد بصوت وقور : حسنا يا سيدى .

واشار صوت الباب وهو يغلق الى انه خرج .

تنفس جايك بعمق اكثر من ذى قبل ، ثم مرر اصابعه فى شعرها بنعومة وهو يهمس باسمها : مرلينا ؟

اسمها الحقيقى والكامل !

سماع اسمها يخرج من بين شفتيه بهذه النبرة المهتمة ، الحنون ، جعل قلبها يترنح .

ارادته ان يقول المزيد ، ان يعترف لها بانه متاثر بقدر تاثرها بقوة المشاعر التى نسفت اى تفكير منطقى . الا ان شده الرقيق لشعرها عنى انه يريدها ان ترفع راسها وتنظر اليه . اخذت نفسا عميقا علها تغذى دماغها بما يكفيه من الاوكسيجين كى يعمل بشكل صحيح ، ثم نفذت ما اراده بعد ان ادركت ان ما ستراه سيكون على الارجح اصدق تعبيرا واوضح مما قد تسمعه .

لم تر فى عينيه اى اثر للتسلية ، كما لم تر فيهما شرارات الانتصار . بدا وجهه جادا للغاية فيما حدقت عيناه فى عينيها بقوة مغناطيسية جعلت الفرار منهما مستحيلا . واعلن بصراحة ووضوح : انا ارغب فيكِ وانت ترغبين فى . لا يمكنك ان تتزوجى جدى .

لاداعى للجدل . على اى حال ، لم تكن تنوى الزواج من بايرون . الى اين ستصل الامور بينها وبين جايك ، لا تعلم قد تصل الى اى مكان . الا ان ما حصل للتو جعل الاستمرار فى تمثيلية الخطوبة امرا مستحيلا . لقد انتهت اللعبة ، بغض النظر عن النتيجة النهائية .

تنهدت : انت محق ، لا يمكننى ان اتزوج جدك .

-جيد !

خرجت الكلمة مترافقة مع تنهيدة ارتياح ورضا ثم اردف : يسرنى ان نكون قد حلنا هذه المسالة .

تركيزه على قطع علاقتها ببايرون ازعجها . انما ، الم يكن هذا هدف زيارته اصلا ؟ شقت الحقيقة طريقها عبر التملك الاسر الذى دفعها للاستسلام لارادته . جل ما اراده جايك هو ان يحررها من اى التزامات اخرى كى يتمكن من التلاعب بها .

ردت عليه مشددة على الكلمات : لكنى لن اعود الى العمل معك .

وحملقت فيه بعينين تتحديانه ان يعتبرها ملكا له .

قال لها منهيا النقاش : سنتحدث فى هذا الموضوع لاحقا . اما الان فعلينا ان نتوجه الى المكتبة ونطلع جدى على الخبر . كلما اسرعنا فى ذلك ، كلما كان افضل .

وشدها الى جانبه وسار بها الى الباب قبل ان يتمكن عقل مرلينا من تحليل نواياه . وعندما فعل جمدت فى مكانها غير واثقة كيف ستسير الامور فى المكتبة . فبينها وبين بايرون تفاهم وخطة ، وعليها ان تتحدث اليه على انفراد .

خرجت الكلمات من فمها بسرعة : لا ! لن تفعل هذا .

عبس جايك لمقاومتها المشاكسة : افعل ماذا ؟

-ساخبر بايرون بنفسى .

اصر وقد كره فكرة ان يبتعد عنها : تحتاجين الى دعم منى .

هل هو قلق من ان تغير رايها ؟

بدت زعزعة ثقته فكرة جيدة لمرلينا . فجايك دافيلا مولع للغاية بحل الامور على طريقته . وهى ليست مستعدة ابدا لتركه يدير حياتها ويوجهها مجددا ، فقواعد علاقتهما تغيرت بالنسبة اليها .

ناقشته : انه لتصرف جبان ان تعتمد على شخص اخر فى ايصال رسالة ما ، لاسيما حين تكون الرسالة خاصة وشخصية للغاية . على ان اخبره بنفسى ، وكل ما ستفعله انت هو زيادة الوضع سوء .

-لكنى جزء من هذا الوضع .

فقالت بقدر ما استطاعت من خبث : فقط بقدر ما بينت لى انى لم اعطِ اهمية كافية لاحد العناصر فى مخططاتى .

بدا مصدوما : اكنت تستخدمينى كمقياس ؟

-الم يكن هذا ما نويته انت ؟

-لا ... نعم ... لا ...

وهز راسه فى ارتباك غاضب : لقد فعلت ما اردت ان افعله منذ وقت طويل .

والتمعت عيناه بثقة مطلقة قبل ان يردف : ولا تقولى لى انك لم تكونى راغبة فى ما حصل ايضا !
-لقد ارضيت فضولى يا جايك . اشكرك على هذه التجربة . والان ، هلا عذرتنى فبايرون ينتظر .

هذا النقاش شتت انتباهه فلم يمسك بها جيدا الى جانبه . ابتعدت عنه وتوجهت نحو الباب قبل ان يتمالك نفسه ويعلن : لا يمكنك ان تبقى هنا مرلينا . سيكون الامر اشبه بصب الزيت على النار . سانتظرك لاوصلك الى المنزل بعد ان تنهى حديثك مع جدى .

لن يشعر بايرون بانه مجروح ، بل سيبتهج لانه استطاع ان يدفع حفيده الى اتخاذ خطوة فعلية . ولابد انه ينتظر بفارغ الصبر تقريرها عن نجاح مخططاته .

الا ان التصميم فى صوت جايك جعلها تتوقف . هل يريد فعلا ان يكون معها ام ان المسالة برمتها مسالة ربح وخسارة ؟ صحيح ان الخطوة الطبيعية التى تلى فسخ الخطوبة هى ترك منزل بايرون ، الا ان هذا لا علاقة له بالموضوع . ارادت ان تعرف الى اى مدى يهتم جايك لامرها .

التفتت اليه ، وقلبها ينبض املا فى ان ترى وجهه ما يتعدى التصميم على ان تجرى الامور كما يريد .

وتابع كلامه ، كرجل يتحمل المسؤولية ، متوقعا منها ان تلتزم بما يقرره : ساطلب من هارولد ارسال احدهم لتوضيب حقائبك ووضعها فى السيارة .

قالت هازئة بترتيباته ، محاولة التحقق من حقيقة مشاعره : يمكننى ان استدعى سيارة اجرة .

-لا .

والتمعت عيناه استعدادا لمعركة ، محذرا اياها من انه مستعد للقتال حيثما تريد : ستاتين معى يا مرلينا .

تحدته غريزيا ان يجعلها تطيعه ، ورفعت راسها بتمرد : ولم على ان افعل هذا ؟

رمقها بنظرة شاملة استحضرت بقوة ما جرى بينهما منذ قليل ، وتمهلت عيناه على جسمها ، ما جعلها تقشعر فيما سرت الحرارة فى عروقها حين تذكرت كيف استسلمت له كليا وغرقت معه فى دوامة من المشاعر .

رد بنبرة حريرية : لان ثمة مسائل عالقة بيننا .

ارتجفت مرلينا اذ ادركت انها اذا تركته يعيدها الى المنزل فسيطالبها بالمزيد . القرار قرارها الان والخيار خيارها .

مسائل عالقة ...

ان الحقيقة الرهيبة تكمن فى هذه الكلمات . حقيقة ساحرة للغاية . انها تريد هذا الرجل اكثر مما ارادت اى شئ اخر فى العالم ، والرغبة البدائية فى الاستفادة مما يعرض عليها قبل ان تنتقل الى مرحلة اخرى من حياتها اطاحت بالمنطق الذى اشار عليها بانها لن تكون سوى نزوة عابرة فى حياة هذا الرجل اللعوب .

من جهة اخرى ، بدا لها ان الطاعة والاستسلام لايتماشيان مع شخصيتها ! لتدع جايك يغتاظ فى انتظار قرارها !

ردت وكانها غير مهتمة : افعل ما يحلو لك . على ان اذهب واخبر بايرون اننى لا استطيع ان اتزوجه .

راقبها جايك وهى تخرج ، وبالكاد استطاع ان يسيطر على رغبة تملكته فى اللحاق بها والامساك بها وحملها على كتفه الى سيارته . لم تنسل مرلينا روسى تحت جلده وحسب ، بل تغلغلت فى اعماقه وجرت مع الدماء فى عروقه من دون ان تتنازل عن اى شئ او تقدم له شيئا ، باستثناء انها استسلمت له منذ دقائق .

وها هى الان قد انسحبت الى ساحة معركتها القديمة ، مواجهة تحديه ورامية الكرة مجددا فى ملعبه . الا انه كسب شيئا ما منها فقد انهت هذا الارتباط الذى لا يحتمل بجده . لقد فجر ذاك الالتزام ومزقه اربا . من الجيد ان هارولد دخل عليهما وفاجاهما فى الجرم المشهود ، فهارولد شاهد لاغبار عليه . وما من سبيل لان تدعى مرلينا انها ارغمت ولم تكن راغبة فى ما حصل .
وهذا لا يعنى انها ستدعى ذلك ، فالصدق والاستقامة يسريان فى عروقها .

فليس من طبعها الا تعطى ما تفعله اهتماما كاملا ، غير منقوص ، سواء فى العمل او الزواج او الخروج من قالب الحلوى . هذا الالتزام التام من جانبها جعل فكرة الخروج معها اكثر اثارة .

راح جايك يبحث عن هارولد ليجده فى المطبخ يشرف على تحضيرات العشاء . طلب منه ان يكلمه على انفراد وشرح له الحاجة الى تسريع مغادرة الانسى روسى لمنزل خطيبها السابق الليلة .

ساله هارولد مقطبا : هل انت واثق من ان هذه هى رغبة الانسة روسى ؟

رد جايك على الفور ، بعد ان رمق رئيس الخدم بنظرة رجل لرجل : وعدتها بان انفذ ما طلبته . انها مسالة حساسة كما ترى يا هارولد . الانسة روسى فى المكتبة حاليا لتفسخ خطوبتها مع جدى . وما ان تنتهى ...

-نعم ، افهم ما تقصده يا سيد جايك ، لكن ...

وهز راسه قبل ان يضيف : ... لست واثقا من ان السيد بايرون سيوافق على مثل هذا القرار المتسرع .

فاكد جايك : الحسم الفورى هو افضل الحلول .

-افترض ان الاغراض يمكن ان تعاد الى اماكنها ، اذا ما بدلت الانسة رايها وفضلت البقاء . كما ان توضيبها سيسرع الامور
اذا ما قررت المغادرة ....

وخطر لجايك الذى بدا يفقد صبره ان الخيار الاخير هو ما سيحصل فعلا . يبدو ان رئيس الخدم لم يعجبه ان يتلقى هذه الاوامر منه ، رغم انه يعلم انها الاوامر المناسبة فى مثل هذه الظروف .

واخيرا قرر هارولد : حسن . اذا ما فتحت السيارة سيد جايك فساطلب نقل امتعة الانسة روسى اليها . يؤسفنى ان اراها ترحل ، فهى شابة لطيفة ومليئة بالحياة ...

قاطعه جايك الذى اراد ان يرى افعالا ، لا ان يسمع كلاما : شابة لم تقصد ان ترتكب خطا لكنها فعلت .

رفع الرجل العجوز حاجبيه : اتخيل انه من السهل جدا على امرأة شابة ان ترتكب خطا معك يا سيد جايك .

رد جايك بشئ من السخط : الغلطة كانت مع جدى وليس معى .

قال رئيس الخدم الكلمة الاخيرة : حسنا سيدى ، المسالة مسالة راى . والان ، اذا ما سمحت لى فساذهب لاشرف على توضيب امتعتها .

راح جايك يرغى ويزبد بسبب راى هارولد فيما هو يتوجه نحو سيارته الفيرارى ليفتحها . ما حصل بينهما فى البهو لم يكن خطأ ! انه مولع جدا بجده وامل الا يشعر الرجل العجوز بالاستياء الشديد من تصرفاته الليلة . فكل الافعال عادلة فى الحب كما فى الحرب ، ولقد انذره بانه يعتبر مرلينا روسى امرأته وذلك منذ لقائها الاول بجده فى حفل عيد الميلاد .

لو لم تكن مرلينا فى مزاج سئ ومشاكس ، ولو لم تظهر استقلالية مطلقة فيما ساندها جده لان الامر يناسبه ، لما وصلت الامور الى هذا الحد . لاعادها بكل بساطة الى حيث تنتمى . اليه ... ولاشك فى ذلك .

عليه الاعتراف بامكانية ان تكون قد سلبت عقل جده بما انه عرض عليها الزواج . لكن ، من جهة اخرى ، كيف يمكن اخذ اى من زيجاته على محمل الجد طالما ان اى منها لم يستمر لاكثر من بضع سنوات ؟

وخطر فى باله ان مرلينا قادرة على انجاح علاقة الربيع مع الخريف ، فهى امرأة عنيدة . كما ان جده بلغ الثمانين من عمره ولعله راى فى هذا الزواج زواج الشيخوخة ، وقد يحزنه ان يسعى جايك الى تقويض هذه العلاقة .

تمتم بعد ان ادرك ان تصرفه الليلة جعله فى موقف حرج للغاية : تبا ، تبا ، تبا !
من الافضل ان يواجه نتائج تصرفاته الان ايضا . لن يرحل بعيدا مع مرلينا من دون ان يتحدث الى جده اولا ... عليه ان يكشف الى اى مدى تعكرت المياة وان تبذل قصارى جهده لئلا يزيد الطين بلة .

تنفس بعمق هواء الليل المنعش فيما هو ينتظر قرب سيارته الفيرارى حتى تنقل امتعة مرلينا الى صندوقها . لابد ان حوائجها قليلة ، الا اذا بالغا جدا اثناء تسوقهما فى دوبل باى . سيحشر كل ما لديها فى السيارة ، لئلا يترك لها اى حجة لتعود الى هنا .

وعيل صبره بحيث بدا له ان دهرا مر قبل ان يظهر حاجب جده ، فنسنت الذى لا يقدر بثمن ، حاملا معه حقيبة صغيرة وبضعة اكياس .

ساله جايك وهو يتحرك بسرعة ليفتح صندوق السيارة : اهذا كل شئ ؟

فرد فنسنت بغطرسة : طبعا يا سيدى ، فانا لا افقد شيئا .

قال له جايك وقد فقد اعصابه من هذا الوضع : حسنا ، سنفقد الانسة روسى قريبا جدا .

علق جايك وهو يضع الحقائب ثم يتراجع ليرمق جايك بنظرة توبيخ واستنكار : هذا مؤسف للغاية ، فالسيد بايرون بدا سعيدا جدا منذ وصول الانسة روسى .

رد جايك بحدة ، ثائرا على عقدة الذنب التى بدات تتشكل فى داخله وهو الذى لم يعتد ان يشعر بالذنب حيال اى شئ : لم يمض عليها سوى ثلاثة ايام هنا !

-كل يوم من السعادة يعتبر يوما ثمينا فى سن السيد بايرون . انت اصغر من ان تقدر هذا يا سيدى .

وما ان انهى فنسنت كلامه حتى استدار على عقبيه وعاد الى المنزل .

اغلق جايك غطاء الصندوق ثم اقفل السيارة وعاد بدوره الى المنزل .

لقد حظيت مرلينا بالوقت الكافى لتنقل الخبر الى جده ، وبدا بقاؤها فى المكتبة هذه المدة كلها يثير اسئلة مزعجة فى ذهنه . عليه ان ينضم اليهما وان يصحح الوضع ، ويحرص على ان ترافقه الليلة .

ودفعه شعور قوى الى الدخول الى المكتبة من دون ان يطرق الباب ، فوجد جده مستندا الى مكتبه المصنوع من خشب الماهوغانى ، وقد بدا مسترخيا ومسيطرا على الوضع . اما مرلينا فجلست فى كرسى من الجلد ، وقد بدت بدورها مرتاحة . غياب التوتر من الاجواء لفت انتباه جايك على الفور . فما من اثر لاى الم او اسى ، بل بدا وكانهما يستمتعان وحسب بتبادل الاحاديث .

سال : ماذا يجرى ؟

نبرته الحادة جعلت جده يرفع حاجبيه استهجانا : يمكننى ان اطرح السؤال نفسه عليك يا جايك ؟ جئت الى هنا مدعيا انك تحتاج الى مساعدة فى العمل ...

-انى افتقد مرلينا فى العمل .

ارتسمت ابتسامة صغيرة ساخرة على وجه الجد قبل ان يجيب : لا شك فى ذلك . لكن ، هل يبرر هذا استخدامك لسحرك كله لتسلبها منى ؟

شعر جايك بموجة حرارة ناتجة عن شعوره بالذنب تكتسحه : انا اسف ، لكن ينبغى الا تتزوجك يا جدى .

والتفت الى مرلينا ليسالها : الم تقولى له هذا ؟

ردت ساخرة ، وهى تتحرك يدها اليسرى ليرى الماسة الكبيرة تلتمع : نعم ، فعلت . عرضت على بايرون ان اعيد له خاتمه ...

مازالت تضع خاتمه !

وتابع جده كلامها : اقنعت مرلينا بان تحتفظ به .

قال جايك بصوت هادر ، وقد تعاظم الاربك والاحباط فى داخله بحيث اطاحا باى شعور بالذنب : لماذا ؟
لقد عشت يا فتى طويلا بحيث اصبحت خبيرا بهذه الامور الصغيرة . انها مجرد نزوة اذا صح التعبير . الى ما ستتحول ؟ وكم ستدوم ؟ ثلاثة اشهر كحد اقصى ؟ ما رايك يا مرلينا ؟

تنهدت مرلينا وردت : ربما ثلاثة اشهر يا بايرون .

رد جايك : وماذا لو دامت اكثر .

فقال جده على الفور : يمكننى ان انتظر . عندما تنتهى علاقتكما وتشعر بالحزن والاسف ، سيسعدنى ان اروح عنها وارفع معنوياتها .

حذره جايك : لا تعتمد على انتهاء علاقتنا بسرعة .

ودفعه الشعور العنيف الذى تملكه من قبل والذى عاد يكتسحه مجددا الى ان يردف : وقد اتزوج انا مرلينا .

كلامه هذا هز ثقة جده بنفسه : انت لا تعنى ما قلته .

وسالته مرلينا وقد تملكتها الدهشة : وتتخلى عن حياة العزوبية والمرح ؟

رد جايك ، متراجعا بشكل غريزى عن هذا الالتزام التام : سنتحدث فى الموضوع عندما نصل اليه .

وتوجه الى جده ، راغبا فى انهاء هذه المواجهة التى ضايقته : انا اسف لانى ضايقتك لكن ما كان لك ان تستعجل الامور . كنت على علاقة بمرلينا قبل ان تلتقيها ولست مستعدا للتخلى عن هذه العلاقة .

وجاءت الحجة المعاكسة سريعا : يبدو لى انك لم تكن تقدرها حق قدرها . لا تنسى يا مرلينا انى ساقدرك كما تستحقين .

قال له جايك بضيق : توقف عن التدخل فى هذه المسالة يا جدى ! مرلينا ، اصبحت اغراضك كلها فى سيارتى ، فهيا بنا . لم يعد هناك ما يقال .

لم يجادله احد ، ما جعله يشعر بالارتياح . اطاعته ووقفت ، لكن كان عليه ان يحتمل رؤيتها تتوجه نحو جده لتطبع قبله على خده وتقول بحنان : اشكرك على كل شئ يا بايرون . انت لطيف جدا .

وجاء الرد الكريم : هذا من دواعى سرورى يا عزيزتى . اعتنى بنفسك . فحفيدى مازال يحتاج لوقت طويل كى ينضج .

صرف جايك باسنانه ، لن يبقى ويناقش هذه النقطة الان ، فهدفه الاول هو الرحيل برفقة مرلينا والقضاء على اى فرصة كى تعيد التفكير فى الزواج بجده الذى لا يزال قادرا على سحر الطيور فى اعشاشها .

واخيرا ، التفت ذراعها حول ذراعه فى طريقهما الى سيارته . ها هى ترافقه بملء ارادتها ، لكن خاتم الخطوبة لايزال يلمع فى اصبعها وكانه يتحداه . واقسم فى سره على الا يطول الامر ، فسيجعلها تخلعه .

بعدئذ ، سيحرص على الا ترغب يوما فى وضع هذا الخاتم مجددا !




****


انتهى الفصل السابع .
الفصل الثامن ( نور حياتى ) .



**********



قد اتزوجها انا نفسى ...

قالها ... قالها فعلا . اتى على ذكر الزواج . حاولت مرلينا ان تذكر نفسها بان هذا الاعلان المذهل جاء تحت تاثير الاستفزاز ، الا ان امكانية ان يعنى جايك ما قاله اصابتها بدوار ومنعت عقلها من التفكير بشكل سليم . لايمكن ان يقول هذا ليجعها وحسب تعود للعمل معه ، ولن يقول هذا ينتصر على جده فقط . ففى هذا مبالغة شديدة .

راح راسها يدور واحشاؤها ترتجف لقربها من جايك فيما هما يتوجهان الى السيارة . ولم تستطع مرلينا منع نفسها من الارتعاش للعزم القوى فى كل خطوة يخطوها ، واتصميمه على جرها معه . اراد ان يرتبط بها . اراد ان تتحول علاقتهما الى علاقة حميمة . وهى التى لم يمض سوى ثلاثة ايام على تخليها عن جايك وعن عالمه .

هل كانت على صواب حين قررت ان تجارى بايرون فى لعبته ؟

من جهة ، كانت المسالة برمتها خدعة لدفع جايك نحو درب ما كان يسلكها عادة ، ومازالت مستمرة فى خداعها له باحتفاظها بخاتم بايرون . لكن ، لو لم تفعل هذا ، فهل كانت لتحظى بفرصة لتتقرب الى هذا الحد من جايك دافيلا ؟ هل كانت لتحظى بفرصة لتتزوجه ؟ لكن ، ومن جهة اخرى ، هل سيكون زوجا صالحا ؟ هل سيكون ابا صالحا ؟ كيف يمكن ان تؤمن بذلك ؟

هاهو يساعدها الان على الصعود الى سيارته الفيرارى الحمراء . هذا النوع من السيارات الرياضية الملفتة لايشير الى رجل لديه النية او الرغبة فى تاسيس اسرة ، بل على العكس من ذلك . لعل التفكير فى الزواج منه جنون صرف . وان المعروض عليها حاليا هو مجرد علاقة عابرة ، وشعرت بتوتر شديد ، فقد عرف الكثير من النساء من قبلها ، ولابد ان يقارنها بهن .

اغلق باب السيارة واستدار حولها ليحتل مقعد السائق . قامته ورجولته جعلتاها ترتعش فى اعماقها . لطالما حلمت بقربه ، ولطالما تمنت ان ياخذها بين ذراعيه ليضيعا معا فى عالم من الاحاسيس المسكرة . لكن الان ومع اقتراب ساعة الحقيقة ، وجدت نفسها خائفة مما ينتظرها .

جلس جايك الى جانبها واغلق بابه ، مالئا السيارة بحضوره الطاغى . ادار المحرك القوى وانطلقا تجمعهما علاقة جديدة لم يعرفاها من قبل . كانت البوابات فى اخر الطريق الداخلية مفتوحة لكنه اضطر الى تخفيف سرعة السيارة . ومد يده ليمسك بيدها ، حيث التفت اصابعه حول اصابعها فى حركة تملك .

سالها بنبرة لطيفة فاجاتها : هل انت بخير يا مرلينا ؟

وتاملت عيناه الداكنتان عينيها بحثا عن اشارة تنبئه بانها معه قلبا وقالبا .

ردت وهى ترتعش : لست ادرى . فالرحيل معك اشبه بخطوة مستعجلة نحو المجهول .

اعتصر يدها مطمئنا : لا تقلقى . دعى الامور تاخذ مجراها .

-الا تفكر ابدا فى ما تفعله يا جايك ؟

-لست مضطرا للتفكير فى هذا . فهو موجود بيننا وصحيح وانتِ تعلمين هذا .

عكست عيناه اقتناعا تاما . وبعد ان اطمأن الى انه اوضح هذه النقطة ، ابعد يده ليبدل السرعة وعاد ينظر الى الطريق التى سيسلكانها .

همست : لم يكن صحيحا حتى خرجت شقراء من قالب الحلوى .

وتذكرت ... فاردفت تساله : ماذا حصل مع فانيسا هال ؟ كنت على علاقة بها .
-افترقنا انا وفانيسا نهار السبت .

-بسببى ؟

-نعم ، بسببك .

ورمقها بنظرة حارقة مضيفا : اعلمى ان فانيسا لم تكن سوى احدى علاقاتى الاجتماعية .

فعلت بشئ من المرارة : وانا كنت مجرد علاقة عمل .

انكر بقوة : لا ، لم تكونى يوما مجرد علاقة عمل .

تحدته اذ ما زالت بحاجة لاكتشاف مشاعره نحوها : ماذا كنت حينها ؟

-كنت النور فى حياتى . ما رايك ؟

وابتسم لها ابتسامة ساحرة بعد ان عاد يلعب دور زير النساء قبل ان يردف : ولن ادع هذا النور يضئ حياة شخص اخر
سواى .

هل هذا مجرد سحر ام انه يعنى ما يقول ؟

-ومتى اصبحت نور حياتك ؟

طرحت سؤالها هذا ثم اضافت ساخرة : فجاة ؟ بعد ظهر يوم السبت ؟

وتحولت الابتسامة الى تكشيرة بعد ان احسنت تفسير الوضع .

-هذه ليست نزوة عابرة يا مرلينا . فانجذاب المتبادل ظهر منذ لقائنا الاول ، يوم اجريت معك مقابلة من اجل العمل ، وتعزز هذا الشعور فى اول يوم عمل لك ليستمر بعدئذ فى التعاظم . لكنك خنقت هذه المشاعر ...

والتفتت عيناه الداكنتان اليها ، سائلا : لم فعلت هذا ؟

هزت كتفيها وقد شعرت بانها قادرة على مواجهة مثل هذا الحوار . الصمت يزيد الشكوك والمخاوف ، فردت بصراحة : سئمت من كونى اللعبة التى تلهو وتتسلى بها .

-... لطالما انتظرت اللحظة التى تستسلمين فيها وتعلنين تمردك على الوضع .

كلامه دفعها الى ان تقول : احقا ؟ ظننت انك كنت تتوقع منى ان اكون نشيطة ومتحمسة طالما رغبت فى ذلك .

-لا ، كنت اختبر وحسب مدى صبرك . ظننت ان فكرة قالب الحلوى ستجعلك تفقدين صوابك . فى الواقع كنت انتظر المواجهة بفارغ الصبر ، لكنك صبرت وجعلتنى ادفع الثمن على طريقتك ... وهنا اود ان اشير الى انه تكتيك اثار اعجابى لجراته ، الى حين تدخل جدى واستبعدنى عن اللعبة .

ذكرته بخبث ، متذكرة كم من مرة اغاظها بنسائه : لم تكن فى اللعبة يا جايك . كنت مع فانيسا هال .

اعجبها ان يسميها نور حياته . لكن ما هما ؟ شمعتان مشتعلتان بشكل مؤقت ؟

علق متهكما : صدقينى . لقد ادركت فانيسا مدى تورطى فى هذه اللعبة قبل انتهاء حفل يوم السبت .

قالت مرلينا بوقاحة ، قد اثار سخطها واستياءها موقفه ذو الوجهين : ماذا ؟ كان عليك ان تفقدنى لتكتشف انك تريدنى ؟

-قلت لك ، ما بيننا لطالما كان موجودا . لكنك كنت كفوءة جدا فى عملك بحيث لم اشأ ان اعقد الوضع .

-حسنا ! كان لاباس اذن فى ان تبقينى معلقة لاخدم مصالحك . ولم تاخذ مشاعرى بعين الاعتبار .

وعلى الفور تشتت انتباهه عن الطريق ليركز عليها : وما كان شعورك حيال هذا الامر ؟

لم تنبس مرلينا ببنت شفة ، فهذه الكلمات الخائنة خرجت سهوا من بين شفتيها . انها تعرف جايك دافيلا جيدا بحيث لا تسلمه اسرارها ، اذ سيستفيد منها الى اقصى حد . يجب ان تخفى هوسها به جيدا وتحاول ايجاد الشجاعة اللازمة .
اجابته : لا احب ان يتلاعب بى احد ، ولا اعلم ما الذى افعله هنا معك . كان على ان ابقى مع بايرون .

-لا !

-ستتلاعب بى وحسب يا جايك ، انما على مستوى اخر .

فقال بجدية مفاجئة : توقفت المسالة عن كونها لعبة منذ رميت القفاز يا مرلينا .

-وما هى اذن ؟ الا يتعلق الامر كله بان تربح ما تريد ؟

-لا ، بل المسالة مسالة ان نتشارك شيئا مميزا .

والتقت عيناه بعينيها فى نظرة تحد لامعة ، قبل ان يضيف : شئ لن يختبره اى منا مع اى شخص اخر .

حبست انفاسها لتخفف قبضة الالم التى اعتصرت قلبها . فهذا هو جل ما بيخيفها ، الا تجد شخصا اخر يمكنه ان يلمس الاوتار التى لمسها جايك فى داخلها ... لمسها واثار فيها الاضطراب ودوزنها على نغمته الخاصة . وحذرتها غريزتها من انه سيسيطر على مشاعرها اكثر اذا ما اقامت علاقة معه . لكن ، اذا ما ابتعدت عنه ... فلعلها ستفقد التجربة الاكثر تميزا فى حياتها .

قالت فى تنهيدة شك : لست واثقة من ان المسالة مميزة بالنسبة اليك يا جايك . لعلك تظن انك قادر على اغرائى بحيث اعود للعمل معك .

لم يجبها بل التزم الصمت . وهذا يعنى بالنسبة الى مرلينا انها اصابت الهدف . الا انه اربكها كليا عندما اجاب : الاغراء ليس ساحتى ، فانا لم اخرج سوى مع نساء راغبات . وامل ان تختارى العودة الى العمل كشريكة لى لاننا فريق رائع . اظن ان ما من شخص اخر قادر على ملء الفراغ اذى خلفته يا مرلينا .

هذه الكلمات الساخرة قضت كليا السخرية التى تحصنت خلفها وسعت جاهدة للحفاظ عليها . ارادت ان تكون شريكته ... شريكته على كافة المستويات . انهما يشكلان فريقا رائعا . وكانت على ثقة تامة من ان احدا لن يتمكن من الحلول محله ايضا .

واعتصرت قلبها الحاجة الى البقاء معه ، فاغمضت عينيها متمنية لو تنسى كل ما حولها وتترك الامور تسير على هواها .

ان خيارات الانسان تحدد مصيره ، لكن كم عدد الخيارات التى تحكمها الأهواء والعواطف ؟ هل اختارت فعلا ان تعمل بجهد لتؤسس لنفسها حياة مهنية ناجحة ، ام ان المسالة لم تكن سوى ثورة على القيود التى فرضها والدها والتى يقتضيها العيش على الطريقة الايطالية ؟ هل اختارت ان تقص شعرها وتبدل مظهرها لتنال الوظيفة فى شركة جايك ام ان دافعها كان لفت انتباه جايك دافيلا كما ترغب المرأة فى لفت نظر الرجل ؟

اما لعبة النيل من جايك التى جارت فيها بايرون فقد دفعتها اليها رغبة قاهرة فى الانتقام ، رغبة تغلبت على المنطق لديها . الثأر والامل ... خليط من الفوضى ، وليس وصفة لمستقبل ناجح .

وجاءت استقالتها من العمل كمحاولة للسيطرة على حياتها ولوضع مخطط لمستقبلها ، لكن حتى هذه اللحظة لم تكن سوى رد فعل على ظروف لا تحتمل . وما فعله جايك الليلة يحرمها مجددا من القدرة على التخطيط لحياتها بنفسها . وبدا راسها يؤلمها من الضغط الناتج عن محاولة اختيار الدرب الصحيح . لكن قلبها استمر فى بث رسالته الخاصة ... دعى ما هو مقدر لك يحدث .

كان جايك واعيا بشدة لصمتها . هل قال ما فيه الكفاية ليكسر الحواجز التى كانت تحاول رفعها بينهما ؟ لم تكن ميل ... مرلينا ... تناقشه ، وهى التى نادرا ما تفقد قدرتها على الكلام اذا ما رغبت فى اثبات وجهه نظرها . عليه ان يتوقف عن التفكير فيها باسم ميل . اذا ما ناداها سهوا بهذا الاسم مرة ثانية ، فستطرده على الارجح من حياتها .
نظرة سريعة اليها اعلمته انها اغمضت عينيها ، انسحبت الى عالمها الخاص ، مقصية اياه . انها اشارة تنذر بالسوء . لعل عقلها يعمل ضد مصلحته ، لعلها تفكر فى فانيسا وفى النساء الاخريات اللواتى مررن فى حياته منذ تاصبحت مساعدته الخاصة . لايمكنه ان يلومها اذا م تصدق انها تحتل مكانة خاصة وفريدة فى عقله . لكنها تحتل هذه المكانة فعلا . اراد وحسب ان يبقيها بعيدة عن مسرح الحفل ... وان يحتفظ بها لنفسه فى العمل .

ما من خيار الان .

عليه ان يبذل قصارى جهده لئلا يفقدها .

كانا يعبران جسر المرفأ ، بحيث لم يعد يفصلهما عن شقتها فى شاتسوود سوى خمس عشرة دقيقة . وهو يعرف عنوانها لانه اوصلها مرات عدة حين كانت لقاءات العمل تستمر لوقت متاخر من الليل . لم تدعه يوما للدخول ، ولم يضغط عليها يوما ليدخل ، لعلمه بمدى خطورة تواجده فى مثل هذا المكان .

الا ان هذه المسالة لم تعد مهمة بعد اليوم . فجسده كله يدفعه لاخذها بين ذراعيه مجددا ، مؤججا نار الهوى التى استعرت بينهما مجرد معانقتها اثارته الى اقصى حد ، ولابد ان مشاعرها تحاكى مشاعره بحيث لم تستطع ان تتجاهلها . فى الواقع ، لا يمكن لعاقل ان يتجاهل مثل هذه المشاعر .

واجبرته الاشارة الضوئية الحمراء على التوقف عند المنعطف ، ما منحعه الوقت الكافى ليلقى عليها اكثر من نظرة . بدت جامدة وكانها تشد نفسها بقوة . مازالت عيناها مغمضتين ، وقد ارتسم على وجهها تعبير حزين ، مهزوم . شعر بانها القت سلاحها ولم تعد ترغب فى مواجهته الا انها لم تكن سعيدة بذلك .

اراد ان ينحنى نحوها ويضمها بين ذراعيه ، ليبعث فيها الحياة مجددا . لكن السيارة التى توقفت خلفه اطلقت نفيرا يد على نفاد الصبر ويعلمه ان السير بدا بالتحرك . عاد جايك بانتباهه الى الطريق ، وتحرك بسيارته معاهدا نفسه بان يقنع مرلينا بصحة ما يفعلانه عند انتهاء رحلتهما الى شاتسوود .



***



توقفت السيارة وانطفا المحرك . وخطر مرلينا ان وقت الجد حان ، وما من مفر من المواجهة الان . و بنتهيدة استسلام ، فتحت عينيها فرات انهما توقفا امام شقتها مباشرة . لقد اعادها جايك الى المنزل كما وعدها .

كان المبنى قديما ، مؤلفا من اربع شقق . وكانت تعيش فى الجهة اليسرى من الطابق الارضى ، حيث لشقتها مدخل خاص عبر شرفة امامية تغمرها الشمس فى الشتاء . وباستثناء هذه الميزة الخاصة ، كانت شقتها عادية جدا ، وتتالف من غرفة جلوس تفصلها عن المطبخ فسحة لتناول الطعام ، وحمام وغرفتى نوم فى الخلف .

لم يدخل جايك شقتها يوما ، كما لم تزر هى بيته فى ميلسون بوينت حيث مر العديد من النساء من دون شك . وترافقت هذه الفكرة مع ارتعاشة اشمئزاز صغيرة ، فاقسمت فى سرها على الا تخطو اى خطوة فى ذاك المنزل .

وتراقص قلبها جذلا عندما ترجل جايك من السيارة وتوجه نحوها . فى اى لحظة الان ، ستنزل بدورها لتقف الى جانبه ، لكن ما الذى سيحصل لاحقا ؟ وفتح الباب . شعرت مرلينا للحظة بشلل اقعدها عن الحراك .

قال : لقد وصلنا .

فاجبرت نفسها على ان تقول : هذا صحيح !

وتمكنت بطريقة ما من ان تحرك قدميها وتخرجهما من السيارة .

امسك جايك بيدها ، يساعدها على الوقوف من المقعد المنخفض ، ما ادناها منه كثيرا . وعندما امسك بيدها الاخرى وادارها لتواجهه ، تاثر كل عصب فى جسدها وكأن تيارا كهربائيا قد صعقها . هل سيعانقها ؟ رفعت وجهها اليه فى اضطراب لاحول فيه ولا قوة . ولدقائق مشحونة ، بحيث عيناه فى عينيها ، فاسرتها الطاقة المنبعثة منه اكثر من يديه . ما الذى يبحث عنه ؟ ما الذى يريد العثور عليه ؟
لم يعانقها .

قال بصوت اجش : اذهبى وافتحى الباب . ساخرج حاجياتك من الصندوق واحملهما اليك .

وترك يديها ، وابتعد عنها . وبعد ان عادت مرلينا حرة ، استجمعت قواها وتوجهت نحو الباب الامامى . وخطر لها انها عادت لعبته مجددا ، تعمل بحسب اوامره . ولم تدرك انها لا تحمل حقيبة يدها حتى وصلت الى الشرفة . لابد انها فى صتندوق السيارة ايضا . وبدلا من ان تعود ادراجها ، سحبت مفتاح الطوارئ من العليبة الصغيرة المخبأة خلف اصيص الورد الزهرية اللون ، وفتحت به الباب قبل ان تعيده الى مخبئه .

سمعت صوت صندوق السيارة يغلق بقوة ، ما يعنى ان جايك فى طريقة الى هنا . دخلت الى غرفة الجلوس وتركت الباب مفتوحا ليدخل اكياس الملابس ، بما فيها لباس البحر الذى ارتدته يوم عيد الميلاد والذى صمم بمكر متعمد . هذا الخروج المدوى لم يكن فكرة جيدة على الارجح . انه قرار اخر املته عليها عواطفها وانفعالاتها .

كانت الشقة مرتبة كما تركتها صباح يوم السبت . ما من ورود حمراء فى الزهرية ، اذ لم يرسل ها جايك اى ورود فى عيد العشاق . وهو لم يأت ابدا على ذكر الحب . اكتفى بالحديث عن ... مسائل عالقة !

ما ان دخل حتى سال : اين تريديننى ان اضع هذه ؟

لم تستطع ان تشير الى غرفة نومها ، فاكتفت بالقول : ضعها على الارض وحسب . شكرا لك يا جايك .

صفق الباب ليقفله قبل ان يضع ما يحمله ارضا . ولم تكن مرلينا بحاجة للذكاء الخارق لتدرك انه لا ينوى المغادرة . فبعد ان وضع الاكياس كما طلبت ، استقام ليهيمن حضوره كما لم يفعل من قبل ، وهو ضمن جدران منزلها .

الجو المشحون بالتوتر بينهما جعلها تلتزم الصمت . كل ما فعلته هو التحديق فيه ... فى هذا الرجل الذى تاقت اليه طويلا . ارادته ان يحبها حبا رائعا بحيث لا يرغب قط فى امرأة اخرى . ودت لو يشكلا فريقا مدى الحياة ، وليس فى العمل وحده . لقد جاء على ذكر الزواج ...

سالها وقد قطب قلقا : هل انت خائفة منى ؟

ورفع يديه ، فاتحا راحتيه فى اشارة الى انه لا ينوى ايذاءها .

-لان ...

خرج الصوت من حنجرتها اجش ، فابتلعت ريقها بقوة لتضيف : لان ...

وتوقفت عن الكلام مجددا ، فيما ازدحمت الافكار والاسباب فى راسها . الا ان التعبير عن هذه الافكار بالكلام سيكون اشبه باستعطافه ليعطى اكثر مما هو مستعد لاعطائه ، ما سيتركها عاجزة تماما .

قال وعيناه تطالبان بالحقيقة رغم ان نبرة صوته بقيت لطيفة ومراعية : لم تجيبينى بعد . هل انت خائفة منى ؟

-لا . ولكن ... هذا التصرف ليس عاقلا .

وتبادرت الى ذهنها فجاة كافة الامور التى ستخطر لاى امرأة عاقلة مثل هذا الوضع .

ابتسم لها يطمئنها : تناسى العقل والتعقل ولو لمرة .

وتقدم منها وقد استعاد ثقته الطبيعية فيما وقفت مكانها جامدة كالبلهاء ، تاركة اياه ياتى اليها .

وضع احدى ذراعيه حول خصرها فيما رفع الاخرى الى وجهها . مرت اصابعه على خدها بنعومة و رقة . واكتفت مرلينا مجددا بالتحديق فيه . كانت عيناه تعدانها بمباهج لم تعرفها من قبل ، فلم تعد تتساءل ان كان عليها ان تستسلم لعواطفها ام تقاومها .




*****



انتهى الفصل الثامن

الفصل التاسع ( امرأة مميزة ) .



************



موجة الاهتمام التى شعر بها جايك كانت جديدة بالنسبة اليه . فالضعف الذى بدا فى عينى مرلينا عكس مدى براءتها ، ما يعنى ان هذه التجربة جديدة بالنسبة اليها .


شعر بها ترتعش ، ولم ير اى اثر للشرر فى عينيها ، بل تحولت العينان البنيتان الى بحيرتين من الشوكولا الاسود ... عينان كبيرتان تسبحان فى بحر من العواطف المتلاطمة التى لامست قلبه ، وتطرحان بصمت الكثير من الاسئلة التى ادرك ان عليه الاجابة عنها .

رفعت يديها الى صدره لكنها لم تدفعه بعيدا بل تركتهما ترتاحان هناك .

اراد ان يكتشف كل وجه من اوجه مرلينا روسى ، ان يعرفها على حقيقتها ، الى اى مدى ابعد مما اظهرت له فى العمل . اكتشفت انامله نعومة بشرتها الحريرية وهى تمر على خدها لتتغلغل فى شعرها الكثيف واللامع ، الاشبه بنهلا من الحرير ، على خلاف نوعية الشعر الاشقر المصبوغ .

ما الذى كان يلفت انتباهه فى الشقراوات ؟ لعل الامر يتعلق بسلوكهن المغرى الذى يظهر رغبتهن فى لفت انظار الرجال واثارتهم . اما مرلينا ... فصرخت " هذه انا " عندما اتهمها باختيار صورة مختلفة عن تلك التى اصر عليها لتعمل كمساعدة شخصية له . لو لم يطالبها باجراء تغيير ، لبقى شعرها طويلا مغريا !

قال بنبرة ندم : ما كان على ان اطلب منك ان تقصى شعرك .

اسندت راسها الى كفه : وقالت بصوت اجش : لا يهم . يمكننى ان اتركه يطول مجددا .

حافظى على شخصيتك ... بعيدا عنه .

دفعتها هذه الفكرة التى لا تحتمل الى الاقتراب منه اكثر . ضمها اليه وقد اسرته انوثتها الفائقة .

لاحظ الابتسامة التى ارتسمت على وجهها فسالها : يبدو انك تحبين ان تتمتعى بهذا النوع من السلطة على ، اليس كذلك ؟

وتملكها شئ من التهور ، وشعرت فجاة وكانها تحررت من كافة القيود التى لطالما شلت حركتها ، فرفعت راسها واتسعت ابتسامتها اكثر قبل ان تجيب : نعم .

ضحك وكأنه احب نزاهتها وصدقها فيما التمعت عيناه بمكر .

انه رجلها .

ومن ثم ماذا ؟

توقفى عن التفكير فى هذا .

-مرلينا ؟

صوته اعادها الى ارض الواقع . الامر ليس لعبة بالنسبة اليها على الاقل .

-لا تخافى منى .

بدا صوته ناعما ، جديا ، يضرب على وتر الحقيقة . وقبل ان تجد الشجاعة الكافية لتجيب ، وان تطرد فكرة الخوف ، تحرك واضعا ذراعيه حول خصرها ليدنيها منه اكثر ، فى عناق حميم جعلها تشعر وكانها وصلت الى نقطة اللاعودة .

اراح جبينه على جبينها وهمس : ستسير الامور على ما يرام . اعدك بذلك .

الاهتمام الذى ظهر فى صوته ارسل موجة من الدفء الى قلبها المعذب . فلفت ذراعيها حول عنقه ودنت منه لتلتصق به اكثر .

راح يتاملها وكانه يراها للمرة الاولى ... امرأة رائعة ، مغرية ، امرأة متفجرة الانوثة .

غمغم وهو يهز راسه للخطا الذى ارتكبه فى حكمة على الامور : مجنون ... غبى ... لمِ لم ار ذلك ؟

تملكها الذعر ، وخرجت الكلمات متعثرة من فمها تدفعها الحاجة الى معرفة ما يمر فى ذهنه من افكار : عما تتحدث ؟

-كنت مخطئا جدا . الشعر الطويل يناسبك تماما . كان ينبغى ان تتركيه ليستررسل على كتفيك . سامحينى لاننى تصرفت بغباء وغطرسة .

واكتسحتها موجة من الارتياح .

كلامه هذا جعله يبدو اقرب الى البشر ، اكثر انسانية .

قالت املة ان تبدو متميزة عن سواها من النساء اللواتى عرفهن : لا عليك يا جايك . لم يكن الذنب ذنبك .

ارادت بشدة ان تكون المرأة المميزة ... المرأة المحبوبة ... المرأة التى قد يتزوجها .

بحثت عيناه فى عينيها بقوة وعمق ، مغذية الامل ، جاعلة اياه يتعاظم فى ذهنها . همس بصوت مثقل بالانفعالات التى لم تعبر عنها لكنها عكست اكثر من مجرد نزوة بالنسبة اليه : من هى المرأة التى اراها الان ؟ ما الذى اخفيته عنى ايضا يا مرلينا ؟



تدفقت السعادة فى داخلها اشبه بنبع متفجر . فرفعت يدها وتغلغلت فى تموجات شعره الكثيف ، وودت لو تلامس عقله ايضا وتؤثر فيه بعمق .

-لم اخف شيئا لم يكن موجودا لتعثر عليه اذا ما كنت فعلا مهتما بالبحث .

واضافت بنعومة وهى تنظر اليه بعينين مفتوحتين ، فاتحة له نافذة الى روحها : لقد وضعت الصورة التى اردتها بيننا ، يا جايك .

فاعلن بثقة : لا اريد هذه الصورة مجددا ، بل اريدك انت على حقيقتك وطبيعتك .

هل لاحظ السعادة التى تنفجر كبركان فى داخلها ... سعادة لم تستطع ان تحتويها ؟

قالت ببساطة : ها انا ذا !

وارتسمت على وجهه ابتسامة سرور فيما التمعت عيناه فجاة للخطط التى وضعها ، ثم قال باستمتاع وتلذذ : نعم ، انت معى ، فلنستفد من الوقت الى اقصى حد .

دنا منها اكثر واخذها بين ذراعيه فى عناق افقدها صوابها . تجاوبت معه من دون تردد وبادلته العناق ، املة ان تجعله يشعر بانها مميزة وفريدة من نوعها . ارادته ان يكتشف المرأة فيها عله ينسى سواها من النساء ، ويتمنى ان يمضى ما تبقى من عمره معها .

لقد اتى على ذكر الزواج من قبل ، فهل سيفكر فيه فعلا ، ام ان كلامه مجرد رد فعل على خطوبتها من جده ؟ لكن دوامة الاحاسيس التى جرها اليها جعلتها تنسى ما حولها ، وتنسى مخاوفها لتفرغ ما كبتته طويلا من مشاعر نحوه .

انه جايك ، الرجل الذى طالما حلمت به .

وبعد دقائق معدودات ، تناهى اليها صوت ينادى مصدوما : مرلينا .

رفعت راسها مجفلة ، وهزت الصدمة قلبها . لم يكن هذا صوت جايك يناديها .



بل صوت والدها !




*****



انتهى الفصل التاسع .

الفصل العاشر ( رجل شهم )



***********



-مرلينا ، ما الذى يجرى هنا بحق السماء ؟

-ساشرح لك يا بابا !

واملت ان يفهم جايك التحذير فلا يتدخل بل يدعها تعالج المسالة مع والدها .

لماذا ، آه ، لماذا لم يقرع جرس الباب بدلا من استخدام المفتاح الاحتياطى ويدخل ؟ كانت لتحظى ببعض الوقت لتستعيد هدوءها ، لتبتعد عن ذراعى جايك ... لكن ، لم يكن هناك وقت !

وانطرقا من المبدا القائل بان الهجوم هو افضل اشكال الدفاع ، وقفت منتصبة وسالته : ما الذى تفعله هنا يا ابى ؟

ردد كلامها غير مصدق : ماذا افعل هنا ؟

ورفع يديه فى الهواء بطريقته المعتادة . كان شعره الرمادى الكث والمتموج مسرحا الى الخلف ، وحاجباه السوداوان مرفوعين فى حركة ساخرة تهزا من السؤال . وتنشق انفه المعقوف الهواء وكانه يستعد لمعركة . اما صدره فبدا منتفخا فيما صرف باسنانه البيضاء فى وجهه الاسمر الداكن بفعل العمل فى الهواء الطلق فى كروم العنب . وعاد يكرر كلامها : ماذا افعل هنا ؟

بدا وكانه كورس يكرر اللازمة لكن مرلينا ادركت انه تصرف ايطالى بحت حيث تتعاظم العاصفة حين تتساقط حبات البرد على راسها .

قالت بسرعة : انت لا تاتى عادة من دون ان تبلغنى مسبقا .

-انى لى ان ابلغك وانت لا تجيبين على الاتصالات ؟

والتمتعت عيناه الداكنتان باتهام غاضب فيما راح يحرك يديه مشددا على كل كلمة يقولها . واردف : لم تجيبى يوم السبت ولا حتى يوم الاحد او اليوم . وعندما اتصلنا بمكان عملك ، قيل لنا انك تركت العمل علمنا هذا من شخص غريب وليس من ابنتنا .

-كنت سابلغكم .

الاطلاع على اخبار بعضهم البعض هو هواية عائلتها المفضلة . واضافت : ولِم كنتم تحاولون الاتصال ؟ هل من خطب ما فى البيت ؟

صرخ وهو يشير الى مظهرها المشعث باشمئزاز : انظرى الى اين اوصلتك استقلاليتك العزيزة !

اخذت مرلينا نفسا عميقا واصرت على سؤالها : ماذا حصل ؟ ما الذى جاء بك الى هنا ؟ هل امى بخير ؟

رد بغضب : لا ، امك ليست بخير . انها قلقة للغاية عليك . وهى تمضى نهارها بالنواح قائلة ان خطبا ما حصل لمرلينا . اشعر بهذا هنا .

ووضع يده على قلبه مقلدا تصرف امها قبل ان يضيف : وراحت تقول : لم اعد احتمل يا انجيلو . عليك ان تسافر الى سيدنى لتجدها . وماذا وجدت ؟ وماذا وجدت ؟

وارتفعت يده فى حركة حنق : ابنتى ... ابنتى بين ذراعى رجل !

ياالهى ! ما الذنب الذى اقترفته ؟ وهل سيطردها من حياته الى الابد وينكرها كابنة له ؟ العالم المعاصر ووالدها لم يلتقيا ابدا ، انه متمسك بتربيته الايطالية المتزمتة . لكن المشكلة تكمن فى ... فى انها لا تريد ان تفقد اسرتها . عليها ان تواجه هذا وتحاربه بطريقة ما ، لكن كيف ؟

وجاء التصريح الهادئ من خلفها : لقد اسأت فهم الموقف يا سيد روسى .

جايك ! لمِ تدخلت ؟

فاستدارت نحوه .

الم يدرك ان تدخله سيزيد من غضب ابيها ؟ وتمزق قلبها خوفا مما قد يحصل لاحقا .
قال والدها بصوت عاصف : اذن ! فقد قررت اخيرا ان تتكلم .

-فى الواقع ، انت لم تدع لى مجالا كى اتكلم . لكن الامور فاقت الحد وبدا لى ان على ان اتدخل .

ووضع يده حول كتفى مرلينا وكانه يحميها قبل ان يردف : انا لن استغل مرلينا يا سيد روسى .

حملق والدها فيه : انت من يستغل ابنتى ، ويحاول الحاق العار باسرتى .

-ابى ، ارجوك ...

التماسها لم يلق اى اذن صاغية ، بل ان محاولتها جعلت والدها يصب غضبه عليها مجددا : من هو هذا الرجل ؟ الم اعلمك واحسن تربيتك ؟

-اسمى جايك دافيلا ...

-دافيلا ...

وبدا وكأن الالهام نزل عليه ، فاضاف : اليس هذا اسم رب عملك يا مرلينا .

-لم اعد اعمل لديه يا ابى .

-ماذا ؟ هل طردك من عملك بعد ان تمكن من ايقاعك فى حبائله ؟

-لا ، يا ابى ...

تجاهل انكارها وعاد يهاجم جايك مجددا : انت رجل عديم الشرف . استغليت منصبك لتتلاعب بابنتى .

صرخت مرلينا : لم يفعل .

لقد اختارت ان تحيد عقلها وان تتبع قلبها ولو لمرة واحدة .

وتابع والدها بنبرة انتصار : اجبرك على قص شعرك . كما اخبرتنا سيلفانا انه اصر على ان ترتدى ملابس غير محتشمة الى عملك .

-ثمة اسباب جيدة لذلك .

كادت مرلينا تصرخ عله يسمعها . كان ينبغى اقفال فم سيلفانا بسحاب منذ الولادة !

تدخل جايك : لا ، والدك محق . كنت استغل سلطتى .

اغمضت مرلينا عينيها عن حركة يائسة . ما الذى يفعله جايك الان ؟ ليس لديه ادنى فكرة عن والدها وها هو يقضى على اى فرصة لتلطيف الاجواء . ان كان هناك اى فرصة .

واردف يقول بنبرة هادئة دبلوماسية : فى تلك المرحلة ، لم ار ان مرلينا ممتازة كما هى . اردتها ان تتناسب مع الصورة الموضوعة لعملى . اسف لانك وجدت تاثيرى فيها مغضبا ومهينا لكنى لم اتعمد ذلك ، ولم يكن هذا هدفى .

احتج والدها بصوت عالِ وغاضب : اسف ؟ هل يعيد لى هذا ابنتى كما كانت ؟

اشتد احتضان جايك لكتفيها فيما رفع يدها اليسرى وادهشها بمدها نحو والدها ليرى الخاتم الذى وضعه بايرون فى اصبعها والذى لا تزال ماسته تلتمع فيه بشكل يخطف الانظار . كانت قد نسيته تماما ، كما نسيت بايرون كليا . وان ياتى جايك على ذكر خطوبتها لجده امر غاية فى الجنون .

-كنت امل ان ترضى بى كزوج لها يا سيد روسى ؟

ماذا ؟

تجمد جسد مرلينا وشعرت كأنه معلق فى الهواء ، فيما غرق عقلها فى دوامة . تمنت من كل قلبها لو ان جايك نطق بالحقيقة ، لكن لعله لا يعنى كلامه . انه يحاول انقاذها من الورطة ، ورطة اوقعها هو فيها . وان لم تكن المسؤولية مسؤوليته بالكامل ، فهى لم تعارض . لكن لو لم يلحق بها ويعيدها الى منزلها ، لبقيت الفتاة الطيبة التى لطالما ارادها ابوها والتى لطالما كانتها ، ضمن مفهومها للصح والخطأ .
لابد ان جايك يفكر فى امكانية فسخ الخطوبة المزعومة لاحقا . انه خاتم بايرون وليس خاتمه ، الا ان والدها لا يعرف هذا . كانت عيناه تاملان الماسة ، واملت ان يعميه جمالها عن تصرفها .

-انتما مخطوبان وستتزوجان ؟

كان غضبه العارم قد هدأ الى حد كبير ، لكن تقطيبة الاستنكار لم تغب عن وجهه وهو يوجه الكلام لابنته : لمِ لم تقولى له انه كان عليه ان يطلب يدك منى اولا ؟ لمِ لم تاتى به ليقابل العائلة ؟

وراح عقلها يغلى لفكرة لقاء جايك بافراد اسرتها . سياكلونه حيا . يمكنه ان يتجاوز امتحان لقاء ابيها بنجاح الليلة ، لكن الاسرة بكامل افرادها مسالة اخرى .

-انا ... حسنا ، لقد حصلت الامور بشكل مفاجئ يا ابى .

وتدخل جايك ليقول بنعومة : ارجو ان تقبل اعتذارى يا سيد روسى . ان والدى مطلقان منذ صغرى . لذا ، لم اتصور انكم تتوقعون منى التصرف بطريقة تقليدية . لقد فاجأت مرلينا بتقديم الخاتم لها الليلة . لم نتحدث عن الزواج من قبل . نحن نعرف بعضنا جيدا لاننا عملنا معا لقرابة العامين ، لكنى لم ارتبط بها بشكل شخصى الا بعد استقالتها .

يا الهى ! لقد غطى كافة النقاط بهذا الخطاب القصير . ومن سخرية القدر ان كل ما قاله صحيح باستثناء انه اظهر نفسه كرجل نبيل وليس كزير نساء كما ههو حاله فى الواقع !

ساله والدها بنبرة مشككة : الم تستغلها فى العمل ؟

وجاء التاكيد الحازم : اؤكد لك ان ما من شئ حصل اثناء عملها فى الشركة . كانت علاقتنا مهنية صرفة .

انها حقيقة اخرى .

فكر والدها فى الوضع مليا قبل ان يقول اخيرا : اذن اصدق انك رجل محترم .

رد جايك باحترام : شكرا لك .

-انت كنت ستتزوج مرلينا ، فعليك ان تقابل العائلة .

-فى اقرب فرصة ممكنة .

وخطر لمرلينا انها محاولة تهرب جيدة . للحظة ، بدا لها صادقا للغاية ، ما جعل الامل فى ان يعنى فعلا ما قاله عن الزواج يداعب قلبها . الا ان الحقيقة القابلة للتصديق اكثر هى ان جايك سعى لانقاذها من ورطتها ، وتدخل كما ينبغى ان يفعل اى رجل شهم .

واعلن والدها بنبرة تحد : غدا هو موعد مناسب تماما .

صرخت مرلينا وقد ارعبها كيف سارع والدها الى اختبار نوايا جايك : غدا !

وارادت يائسة ان تتمسك به لئلا يجرفه التيار : جايك لديه عمل يديره يا ابى . وغدا هو يوم عمل .

رماها بكلمته بعنف : وما هو الامر الاهم من العائلة فى مثل هذه الحالة ؟ لقد وضعت زوجة ماريو طفلها . وهذا ما ارادت امك ان تخبرك به .

هذا هو موضوع الاتصالات التى لم تكن موجودة لترد عليها !

لكن الولادة لم تكن متوقعة قبل شهر . فسالت بقلق : لكن الوقت مبكر جدا . هل الطفل بخير ؟ هل جينا بخير ؟

بدا ان اهتمامها الصادق ارضى والدها . فتحدث اليها وللمرة الاولى فى هذه الليلة ، بنبرة هادئة نسبيا : جينا بخير . الطفل صغير بعض الشئ لكنه فى صحة جيدة .

-انه ... اهو فتى هذه الفترة ؟

واسترخت مبتسمة قبل ان تردف : لابد ان ماريو مسرور .

فاشار والدها : نعم . فثلاث فتيات يكفين . لاسيما حين يتصرفن كما لا ينبغى لهن ان يفعلن .

-اسفة يا ابى ، لانى لم اكن موجودة ...

اعلن جايك ليمنح غيابها حجة محترمة : مرلينا كانت مع اسرتى . اخذتها للقاء والدتى وجدى .
تنهدت لمهارته فى اضفاء طابع رسمى على علاقتهما . فى الواقع ، انه ماهر على قدر جده فى الخداع . ولسوء الحظ ، لم تكن هذه الفكرة لتسعدها . فالخداع قد يترك تاثيرا قصير الامد ، لكن ماذا سيحصل عندما تخفق هذه العلاقة ؟

على صعيد الاسرة ، لابد انها ستكسب التعاطف حيث سيعتبر جايك الشرير الذى غرر بها . لكن ما الذى سيفعله اخوتها بهذا الزوج المستقبلى الفار ؟ لم يكن لدى جايك ادنى فكرة عن نتائج فعلته . ربما يمكنها ان تعترف بالحقيقة فتنقذه من تبعات كذبته التى اخترعها بنية حسنة . ومن جهة اخرى ، اذا ظهرت امكانية ...

الامل امر فظيع .

وتوجه والدها بالحديث الى جايك : سياتى ماريو مع زوجته وطفله الى البيت غدا . سنقيم حفل شواء للعائلة عند المساء ، وادعوك لحضوره مع مرلينا .

سترمى به الى الذئاب .

ودفعها الذعر الى محاولة انقاذه : ابى ، شرحت لك من قبل عن عمل جايك .

اصر والدها بنبرة عدائية : انه رب العمل ، اليس كذلك ؟ القرار قراره . لقد قابلت عائلته وعليه ان يقابل اسرتك .

كرامة وعنفوان الايطاليين !

ما من سبيل لمواجهة هذا . بدات قصة جايك المحترمة تحصد ما زرعته .

-قال سنأتى .

استدارت نحوه بسخط لانه قفز مباشرة الى الحفرة التى تسعى الى اخراجه منها : نحن نتحدث عن غريفيث يا جايك ، ما يعنى انها تبعد ست ساعات بالسيارة عن سيدنى .

واصل والدها الضغط بعناد : يمكنكما ان تستقلا الطائرة كما فعلت انا من اجلك يا مرلينا .

التفتت اليه ، وقد اخافتها الورطة التى يوقعها فيها : لم تفعل ذلك من اجلى ، بل لان امى دفعتك الى ذلك ، بشكواها المستمرة .

عندئذ ، وجه كلامه الى جايك ، ليختبر مدى اهتمامه والتزامه بابنته : وان يكن ؟ نحن نفعل هذا من اجل نسائنا ، اليس كذلك ؟

وافقه جايك الرأى بسرور : نعم ، بالطبع . سنستقل انا ومرلينا الطائرة المتوجهة الى غريفيث غدا بعد الظهر .

ودت لو تضربه .

انه يصعد مسالة ينبغى الا تصعد اذا كانت صحيحة وهى لا تظنها كذلك . ان جايك يلعب حتى الساعة ، لكنه بدا يفقد تمييزه للخط الذى ينبغى الوقوف عنده وعدم تجاوزه . من الخطأ ان تخدع اسرتها . انه تصرف خاطئ ، خاطئ ، خاطئ ! لاسيما بهذا الشكل حيث سيجتمع الكل !

عرض والدها مؤكدا الترتيبات : حسنا ! يمكن ان تتصل مرلينا بأمها لتعلمها بموعد السفر وساطلب من احد اشقائها ان يلاقيكما فى مطار غريفيث .

احد اشقائها ! سيبقون كلهم عيونهم على جايك ... الخطيب الغريب ، رجل المدينة الذى لم يكن حتى ايطاليا .

قال جايك مفرطا فى استخدام سحره : هذا لطف بالغ . شكرا لك .

قال والدها بفظاظة ، اذ لم يستسغ الفكرة : حسنا ، ساترككما وحدكما . ظننت انك لست فى المنزل يا مرلينا ، لانك لم تجيبى على الاتصالات الهاتفية . لذا ، اتفقت مع اخى جورجيو على الاقامة عنده فى غليب .

-ساطلب لك سيارة اجرى .

شعرت مارلينا بارتياح شديد لان والدها يستعد لتركها هى وجايك بدلا من ان يبقى ليحرص على احترام معاييره الاخلاقية . كانت قد تخلصت من يد جايك حول كتفيها متوجهة نحو الهاتف فى المطبخ حين رمى جايك قنبلة اخرى ليوقفها جامدة فى مكانها .
-سيارتى فى الخارج يا سيد روسى ، وسيسرنى ان اوصلك بنفسى . سيمنحنا هذا فرصة لنتعرف الى بعضنا البعض بشكل افضل .

انقبضت معدة مرلينا لهذه الفكرة . هل يمر جايك بمرحلة جنون مؤقتة ؟

وساله والدها : سيارتك ... هل هى الفيرارى الحمراء ؟

-نعم ، انها هى .

هز والدها راسه فى حركة تقدير : ذوقك فى السيارات جيد . ما من احد يتفوق على الايطاليين . انا نفسى اعتدت ان اقود سيارة الفا . فى هذه الايام اقود سيارة من النوع العائلى ، لكن حين كنت شابا ...

وابتسم لجايك ثم اضاف : سيسعدنى ان ارافقك فى سيارتك الفيرارى . شكرا لك .

-هذا من دواعى سرورى .

كانت مرلينا مذهولة من تطور الاحداث الى حد جعلها تفقد قدرتها على الكلام فيما ابتسم لها جايك وطبع قبلة على جبينها .

انه يتسلى .

المسألة بالنسبة اليه مجرد لعبة ، وهو يجد متعة بالغة فى رمى الكرة فى ملعب والدها . انه لا يدرك ان ملعب آل روسى مطوق بالقواعد التى ينبغى احترامها ...واكتسحها الرعب مجددا . تاخذ عائلتها بعض الامور على محمل الجد ، الجد البالغ ، وها هو جايك يغطس نحو الاعماق من دون ان يعرف ما الذى ورط نفسه فيه .

لابد من القيام بخطوة ما !

اشارت الى الاريكة وهى تجبر ساقيها على التقدم ، قائلة : اجلس يا ابى . على ان اتحدث الى جايك قبل ان ترحلا .

علق وهو يستريح على الاريكة : انه شاب وسيم .

ثم اردف بلهجة مؤنبة : بعد رحيلنا ، عليك ان تتصلى بامك يا مرلينا لن تنام قبل ان تتاكد من انك بخير .

-اعدك ابان افعل ذلك . والان ، هلا عذرتنا ...

-هيا اذهبا .

صرفها بحركة من يده مضيفا : يا له من خاتم خطوبة جميل ايضا ! سيثير اعجاب امك .

هوى قلب مرلينا كحجر ثقيل . خاتم بايرون ! يا لها من فوضى ! كان عقلها يدور فى دوامة من الافكار وهما يتوجهان الى غرفة الضيوف . دخلا اليها فاغلقت الباب واستندت اليه لتحرص على حصولهما على بعض الخصوصية .

صرخت به ، محاولة الا يشتت سحره ووجودهما وحيدين فى الغرفة تركيزها : هل انت مجنون ؟

تشدق فيما ارتسمت على وجهه ابتسامة تسلية : ظننت انى ابليت بلاء حسنا فى الخارج .

صرخت وهى ترفع يديها فى حركة عكست مدى قلقها : لقد تماديت كثيرا يا جايك . حاولت ان اوقفك ...

-لم اكن ارغب فى ان توقفينى يا مرلينا .

-انت لا تفهم . انت تلهو بعائلتى ، وهم ليسوا من ابناء المدن المحنكين اللذين لا يبالون بهذه المسائل . سوف ...

-انا لا الهو .

اعترضت بعنف وقد ازعجتها لامبالاته : بلى ، انت تفعل .

-لا ، لا افعل .

وارتسمت على وجهه ابتسامة شيطانية فيما التمعت عيناه سرورا وهو متقدم منها ليحيط خصرها بيديه ويدنيها منه ، موقظا تلك الاحاسيس التى لا تملك اى قدرة على السيطرة عليها .

قال قاطعا الطريق على اى اعتراض من جانبها : قررت ان اتزوجك يا مرلينا روسى .
وتوقف قلبها عن الخفقان .

لامس خدها وهو لايزال يبتسم فيما راحت هى تصارع عدم التصديق . اخذ يضايقها : اما من تعليق ؟

ثقته بنفسه التى لا تحتمل والقلق الذى جعلها تمر به جعلا رد فعلها ياتى معاكسسا لرغباتها ، فردت بغضب : لم اوافق بعد يا جايك دافيلا .

-ستفعلين . فقد وقعت فى الشرك .

بعدئذ ، عانقها فسرق منها اى رد سلبى على انتصاره ، واثار فيها ذاك الشغف الذى يجعلها تنسى كل ما حولها . واكتسحتها رغبة جارفة فى التملك . انها تريد هذا الرجل . وحثها صوت فى داخلها على ان تستفيد من الفرصة والا تعترض على التفاصيل وتخشى ما قد يحمله المستقبل من الم .

همس وهو يتراجع الى الخلف : لا يمكننا ان ندع والدك ينتظر يا هرتى الصغيرة .

ردت غير قادرة على اتباع غريزتها بشكل اعمى : هل توقفت وفكرت فى ما تورط نفسك فيه مع هذه الهرة ؟ فالزواج يعنى الكثير بالنسبة اليها .

-يمكننا دوما ان نفسخ زواجنا .

مزقت الصدمة الامل الغادر التى كانت براعمه قد بدات تزهر بعد ان علمت انه قرر الزواج بها . وادركت بألم ان الزواج مسألة لا تدوم الى الابد بالنسبة اليه . فوالداه مطلقان ، وجده مشهور بزيجاته المتعددة وطلاقه المتكرر . انه مجرد عقد يمكن فسخه اذا لم يعد يناسب احد الطرفين . ولعل هذا يعنى بالنسبة الى جايك ظهور شخص اكثر اثارة فى حياته .

هذه هى طريقة تفكيره ، وهى تكره هذا . تكرهه ! ان كان الامر مجرد لهفة للفوز فى هذه اللعبة ، ومتعة فى مواجهة التحديات ، ورغبة فى التفوق رغم كافة المعارضات ، فما هى فرص نجاح هكذا زواج ؟ ما كان عليها ان ترضى بى . ما كان عليها ان تجاريه . الا انها لم تستطع ان تجبر نفسها على النطق بكلمة لا صريحة واضحة .

وبدلا من ذلك ، قالت حقيقة اخرى : لم يحدث اى طلاق فى اسرة روسى يا جايك ، فهذا امر لا يتقبلونه .

كان هذا تحذيرا ارادته ان ياخذه على محمل الجد ، لكنه لم يفعل .

قال بتهور مرح : لنر كيف ستجرى الامور . سامر لاخذك عند الساعة التاسعة صباحا كى نختار خاتما لك .

ذكرته بعنف وقد اغاظها موقفه اللامبالى : لقد راى والدى خاتم بايرون .

-اخلعيه ، سنختار معا خاتما اخر .

-جايك ...

كانت صرخة عذاب من هذا الوضع .

-ثقى بى .

وعانقها مجددا ليخفف قلقها ثم لامس خدها فى تحية اخيرة حنون مضيفا : ساجعل والدك يرضى بى قبل ان نصل الى غليب .

صرخت به وقد فقدت الامر فى ان تجعله يفهم حقيقة الوضع فياخذ حذره : هذا ليس بيت القصيد .

لن يتوقف ليعيد التفكير فى ما يفعله ، فثقته بنفسه فائقة .

-نحن جيدان معا ، لا بل نحن عظيمان . فكرى فى الامر .

وازاحها جانبا وفتح الباب ثم ابتسم لها ابتسامة سعيدة اخيرة قائلا : اراك عند الصباح .




****



انتهى الفصل العاشر .


الفصل الحادى عشر ( ما هى النهاية ؟ )



***********



علقت فى الشرك ... هذه الكلمات لم تفارق مرلينا طوال الليل ، حيث راحت تتقلب فى فراشها وقد جافاها النوم . وعندما غفت اخيرا ، حلمت بانها واقعة فى فخ وعاجزة عن الخروج منه . وخطر لها ان هذا جزاء الخداع . ما كان جايك ليفكر قط فى الزواج لولا خطوبتها الزائفة مع جده . لكن ، ما الذى يمكنها ان تفعله حيال ذلك ؟

كاد والدها يمنح موافقته على جايك كصهر له حتى قبل ان يرحلا معا ، ولا شك فى انه وقع تحت تاثير سحره وقبل به بكل فخر كفرد من افراد الاسرة قبل ان يصلا الى منزل العم جورجيو فى غليب . ولعله طلب منه الدخول للاحتفال بهذة المناسبة وليباهى بخطيب مرلينا امام اخيه .

اما الاتصال الذى اجرته بامها فامضته تشرح اسباب غيابها ... شرح علمت ان والدها سيدعمه ، بعد ما رواه جايك له . وقالت لنفسها ان ما قالاه ليس كذبا بالضبط ، رغم ان ارتياح امها لان مرلينا قررت اخيرا الزواج وسرورها لانها ستزور الاسرة مع خطيبها غدا ، جعلا معدتها تنقبض .

لقد ارتفع سقف التوقعات .

وينبغى الوفاء بهذه التوقعات .

وقعت فى الشرك .

الشخص الوحيد الذى يمكنها ان تبوح له بمكنونات قلبها وتساله النصح هو بايرون ... شريكها فى الجرم . انه يستيقظ مبكرا ، لذا ، تسنى لمرلينا الوقت لمناقشة الوضع معه قبل وصول جايك فى التاسعة . اتصلت به عند السابعة وقد تملكها توتر شديد وشعرت بحاجة كبيرة الى دعم .

اجاب رئيس الخدم على اتصالها وعبر على الفور عن اهتمامه : هل الامور على ما يرام يا انسة روسى ؟ لاحظت ان السيد جايك يدفعك لمجاراته الليلة الماضية ، ممسكا بزمام المبادرة .

ردت بحرارة : لقد فعل هذا يا هارولد .

من المدهش كم تشعر بالراحة مع العاملين فى منزل بايرون . فقد عاملوها بلطف بالغ ، واهتموا كلهم بها .

علق هارولد بنبرة متعاطفة : انه شاب يحب فرض ارادته بالقوة .

وافقته الراى : نعم ، وعلى ان اتحدث الى بايرون بهذا الشأن يا هارولد . فهل هو هنا ؟

-انا واثق من ان السيد بايرون سيسر لسماع صوتك . لحظة من فضلك يا انسة روسى ، ساحول له الاتصال .

-شكرا لك .

اخذت نفسا عميقا فيما هى تنتظر ، محاولة ان تخفف من توترها وقلقها . وجاء صوت بايرون الساحر كبلسم لاعصابها المتوترة . سيفهمها . سيفهم كل ما ستقوله .

-عزيزتى مرلينا ، هل نجحنا فى القبض على ذاك الشاب المتهور والجامح ؟

خرجت من حلقها ضحكة هستيرية : اذا ما كنت تعنى الزواج فاعلم ان جايك الزم نفسه الليلة الماضية امام والدى !

سال باهتمام : والدك ؟

لم تحتج مرلينا للمزيد كى تروى له تفاصيل الاحداث التى ادت الى الوضع الحالى اى الى خطوبتها من جايك امام عائلتها .

علق بايرون باستمتاع : الفارس الشهم يهب للنجدة . احسنت يا فتى ! يبدو انه ورث عنى غرائز الرجل النبيل .

انتحبت : لا اريد ان يكون جايك رجلا نبيلا . اريده ان يعنى ما قاله وفعله ، ان يعنيه حقا . وبعد ان الزم نفسه مع اسرتى ، التى لن تعتبر المسألة مجرد لعبة صدقنى ، اتى على ذكر الطلاق كوسيلة للخروج من هذه الورطة فى المستقبل . اعلم ان الامر شائع فى اسرتكم يا بايرون ، لكنه ليس كلك فى اسرتى . انهم ايطاليون للغاية . ايطاليون جدا .
وساد الصمت للحظة فيما راح بايرون يفكر فى المسالة جديا .

وعادت مرلينا تقول وقد منعها قلقها الشديد من التزام الصمت : اليوم على سبيل المثال ، سيشارك فى حفل شواء تقيمه العائلة ... حفل سيضم اشقائى وشقيقاتى المتزوجين واولادهم فضلا عن اعمامى وعماتى واخوالى وخالاتى وجدى والطفل الجديد ... القبيلة كلها ستجتمع وتعانقه وترحب به ثم تتفحصه وتخضعه لاستجواب لتعرف تفاصيل حياته .

وتنهدت تنهيدة قلق نابعة من اعماقها .

سالها بايرون : ما من احد منهم مطلق ؟

ردت مشددة على كل كلمة تلفظها : او قد يتطلق .

-اتعلمين ، قد يحب جايك هذا . العائلة المتماسكة والمتكاتفة ، فهذا ما لم يحظ به ابدا . يمكن لهذا ان يغريه ويثبته على قراره .

-او يجعله يهرب ليبعد قدر المستطاع .

-لا... لا ... لن يفعل هذا . سيعتبر المسالة تحديا . وسيسعى لان يفوز بقلوبهم .

قالت بيأس : لعبة .

-ليس بالضرورة . انت تبالغين فى القلق يا عزيزتى . ما كان جايك لياتى على ذكر الزواج لو لم يكن فى باله .

-لانك ... لاننا ... دفعناه للتفكير فيه يا بايرون .

-البذرة لا تنبت الا اذا زرعت فى الارض الصالحة . انتما متناسبان تماما . وهذا جلى للغاية بالنسبة الى .

نحن جيدان معا ، لا بل عظيمان .

وتسارعت دقات قلبها املا وهى تتذكر كلمات جايك .

نصحها بايرون : اعطى علاقتكما فرصة . وانتظرى لترى ما ستؤول اليه الامور .

هذا ما قاله جايك بالضبط .

هل بالغت فى القلق ؟

ذكرها بايرون : انت تريدين هذا يا مرلينا . ما كنت لتجارينى فى لعبتى ان لم ترغبى فى استمالة جايك . انه هنا الان لانه يرغب فى ذلك . دعى عائلتك تحتضنه . سيرى مع التيار . وكونى سعيدة يا عزيزتى ، فالرجل يحب ان يرى امرأته سعيدة .

من الصعب ان تكون سعيدة فيما تشعر بهذا القدر من القلق ، الا ان بايرون محق . لقد ارادت هذه النتيجة ، لكنها حصلت بسرعة فائقة بحيث تعجز عن حمل نفسها على الوثوق بها ، لاسيما وانه ذكر الطلاق اثناء ذكره الزواج .

قالت : حسنا ، ساسير مع التيار اليوم لارى الى اين ستفضى بنا الامور .

فسارع بايرون يشجعها بمرح : احسنت يا فتاة ! ان لم تغامرى فلن تكسبى شيئا . كونى لاعبا بارزا فى هذه اللعبة .

كلامه هذا ذكرها بمدى التشابه بين الجد والحفيد . لابد انها مجنونة لتطلب النصح من بايرون . لكنه ، من جهة اخرى ، اعطاها فكرة عن خلفية جايك ، فالاولاد الذين يتربون فى اسر مفككة لا يؤمنون بالوعود التى تدوم الى الابد . وهذا لا يعنى انهم لايريدون التزامات قوية ومتينة . ربما ... فقط ربما ... يمكنها ان تعمل على الا تنتهى هذه اللعبة مع جايك ابدا .

قالت بامتنان : شكرا لك يا بايرون . لقد منحتنى ما يكفى من الدعم ومن المعنويات للجولة التالية .

-احسنت ! واتمنى لك حظا وفيرا يا عزيزتى .

وعدته : ساحتفظ بخاتمك الماسى فى مكان آمن حتى القاك مجددا .

-ضعى خاتم جايك بفخر يا مرلينا ، فهو سيحب ان تفعلى هذا .

-سافعل . والان ، الى اللقاء .

-اتمنى لك اياما سعيدا !

كانت تبتسم وهى تعيد سماعة الهاتف الى مكانها . ايام سعيدة ... ستكون على الارجح جنة للمجانين ، لكن لم لا تستمتع بما يمنحه جايك فيما تستطيع ذلك ؟ انه رجل رائع ، وقد جعلها تشعر بانها محبوبة ، محبوبة بشكل جميل ، لا بل رائع . اذا اراد لعلاقتهما ان تدوم ، فعليها ان تمنحها فرصة !
كانت خطواتها سعيدة وهى تهرع الى غرفة نومها لتختار ما سترتديه هذا الصباح . ستعتمد الاناقة الكلاسيكية لمحلات المجوهرات التى سيصحبها جايك اليها ان كان ينوى الباسها خاتما ملفتا بقدر خاتم جده .

اختارت احد الفساتين التى اشترتها مؤخرا ، فستانا يلتصق بجسمها احمر اللون ، مع لمسات من اللونين الابيض والاسود اشبه برسوم تجريدية . واختارت ان تكمله بحزام ابيض عريض وحذاء ابيض عالى الكعبين وحقيبة يد صغيرة بيضاء .

كان مظهرها بسيطا انما ملفتا للغاية . فالاناقة تكتمل عبر الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة .

وانطلاقا من هذا المبدأ ، وضعت طلاء اظافر احمر اللون على اصابع قدميها ويديها ، واولت تبرجها عناية خاصة ، ثم اضفت على مظهرها لمسة اخيرة باختيارها اقراطا ذهبية كبيرة . وتماشى هذا كله مع الساعة الكلاسيكسية الذهبية التى تلقتها هدية من جدتها فى عيد ميلادها الواحد والعشرين .

اكتفت بهذا القدر من المجوهرات ، بعد ان اخفت خاتم بايرون فى قعر كيس بازيلا فى الثلاجة .

قرع جرس الباب عند الساعة التاسعة الا خمس دقائق . فشعرت بالامتنان لانها لن تضطر لانتظار وصول جايك ، اذ ان الانتظار يوتر اعصابها . فتحت الباب لتجده غاية فى الاناقة فى بذلته الرمادية المقلمة وقميصه الابيض وربطة عنقه الحريرية . بدا وسيما كما لم تره يوما ، لاسيما حين ابتسم لها فيما تراقصت عيناه الداكنتان سرورا لمظهرها .

-يا الهى ! عندما تقررين التعبير عن نفسك ، فانت تفعلين ذلك بقوة يا مرلينا . اللون الاحمر يناسبك تماما .

وتذكرت على الفور لباس البحر المصنوع من الورد الاحمر . لقد خدمتها الجرأة حين لعبت دور المرأة اللعوب التى تخرج من قالب الحلوى ، فدفعتها غريزتها على الفور الى اعتماد وقفة مغرية واضعة يديها على خصرها الرفيع .

قالت له وهى تخفض اهدابها لترمقه بنظرة حارة جدا : خطر لى ان البس هذا اللون بما انك تنقذنى من العار .

ضحك وتقدم منها ثم اقفل الباب ليضمها اليه فى حركة تملك : اذن ، ها هى مرلينا الحقيقية تظهر فى هجوم ساحق .

وابتسم لها قبل ان يضيف : وهل نجحت فى انقاذك ؟

رفعت حاجبها فى تساؤل : هذا يعتمد على كيفية سير الامور مع والدى الليلة الماضية .

اعلن باستمتاع : سارت الامور على خير ما يرام . انا قادر على مواجهة اى تحدِ .

-ربما من الافضل ان تطلعنى على برنامجنا لليوم .

قال وهو يبتسم : سنخرج لشراء خاتم . اظن ان علينا ان نختار خاتما من الياقوت . يمكن ان يكون مرصعا بالماس لكن شرط ان يتوسط الماس حجر من الياقوت الاحمر .

تعالت الضحكة من حلقها . جايك دافيلا زير نساء لكنها تحبه ، تحب كل ما فيه . وعلقت : لن يبدو كالخاتم الاخر .

-الذى اتمنى ان تكونى قد نزعته من اصبعك .

ورفع يدها ليتحقق من ذلك ثم اضاف برضا : حسنا فعلت !

-وضعته فى مكان امن .

-وهذا المكان لى .

وادهشها حين امسك باصبعها وطبع عليه قبلة فيما التمعت عيناه رغبة .

مضت لحظات قبل ان تتمكن من التقاط انفاسها لتقول : سيلاحظ ابى الفرق .

ترك اصبعها ورد بثقته المتغطرسة المعتادة : والدك يظن انى فاجاتك بهذا الخاتم . لم يعجبك فقررنا ان نختار اليوم خاتما اخر معا . فما رايك ؟

-لاباس .
واخذها بين ذراعيه فى عناق حنون ، ودت لو يستمر الى الابد ... تغلغلت اصابعه فى شعرها وهو يقول : ماذا افعل بك ؟

بدا كأنها احجية تعجز عن حلها .

ذكرته : قلت انك ستتزوجنى .

ضحك والتمعت عيناه : انها بداية محددة وواضحة .

بداية !

هل من خط للنهاية ؟

جاهدت مرلينا لتتغلب على هذه الافكار السلبية . جايك يريد ان يتزوجها . وقد تجرى الامور على خير ما يرام . عدم استغلال الفرصة امر غير معقول او مقبول .

واردف : سنخرج الان لنشترى الخاتم . وبما اننى اشعر انى فى قمة تالسعادة ، سنحتفل بتناول الغداء فى اشهر المطاعم التى تطل على سيدنى . بعدئذ ، سنستقل الطائرة المتوجهة الى غريفيث والتى تقلع عند الساعة الثانية والنصف ...

-هل حجزت مقعدين لنا ؟

ابتسم لها ابتسامته الساحرة : عندما نصل الى المنزل ، قد تتمكنين من اصطحابى فى جولة فى كروم العنب التى اخبرنى والدك عنها قبل ان نخلد الى النوم .

حماسته كانت معدية . وخطر لها انها لن تندم يوما على ما عرفته من جايك دافيلا ، مهما حمل لهما المستقبل .

حذرته بفظاظة : ما من شئ اسمه الخصوصية فى اى مكان قريب من عائلتى يا جايك . سيغرقونك هذا المساء .

-ستهبين لنجدتى فانت طوق نجاتى .

هزت راسها : ستفقد احترامهم اذا ما طلبت منى ان انقذك . فاما ان تسبح واما ان تغرق .

اعلن من دون ان تهتز ثقته بنفسه : انا رجل مكافح بطبعى ولا احب الاستسلام .

لكنها لعبة مختلفة ، وشروطها غريبة بالنسبة اليه . نصحته بجدية : خذ الامور ببساطة ، ولا تبالغ فى بذل الجهد .

ارادت ان تحبه عائلتها وان تاخذه فى احضانها وتتقبله .

محا خطوط القلق عن جبينها بلطف وهو يذكرها : لقد كسبت والدك الى جانبى . واعدك بان تسير الامور على خير ما يرام يا مرلينا . فلا تقلقى .

لم تستطع ان تمنع نفسها من القلق . جايك معتاد على الفوز ، لكن ارساء اسس متينة مع اسرتها يتطلب اجوبة صادقة تعزف على اوتار متناغمة . ان لم يحصل هذا ... حسنا ، يبقى امامها خيار ان تستمر بالعلاقة وحدها . الا ان التفكير فى هذا الخيار جعلها تشعر بنوع من الخسارة . لعلها اختارت ان تعيش بعيدا عن اسرتها معظم الوقت الا انها تريدهم ان يكونوا موجودين من اجلها ، كحالهم دوما .

سالها : هل حضرت حقيبتك ؟

-نعم ، انها فى غرفة نومى .

-جيد . حقيبتى فى السيارة . من الافضل ان نتحرك ، ونتجة الى المدينة .

وافقت وهى تتنهد : اظن انه من الافضل ان نفعل .

ابتسم : ما من نقاش هذا الصباح ؟

امالت راسها تفكر فى ما قاله ، ثم رمقته بنظرة تعلمه بها انه يلعب بالنار وهى تجيب : لن اجادل او اناقش حتى تقدم على تصرف لا يعجبنى .

ضحك واخذها بين ذراعيه للحظات قائلا : اعدك بان احسن التصرف امام اسرتك اتفقنا ؟

قالت بسخرية اذ تعلم ان جايك يهوى التحديات : اعيش على امل هذا الوعد .

-سترين !

بدا انه لا يخشى فكرة ان يخضع للمراقبة والتقييم لتحدد الاسرة ما اذا كان عريسا مناسبا .

ربما قد تنجح علاقتهما وتدوم اذا ما استمرت فى وضع التحديات فى طريقه .

لكن تبقى مسالة الابوة الهامة .

كيف سيكون رد فعله عند رؤية مولود ماريو وجينا الجديد ؟

عليها ان تراقب جايك جيدا .

فالافعال اصدق انباء من الاقوال .




****



انتهى الفصل الحادى عشر


الفصل الثانى عشر ( الحياة مجرد لعبة ) .



**************



تسنى لجايك ان يجلس وحيدا ويفكر فيما هو ينتظر خروج مرلينا من حمام السيدات فى المطار . لقد اصرت على ان يبدلا ملابسهما قبل الصعود على متن الطائرة المتوجهة الى غريفيث . فاستبدل بذلته ببنطلون من الجينز وقميص رياضى اخضر اللون يناسب حفل شواء ، وراح يتساءل عن الملابس التى قد تختارها للحفل العائلى هذا .

لقد عرف الكثير عن مرلينا الحقيقية فى الساعات الماضية . اكتشاف تلو الاخر . لقد لفتت انتباهه واثارت فضوله منذ اجتماعهما الاول ، لكن التعرف اليها عن كثب مبهج على كافة الاصعدة . جاء عرضه للزواج مندفعا ومتهورا لكنه لم يندم عليه . فى الواقع ، شعر برضا بالغ وهو يرى خاتمه فى اصبع مرلينا .

بدا الامر غريبا نوعا ما ، بما انه لم يفكر فى الزواج قبل الليلة الماضية . لطالما ظن ان الزواج لا يستحق العناء ، فهو مجرد هرج ومرج فى حفل الزفاف وسنوات من العذاب بسبب عدم الانسجام يتبعها دفع ثمن الغلطة فى المحاكم للحصول على الطلاق .

لكنه اتخذ هذا القرار من اجل مرلينا من دون اى تردد . كما ان هذا القرار لم يزعجه ابدا ، لا بل شعر بالارتياح حين اتخذه . لكن المشكلة تبقى فى ان يجعلها هى ايضا تشعر بالارتياح . فقد بقيت ترمق الخاتم المرصع بالماس والياقوت بنظرات مستغربة طيلة فترة الغداء وكانها لا تصدق انها مخطوبة . كما بدت متضايقة من فكرة لقاء عائلتها ، رغم تطميناته وتاكيده على ان يحسن التصرف .

لقد اوقعها نوعا ما فى هذه الورطة ، ولابد ان تساورها الشكوك حول الزواج من رجل يعتبر زير نساء . صحيح انه لطالما اعتبر الحياة مجرد لعبة ، فهذه افضل طريقة برايه لمواجهتها والتعامل معها ، لكن هذا لا يعنى انه لا يستطيع الالتزام بشئ ما اذا اراد ذلك .

ان كان لديه سبب وجيه لذلك .

وجاء السبب الوجيه يتبختر من استراحة السيدات ، وقد ارتدت سروالا فضفاضا ابيض اللون وبلوزة حمراء من الحرير ذات لياقة بيضاء مفتوحة . بدت مثيرة وانيقة . تعبير وجهها المتوتر تحول الى ابتسامة ارتياح وهى تلاحظ مظهره الجديد . اما جايك فلم يشعر ابدا بالارتياح ، فمجرد رؤيتها اثارت فيه رغبة جامحة ولم يعرف كيف سيتمكن من كبحها . وامل ان تقدم عائلتها ما يلهيه عن هذه الاحاسيس التى تتجمع فى داخله اشبه ببركان يتحضر للانفجار .

سالها ممازحا : هل مظهرى مقبول اكثر الان ؟

اجفلت بعض الشئ قبل ان تجيب : بدوت ابن المدينة بامتياز فى بذلتك .

مازحها مجددا : نحن نناسب الصورة المطلوبة مجددا ، اليس كذلك ؟

احمرت وجنتاها بشكل مذهل ولاحظ نظرة ضعف فى عينيها وهى تحاول ان تشرح له : نحن نخطو نحو عالمهم يا جايك . اعلم انك لا تتناسب ... لا تتناسب ...

تقدم منها واحتضنها بين ذراعيه : يسرنى ان اسير مع التيار كيفما حملنى يا مرلينا . وانا مرتاح فى هذه الملابس كما تعلمين ، فهذه هى الملابس التى ارتديها فى عملى .

-نعم ، نعم ، فعلا .

استرخت قليلا .

وفى محاولة منه لرفع معنوياتها اكثر ، قال : اتعلمين ما هى مشكلتك ؟ انت لم تخططى لهذا كله بنفسك ، وبالتالى انت لا تسيطرين على كافة التفاصيل . لكن ، فى بعض الاحيان عليك ان ترخى اللجام يا عروستى .

ضحكت بعصبية : صدقنى يا جايك ، انى احاول جاهدة .

-اذن ، تعالى وطيرى معى .

وابتسم لها ليكسب موافقتها وثقتها فيما ابقى ذراعه حول خصرها وادارها ليسيرا معا نحو قاعة الانطلاق .

لم يساور جايك اى قلق من ان يبدو فى غير محله . فالمسالة بالنسبة اليه مسالة تاقلم مع الظروف وانسجام مع المحيط العام ، وهذا ما اعتاد ان يفعله طيله حياته . اذ تعلم مبدا الغرق او العوم منذ نعومة اظافره . طلاق والديه شوشه لبعض الوقت لكنه نمى لديه حس الاستقلالية . فى الواقع ، لطالما استهوت طبيعته لعبة البقاء للاقوى ، ولن يخسر فى هذه اللعبة اليوم .
جارت مرلينا خطوات جايك ، طارده الخوف من ان تنتهى رحلتها معه بالتحطم والاحتراق . جرا حقيبتيهما ليضعاهما فى الخزائن فوق مقعديهما ، فلا يضطران للانتظار طويلا بعد انتهاء الرحلة . لقد اتصلت بوالدتها لتطلعها على موعد وصولهما فاخبرتها ان اثنين من اخوتها ، دانى البالغ من العمر اربع وثلاثين سنة وجو الذى يصغره بسنة واحدة ، سينتظرانهما فى المطار ليقلهما الى البيت .

علمت ان كليهما سيعتبران جايك ابن المدينة المتانق لو بقى مرتديا بذلته الانيقة تلك . الانطباع الاول مهم جدا . رغم ان جايك كان محقا بشان الصورة . يمكن ان يبدو فى مكانه الطبيعى بالطبع ، ولاشك ابدا فى انه سيعمل على ان يبدو كذلك ، فهو ماهر جدا فى التعامل مع الناس . لكن ما الذى سيفكر فيه او يشعر به خلف هذه الواجهة من السحر ؟

كانت تعلم انه يريدها ، وينوى ان يحتفظ بها الى جانبه طالما استمرت رغبته فيها .

وباستثناء الرغبة فى الفوز والشوق ، كانت مشاعر جايك اشبه بلغز بالنسبة اليها . احست بحاجة شديدة الى اكتشاف هذه المشاعر قبل ان يتزوجا . وبقدر ما كانت تتوق للبقاء مع جايك ، لم تستطع ان تتقبل استعجال الزواج ، فهذا القرار غاية فى الاهمية . الزواج عقد لمدى الحياة ويتضمن اطفالا .

عليها ان تراقبه .

عليها ان ترى .

يجب الا تعميها مشاعرها نحوه ، والحاجة الى التمسك بما يتنامى ويقوى مع مرور الوقت .

استغل جايك الرحلة ليستنطق مرلينا حول افراد الاسرة الذين سيحضرون الحفل وعلاقات القربى ما بينهم . فنظم المعلومات فى ذهنه وربط فى ما بينها وخزنها فى ذاكرته . بدا الامر اشبه بالتحضير لاجتماع عمل ، باستثناء ان اغلارقام كانت اكبر لهذا الاجتماع . وراح يكرر المعلومات فى ذهنه مرارا وتكرارا حتى شعر بها مطبوعة فيه ، ما سيسهل التعارف والحوارات اللاحقة .

الا انه لم يكن مستعدا نفسيا لترحيب دانى وجو الفرح بهما ، رجدلان ضخمان رفعا مرلينا عن الارض ودارا بها يعانقانها ويقبلانها بمحبة وحنان واضحين ، ثم انتقلا اليه يصافحانه بحرارة ويربتان على ظهره ، مطلقين تعليقات سعيدة .

-مرلينا ! واخيرا اخترت لنفسك رجلا !

-احسنت الاختيار ! ظننا ان الانسة المستقلة لن تعلق فى شباك احد ابدا .

-امى فى غاية السعادة مع ولادة الطفل الجديد وهذا الزواج المنتظر .

-سنقيم حفلا رائعا الليلة .

حرارة سعادتهما الواضحة التفت حول جايك ، وتغلغلت الى زوايا روحه فجعلته يشعر بالارتباك . لم يكن معتادا على هذه التصرفات التلقائية الصادقة . هذا ليس سحرا تم التدرب عليه ، بل كلام صادق يخرج من القلب مباشرة . وبدت ابتسامته كاذبة ومصطنعة مقارنة مع ابتسامتيهما العريضتين اللتين عكستا سرورهما .

ودار حوار حار بينهم فيما رافقهما الشقيقان من المطار الى سيارة رباعية الدفع مركونة فى موقف السيارات . وما ان استقروا فى السيارة وانطلقوا فى طريقهم نحو كروم اسرة روسى حتى تركز الاهتمام على جايك .

بدا دانى الكلام : اذن ، فانت رب عمل مرلينا . حدثنا عن عملك يا جايك .

شرح لهم مجال عمل شركته ، مدركا ان بعض الشركات الاوروبية اكتسبت سمعة سيئة لانها اعتادت استغلال الاطفال . حرص جايك على ان تعلم اسرة مرلينا ان مبيعاته مشروعة ، وما من خداع فيها ، حيث يحصل الزبون على ما يريده فقط وعلى ما يدفع من اجله .

كان كل من دانى وجو يملك هاتفا خلويا وهما يجيدان العمل على الكمبيوتر ، ما يعتبر شرطا اساسيا لنجاح اى عمل فى هذا العصر . لكنهما عبرا عن استهجانهما لما يبيعه جايك .

-اتعنى ان الناس يدفعون المال لاستبدال رنة الهاتف العادية بنغمات موسيقية معينة ؟

اشار جايك : هذا الامر يجعل الاتصالات شخصية اكثر .

-ما العيب فى اعطاء اسمك ؟

-لاشئ . انه ابتكار جديد وهو يسلى الناس .

-ولعله يقودهم الى الجنون ايضا .

-فى هذه الحالة ، يحصل على رد سريع .

-فعلا ! اطفئ هذا الشئ الملعون .

-تلوث بسبب الضجيج .

صحح لهما جايك ، وقد شعر وكانه فى موقع دفاعى : ليس بالضرورة . سوقنا مجموعة كبيرة من النغمات وبعضها سار جدا . سار اكثر من رنة الهاتف العادية .

-وعملك كله يقوم على هذا ؟

بدا جليا انهما يريان هذا العمل سخيفا . لم يتساءل جايك يوما عن قيمة ما يفعله . ظن ان الفكرة قابلة للتسوق وقد ثبت انها كذلك . فى الواقع ، حققت هذه الفكرة نجاحا ساحقا على الصعيد المالى ، ما سره بالطبع . الا ان ما يبيعه لاقيمة فعليه له ، بل انه مجرد مادة سريعة الزوال .

شرحت مرلينا بصوت هادئ : سجلت النغمات الاكثر شعبية التى سوقها جايك رقم مبيعات بالملايين حول العالم .

-لابد انك تمزحين !

ردت : لا . الكثيرون يسعون لاستخدام هذه النغمات لانها تضفى على هواتفهم طابعا شخصيا ، وتسمح لهم بالتعبير عن انفسهم . لا تهزؤوا من الفكرة لمجرد انكم لم تفكروا يوما فى اعتمادها .

انها تدافع عنه .

او تهاجم اخويها لانهما محدودا التفكير .

هل لهذا السبب تركت المنزل وقصدت المدينة ، سعيا خلف حياة ذات آفاق واسعة ؟

قال جايك بلهجة اعتذار : لم نكن نحاول انتقادك يا جايك . اذا ما نجح الامر معك فهذا حسن .

علق جو بكابة : لابد انك ستجد عالمنا عالما غريبا .

ضغط جايك على يد مرلينا فى حركة تقدير لدعمها له ، ثم قال وقد تحسن شعوره حيال عمله : انه عالم مختلف .

ابتعدوا عن مدينة غريفيث وتوجهوا نحو الريف حيث راح الشقسقان يشيران الى كروم العنب العائدة للاسرة ، مطلعين جايك على الانواع المختلفة التى يزرعونها .

اعتزازهما بما يملكون وبما ينتجون اثار موجة انزعاج فى داخل جايك . كانت مرلينا محقة . لقد دخل الى عالم مختلف ، الى عالم اكثر صلابة ، عالم حقيقى ، ملموس ، ما جعله يحسدهما فجاة على شعورهما بالانتماء الى هذا المكان .

لقد ولدا هنا وترعرعا هنا وعملا هنا وربما سيموتان هنا . لكنهما يبديان رضا لم يختبره يوما . وهو لم يتعلق قط بمكان ما . فأطول اقامة له كانت فى مدرسة داخلية ، احتمل العيش فيها لكنها لم تكن يوما بيتا له بمعنى البيت . المنزل الوحيد الثابت فى حياته هو منزل جده فى فوكلوز ، لكن الزيارة ليست كالاقامة . حتى المنزل الذى يملكه لا يربطة به اى روابط عاطفية .

اعلن جو مع وصول السيارة الى بوابة تسلقتها قبيلة من الاطفال : ها قد وصلنا .

ورأى كلبان يثبان مرحا خلف الاطفال وينبحان . اخرج جو راسه من النافذة ليصرخ : افتحوا البوابة ايها الاولاد .

قفز احد الفتيان ارضا ليدفع البوابة ويفتحها فيما بقى الاخرون معلقين يتمايلون ويصرخون اثارة .

-مرلينا ، اصبح لدينا شقيق جديد .

-مرلينا ، نريد ان نرى صديقك .

-ليس صديقها بل خطيبها .

-اريد ان اقابله اولا .

-لا ، انا ، انا ، انا .

-مرلينا ، ما رايك فى ان ترافقينا الى المنزل سيرا على الاقدام ؟

صيحات الموافقة على الاقتراح جعلت جو يوقف السيارة ويلتفت نحو المقعد الخلفى ليسال : اتودان السير من هنا ؟

فقال جايك وهو يفتح الباب ، مستعدا للترجل : لا نود ان نخيب امالهم . هيا بنا .

وبينما استدار حول السيارة ، كانت مرلينا قد ترجلت فاحاطت بهما مجموعة من الاطفال فيما تسابق الكلبان ليحصلا على تربيتة منها .
لم يمتلك جايك كلبا يوما ، او اى حيوان اليف من اى نوع ، فتساءل عن شعوره فلو استقبل كل يوم بمثل هذه المحبة . كان هذا ليخفف بعض الوحدة التى رافقت مرحلة صباه . هؤلاء الاولاد محظوظون لانهم ينتمون الى اسرة كبيرة ، مترابطة ، يتخالط افرادها سويا بسهولة طبيعية ، ويمتلكون حس الدوام فى محيطهم ما يسمح لهم بتربية الحيوانات الاليفة .

اكمل جو ودانى طريقهما بالسيارة وقد ارتاحا من مهمة المرافقة الموكلة اليهم ، فيما استمتع جايك بالرفقة الجديدة ، مع اسئلة الصبية المرحة وخجل الفتيات الصغيرات والمزاج الحسن الذى يحيط بهم . بدا ان مرلينا تحتل مكانة مميزة بين ابناء وبنات اخوتها واخواتها . ولاحظ انها لم تمل منهم ، او تنزعج . كما انها تستمع الى كل ما يقولونه باهتمام حقيقى ، فتطرح الاسئلة وتعطى الردود التى ترضيهم او تجعلهم يضحكون .

وتجلى لجايك انها ستكون أما صالحة ، وضايقه ان يتذكر انها تريد اولادا من صلبها . فهذا جزء من صفقة الزواج بالنسبة اليها فى حين ان الفكرة لم تخطر فى باله هو قط . وشرع يراقب الاطفال المتجمعين من حوله ، محاولا ان يتخيل نفسه كأب . هل يرغب فعلا فى لعب هذا الدور ؟

لقد رحل والده الى اوروبا بعد طلاقه من امه ولم يره جايك منذ ذاك الحين . كان يحسد الاولاد فى المدرسة الذين ياتى اباؤهم لحضور المباريات الريتاضية التى يشاركون فيها . وخطر لجايك ان الاب يجب ان يتواجد دوما ، ليهتم بما يفعله الابناء ويشجعهم . يجب الا يفكر المرء فى الانجاب الا اذا كان مستعدا لذاك ، ما يعنى تخصيص الكثير من الوقت للاولاد .

امسكت فتاة صغيرة بسرواله لتلفت انتباهه ، ونظرت اليه بعينين كبيرتين ، مستغيثتين ، ثم قالت ببؤس : ساقاى متعبتان ، فهلا حملتنى على كتفيك يا جايك ؟

تساءل جايك ان كانت هذه هى روزا ، البالغة من العمر ثلاث سنوات قبل ان يجيب : بالطبع ، سافعل .

ورفعها الى كتفيه فغلغلت اصابعها فى شعره لتتمسك . لم يسبق له ان حمل اى طفل بهذه الطريقة ، لكن بدا جليا انها تثق به وانها تجيد الحفاظ على توازنها . لابد ان والدها منحها هذه الثقة .

علق احد الصبية : ان كنت متعبة جدا يا روزا فلن تتمكنى من لعب كرة القدم بعد العشاء .

فقالت بتصميم وهى تشدد على كل كلمة : بل سافعل . انا احتاج فقط لبعض الراحة .

وعاد يزعجها قائلا : على اى حال ، انت لم تسجلى يوما اى هدف .

فاجابته : هذه الليلة سيساعدنى جايك ، ولن يدعك تنتزع الطأبة منى .

قالت مرلينا وهى تمنحه ابتسامة صادقة : اظن ان روزا اختارتك كبطل .

رفع حاجبيه يطلب العون : وما معنى هذا ؟

وسارع الكل ليشرح له الوضع . اعد الجد لهم ملعبا صغيرا لكرة القدم خلف المنزل حيث يحق للكبار ان يلعبوا انما لا يسمح لهم باعاقة الاطفال او تمرير الطابة او تسجيل هدف . وهم يلعبون دوما بعد حفلات الشواء التى تقيمها العائلة . ويقوم اصغر ولدين باختيار فريقيهما ، وبالتالى فان روزا تترأس فريقا وجيتارو الذى يبلغ من العمر اربع سنوات يترأس فريقا اخر . ولا تشارك النساء فى المباراة بل يكتفين بالمشاهدة وتشجيع الفريقين .

قال جايك لمرلينا : هل ارى بعض التمييز هنا ؟

-لا يمكنك تغيير تقاليد العائلة .

-اكنت تشاركين فى المباريات فى طفولتك ؟

-انا احمل الرقم القياسى لاكبر عدد اهداف تسجلها فتاة .

ضحك : اراهن على انك كنت كالنمر فى الملعب .

-كان الامر تحديا .

-وقد واجهته كعادتك بعناد ، رافضة الهزيمة .
رمقته بنظرة ساخرة : انت تعرفنى جيدا .

-لا ، لكننى اسعى الى ذلك .

كاكتشاف خلفيتها ، هذه العائلة الكبيرة التى تتوارث العادات والتقاليد جيلا بعد جيل . انه عالم ذو قيم مختلفة عن تلك التى اعتادها . لقد تجاوز الاحساس بالخيانة من قبل عائلته حين كان فتى ، الا ان هذا الشعور عاد يراوده الان وبقوة اطلقت الغضب الذى لطالما كبته ، الغضب من اهمال والديه له ، هذا الاهمال الذى حرمه من كل هذا .

كانت مرلينا محقة ..

انه فى غير محله هنا .

حياته كلها تسير فى مسار مختلف .

لكن شيئا ما فى داخله تاق لان يتاقلم مع هذه الاسرة . فالتواجد هنا اشبه بالنظر من فوق السور الى الحياة التى كان ينبغى ان يعيشها . والمه المشهد كما لم يتوقع . بداه اجتياز السور مستحيلا . هل هو مستحيل فعلا ؟ لعله لا يستطيع ان يغير ماضيه لكنه قادر على تحديد مستقبله . ربما اذا رزق باطفال من مرلينا ، فسيتمكن من اجتياز السور ومشاركتهم عالمهم .

والتفت الى المنزل الكبير الذى يقتربون منه . انه منزل ريفى ، بشرفات واسعة من حوله . اما الاشجار التى تحيط به فتوفر الظلال وتسمح للاطفال بتسلقها . لفتته الحديقة بالوانها الوافرة والزاهية المتداخلة مع الخضرة . لم يكن هذا المنزل للتباهى بل للسكن ... انه منزل اسرة حقيقى بامتياز .

راى فى احد جوانب المنزل سقيفة تحوى العديد من السيارات المتنوعة : سيارات رباعية الدفع ، شاحنات صغيرة ، سيارات عائلية ... ولم يلاحظ جايك وجود اى سيارة تعكس المستوى الاجتماعى . وخطر له ان السبب لا يعود لقلة المال ، فالملكيات المماثلة تساوى على الارجح ثروة . هؤلاء الناس لا يحاولون ابهار الاخرين ولفت الانظار فهم ما هم عليه ... اسرة روسى .

عائلة مرلينا .

كان جو ودانى يقفان على الشرفة قرب الباب الرئيسى ، يراقبان تقدمهما . وسرعان ما انضم اليهم شقيق ثالث .

قالت مرلينا : هذا ماريو . والد الطفل الجديد .

وخرج والدها من المنزل ووقف عند اعلى السلالم الامامية ليرحب بهما . اصدر اوامره : هيا ايها الاولاد ، ابتعدوا الان . سارافق جايك ومرلينا ليقابلا الجدة .

اطاعه الاولاد على الفور ومن دون اى نقاش . رفع جايك روزا عن كتفيه ووضعها ارضا فشكرته الطفلة ولحقت بالاخرين بعد ان استعادت نشاطها وحيويتها .

علق دانى مع ابتساممة عريضة : يبدو ان ابنتى تمكنت من ان تسحرك يا جايك .

ضحك انجيلو روسى وهو يصافح جايك مرحبا : روزا الصغيرة طفلة جميلة . لكن انتظر حتى ترى حفيدى الجديد ، فسترغب فى ان ترزق بصبى مثله تماما .

اعترضت مرلينا : ابى ، نحن لم نتزوج بعد .

-وان يكن ؟ ما معنى الزواج من دون اطفال ؟ انتما الاثنان سترزقان باطفال رائعين .

وخطر لجايك ان هذا متوقع منه ، وليس من قبل مرلينا فقط .

هل هو مستعد لذلك ؟ جديا ؟ الارتباط بهذه الاسرة الكاملة جزء من الزواج بها . لقد انذرته وحذرته ، وشعر بتوترها وحذرته ، وشعر بتوترها يتصاعد فيما قامت بتقديمه لماريو وراح يبذل قصارى جهده ليهنئه على ولادة طفله .

قاده انجيلو فى ممر طويل ادى الى مطبخ كبير ، لا بل اكبر مطبخ رآه جايك ، مع اوانِ نحاسية وسلال تتدلى فى كل مكان وطاولة كبيرة فى وسطه تعلوها سلال الخبز واوعية السلطة .
بدت الغرفة مزدحمة بالنساء اللواتى رحن يتاملنه باهتمام شديد .

صفقت احداهن باستحسان مرح ، وفتحت ذراعيها لتضمه الى صدرها وتقبله على خديه .

قال انجيلو بفخر : هذه زوجتى ماريا ، والدة مرلينا .

صرخت ماريا : اهلا وسهلا بك ! اهلا وسهلا ! كنت قد بدات افقد الامل فى ان تختار مرلينا يوما زوجا لها وانت ....

تذمرت مرلينا : امى .

تجاهلتها ماريا وربتت على خديه مضيفة : انت رجل وسيم ...

وجد جايك القدرة الكافية ليقول : لديك ابنة جميلة .

اطلقت سراحه لتصفق مجددا : هذا مثير للغاية !

بعدئذ ، تمالكت نفسها واستدارت نحو النساء الاخريات لتعرضه لمزيد من العناق والقبلات فيما هى تقدمه لعمات مرلينا وخالاتها واخواتها وزوجات اخوتها . واخذ الترحيب به فى كنف الاسرة واحضانها معنى حرفيا .ماديا ، واعتاد الامر مع وصوله الى اخر امرأة فاستسلم بسعادة لهذا العناق الانثوى الصادق . بدا له الامر جيدا ، ومختلفا للغاية عن القبل التى يرسلها افراد مجتمع سيدنى الراقى الى بعضهم البعض عن بعد .

جرته جينا ، التى انجبت حديثا ، الى سرير صغير لتريه ابنها وقالت : انه نائم الان لكنى سادعك تحمله عندما يستيقظ .

تكلمت بنبرة طبيعية وكأنه سيرغب من دون شك فى ذلك . لكن جايك لم يكن واثقا من رغبته فى ذلك . فهذا اصغر مخلوق رأه يوما ، لكن وجهه الصغير بدا محببا للغاية وقد احاطت به كتلة من الشعر الاسود المشعث . وافضل متا تمكن من قوله هو : ارى انه سيتمتع بشخصية مميزة .

بدا ان تعليقه سرّ جينا والنساء الاخريات اللواتى ضحكن تعبيرا عن موافقتهن . رمق مرلينا بنظرة فلاحظ نظرة اليأس فى عينيها . وخطر له على الفور انها لا تعتقد ان هذه الخطوبة ستستمر وتنتهى بالزواج بعد هذا الضغط كله من عائلتها . كانت تلهو بخاتمها وتديره يمينا ويسارا وكانها تفكر فعلا فى خلعه .

وجاء رد فعله سريعا ومن دون تردد ، فتحرك على الفور ليحيط كتفيها بذراعه ويوقف الحركه القلقة برفع يدها اليسرى وعرض خاتم الياقوت والالماس على النساء قائلا بابتسامة عريضة : لم تعتد مرلينا على وضعه بعد . اريد منكن ان تقلن لها كم يبدو رائعا فى اصبعها علّ توترها يخف .

قالت امها وهى تتقدم منها بسرعة لتعاينه بشكل افضل : مرلينا ! انه جميل !

ضحك انجيلو وقال : اترك مرلينا للنساء يا جايك . حان الوقت كى نشعل نحن الرجال النار ونشوى عشاء الاولاد .

قالت له ماريا : نعم ، نعم ، اللحم جاهز على الصينية يا انجيلو . فاخرجا من هنا .

وادرك جايك ان ما من خيار اخر امامه .

عليه ان يفعل ما هو متوقع منه .

وفيما لم يفكر مليا فى ما يتضمنه الزواج من مرلينا روسى ، الا انه كان واثقا من امر واحد .

لم يكن يرغب فى ان تخرج من حياته .

ليس فى هذه المرحلة ، وربما ليس فى مرحلة ىحقة .

اذ بدات تمثل كافة الامور الجيدة التى افتقدها .




****



انتهى الفصل الثانى عشر


الفصل الثالث عشر ( غدا ... يوم آخر )



**************



راقبت مرلينا جايك وهو يرافق والدها ويخرجا من المطبخ ، وقد ادهشها ان يعيد تعزيز ارتباطهما عبر لفت انتباه اسرتها الى الخاتم ، الذى اصبح محط الانظار والاعجاب حتى وهى تحاول ان تفهم تصرفاته .

لم فعل هذا ؟

علمت ان دانى وجو ضايقاه بتعليقاتهما عن عمله ، ثم زادا الطين بلة بحديثهما عن عملهما الخاص . لقد شعرت بانزعاجه وبانسحابه الذهنى ، رغم انه كان مهذبا بما يكفى لكى يخفى ذلك ويستفهم بلطف عن زراعة العنب ، مدعيا ان ارقام المبيعات التى يسجلونها اثارت اعجابه .

بدا ان التفاف الاولاد من حوله لم يزعجه . كما ان عادة لعب مباراة كرة قدم بعد حفل الشواء سلته لكنها كادت تموت حين راح والدها يتحدث عن انجاب الاطفال . وفى حين ان لا مفر من هذا الموضوع ، فهى تريد ان تصبح اما ، الا انها لم تشأ ان يثار الموضوع بهذه الصراحة مع جايك ... وتخيلت فكرة الزواج منها تنتقل مباشرة الى حلزونة الموت .

بعدئذ ، تشنجت كتفاه عندما احتضنته امها ، غازية بذلك مساحته الشخصية كقطار سريع . وقبيل ذلك ، لاحظته يتأمل النساء فى المطبخ ، ولعله كان يقارنهن بالنساء المحنكات اللواتى اعتاد عليهن . وكادت تسمع الاسئلة التى يطرحها على نفسه ...

هل ستصبح مرلينا بهذا الحجم الضخم بعد سنوات قليلة ؟

هل هذا ما يحصل عندما ترزق النساء الايطاليات بالاطفال ؟

على كل واحد بالطبع ان يمر بتجربة العناق \ القبل وقد تمكن جايك من ان يجتاز الامتحان . وبالنسبة الى رجل اعتاد على النساء النحيلات ، فقد تقبل عناق هؤلاء النسوة اللواتى تباين حجم احداهن عن الاخرى بتقدير لهذا الاستقبال الكريم ما جعل مرلينا تشعر نحوه بالامتنان . فى الواقع ، لم لم يخط اى خطوة خاطئة رغم وجوده فى ارض غريبة .

لكن ما يفكر فيه مختلف تماما وشعرت مرلينا بضغط التساؤل عما يدور فى خلده وفى قلبه . لاسيما حين اجبرته جينا على ان يتأمل ابنها . ومع تعليق والدها عن الطفل ، لابد ان عقل جايك راح يدور ويفكر فى الواجبات والمسؤوليات المرتبطة بالزواج من اسرة روسى .

ولعلها المرة الاولى فى حياته التى يرغب فيها بالفرار من غرفة مليئة بالنساء ، علما ان التواجد مع الرجال سيشكل ايضا لحظات مربكة . هل توقع منه احد فى يوم من الايام ان يساعد فى شئ اللحوم ؟ كان الامر بالنسبة الى مرلينا اشبه بالفرار من المقلاة بالقفز فى النار مباشرة .

كما لم تشعر هى ايضا بالارتياح . اذا اضطرت لرسم ابتسامة سعادة على وجهها فيما هى تعرض الخاتم المرصع بالماس والياقوت وترد على سيل من الاسئلة عن جايك وعن ارتباطهما . لقد تسارعت الامور وشكت فى ان يكون جايك قد خطا خطوة الزواج هذه من دون ان يعتبرها خطوة جدية .

وفى خضم هذا غالاضطراب العاطفى ، اقترحت عليها سيلفانا ان تساعدها فى تحضير اطباق المقبلات ، راغبة من دون شك فى ان ترضى فضولها الشخصى . لقد نجحت العملية الاخيرة التى اجرتها لعينيها ولم تعد تضع نظارات .

قالت بخبث : الان فهمت لما غيرت تسريحة شعرك وارتديت مثل تلك الملابس غير المحتشمة .

-كان هذا جزء من العمل يا سيلفانا .

ما ذكرها بان فكرة البحث عن عمل جديد غابت عن بالها كليا وان عليها ان تتخذ قريبا جدا بعض القرارات حول مستقبلها .
عنفتها سيلفانا : هيا ! رجل رائع كهذا ! اراهن على انك وقعت فى غرامه على الفور وكنت مستعدة لفعل اى شئ لارضائه .

اوشكت ان تقول ان الامور لم تسر على هذا النحو ، لكنها عادت وابتلعت كلماتها عادت وابتلعت كلماتها ، مدركة ان كلام اختها يتضمن بعض الحقائق : لعلك محقة . انجذبت اليه منذ البداية .

فقالت سيلفانا باعتداد : ومن لا يفعل ؟ ولابد ان العمل معه بصفتك مساعدته الشخصية اعطاك فكرة دقيقة عنه وفرصة اكبر . فما من شئ يضاهى الاحتكاك الدائم للفت انتباه الرجل .

رحيلها من العمل هو الذى دفع جايك لملاحقتها فضلا عن غضبه وانزعاجه من ارتباطها بجده . لقد دفع الى ملاحقتها ، واستغلت هى الفرصة بسبب احباطها من تصرفاته . ارادا ان يربحا ، انما كان عليهما ان يمعنا النظر فى معنى الانتصار والربح فى حال جاءت النتيجة غلطة فظيعة .

وتابعت سيلفانا الضغط : متى ستتزوجان ؟

-لا اعلم . لم نتحدث فى الموضوع بعد .

-ستود الوالدة ان تعلم . لايمكنك الا تقيمى حفل الزواج هنا .

ازعجها ضغط اختها المتواصل فصرخت بها : توقفى عن فرض القوانين على . لن تقيدينى يا سيلفانا . انها حياتى وحياة جايك وسنتزوج عندما نرغب فى ذلك .

ساد الصمت فى المطبخ وتوقف العمل فيما التفتت الانظار اليها ... الى الثائرة التى غادرت العش ، بدلا من ان تستقر بين افراد الاسرة كما فعل الجميع .

شرعت الام تقول وهى تنظر الى ابنتها المتمردة بقلق : مرلينا ...

قالت معبرة عن قلقها المكبوت : ماما ، انا لست واثقة حتى من اننى اريد ان اتزوجه .

قطبت والدتها وسالت : لكنك تحبينه ، اليس كذلك ؟

-هذه ليست المشكلة !

لقد اهتممت بحياتك المهنية طويلا يا مرلينا ، وانت قلقة من ان تصبحى زوجة .

تمسكت بالقشة ، بعد ان شعرت بانها تغرق فى هذا الموضوع : نعم ، نعم ، فعلا .

هزت امها راسها : لهذا السبب بدا جايك قلقا من فكرة عدم احتفاظك بخاتمه .

-لا اعلم يا امى . لقد ... لقد فاجأنى به .

-انه رجل جيد يا مرلينا ووالدك يحبه . امنحيه بعض الوقت . لن ندفعك الى التخطيط .

واكتسها الارتياح : شكرا يا امى . فانا لست مستعدة للتخطيط .

-انت تبالغين فى التفكير يا مرلينا . يجب ان تتبعى قلبك مع جايك .

وسرت همهمات الموافقة فى المطبخ . واكتسح مرلينا سيل من التعليقات عن مباهج الزواج والامومة ، وعن الراحة الناتجة عن وجود رفيق يشاركك افراحك واحزانك ... الخ ... وتحول الاجتماع الى حفل مديح للزواج لم يتوقف الا عندما بدات باخراج الطعام المحضر الى الشرفة الخلفية حيث وضعته على طاولة كبيرة بانتظار ان ينتهى شي اللحم .

حاولت مرلينا ان تعمل بنصيحة امها والا تكثر التفكير . الا انها لم تندم على ثورتها فى المطبخ ، اذ اصبحت اسرتها على علم بان هذا الارتباط قد لا يدوم ، كما لن يعرض على جايك مجموعة من الخطط لتنظيم الزفاف . فى الواقع ، بدا ان امها تحدثت على انفراد الى ابيها عن اعصاب ابنتهما العزباء .

بدا ان اندفاعه خف نسبيا على العشاء ، وعندما حان وقت شرب نخب الطفل الجديد والخطيبين ، لم يذكر انه يتطلع قدما لمزيد من الاحفاد كما لم يقترح وضع خيام لحفل الزفاف فى ملعب كرة القدم .

وحاز جايك على الاهتمام والرعاية . اما مرلينا فعوملت بحذر .

يبدو ان والدها لا يرغب فى ان تتحول ابنته الفارّة الى عروس فارّة .
بدا جايك فى مزاج حسن ، اذ راح يبتسم ويضحك ويشارك فى الاحاديث العامة ، مصغيا بانتباه الى ما تقوله الاسرة . اما تحت الطاولة ، فكانت ساقه تلتصق بساقها ليعلمها بمدى شوقه اليها . ودت لو تجلس معه على انفراد وعلمت انها لا ترغب فى التخلى عما لديهما ، لكن ان لم يكن الزواج بالمعنى الحقيقى للكلمة يناسبه ، فعليها ان تقطع علاقتها به .

وبعد العشاء ، اختار روزا وجيتارو فريقيهما وتحرك الجميع نحو الملعب لبدء المباراة . كانت النتيجة تعادلا بثلاثة اهداف للفريقين فى الشوط الثانى حين امسك جايك بالطابة ومررها الى روزا التى كانت تنتظر وكلها امل فى موقع جيد قرب مرمى الفريق الاخر ، ركض اثنان من الصبية لياخذا الطابة منها لكن جايك قطع عليهما الطريق ورفعهما على كتفيه فيما راحا يقاومان للتخلص من قبضته .

ومنح هذا روزا الوقت اللازم لتدفع الكرة وتركلها فتصيب شباك الفريق الاخر . وفى غمرة سرورها لتسجيلها هدفا ، رفعت بلوزتها الى الاعلى ثم مدت ذراعيها نحو الاعلى وراحت تركض وهى تصرخ كأنها فازت لتوها ببطولة العالم . غرق الكل فى الضحك وتخلوا عن اللعب بعد ان راوا ان ما من هدف اخر يمكن ان يماثل هذا او يتفوق عليه . اما جايك ، بطل روزا ، فحملها على كتفيه ودار بها احتفالا بهذا الانتصار .

اعلنت روزا : ساختارك دوما ضمن فريقى يا جايك .

وخطر لمرلينا ان " دوما " كلمة كبيرة اخرى .

رد جايك : ساحاول ان اكون هنا من اجلك يا روزا ، لكنى قد لا اتمكن من حضور حفلات الشواء العائلية كلها ، فسيدنى بعيدة جدا .

نعم بعيدة وكانها فى عالم اخر .

ولابد ان يدرك جايك هذا كما تفعل مرلينا ، لكنه ابتسم لها وقال وكأنه يعنى كلامه : كان هذا مسليا .

ارادت بشدة ان تحظى به لنفسها قليلا ، فيمضيان بعض الوقت معا بحيث لا يضطر الى الاستمرار فى التظاهر بانه يمضى وقتا مسليا مع عائلتها . ان كان يتظاهر فعليها ان تعلم ، فهى لا تستطيع احتمال هذا التشوش اكثر . ان مواجهة الحقيقة افضل بكثير ، حتى وان كانت مؤلمة .

وبما ان يوم الغد هو يوم دراسة ، انتهى الحفل فى وقت باكرا نسبيا كى يتمكن الاولاد من الحصول على قسط من الراحة . انتهى هذا اليوم الطويل ، وصبغ الشفق السماء بلون ارجوانى جميل . وساهم الكل فى جهود التنظيف قبل ان يغادروا . لم يطل الواداع مع ان الجميع عبروا عن فرحتهم وسرورهم بلقاء جايك وتمنوا له ولمرلينا السعادة معا . تشنج وجهها لشدة ما حاولت ان تحافظ على ابتسامتها العريضة ، وتساءلت ان كان جايك يتمنى رحيلهم بقدر ما تتمناه هى .

ومن سخرية القدر ان امها قررت ان تلعب دور كيوبيد اله الحب ، فقالت فيما كانوا يقفون على الشرفة الامامية ، يلوحون لاخر السيارات المغادرة : لمِ لا تاخذين جايك فى نزهة الى الكروم قبل ان يحل الليل يا مرلينا ؟

فاجأها ان والدها ساند هذا الاقتراح ، وقال موجها حديثه الى جايك : لم تعد الكروم مزهوة حاليا ، لكن النزهة لا تزال جميلة . لن يتسنى لكما الوقت لزيارتها غدا صباحا ، اذ عليكما ان تصلا الى المطار قبل نصف ساعة من موعد اقلاع طائرتكما عند الساعة السادسة وخمس واربعون دقيقة .

شبك جايك ذراعه بذراعها ، وقال بلهفة وقد التعت عيناه لهذه الفرصة : فلنذهب .

وسارعت امها تقول : لن ننتظركما يا مرلينا . انت تعرف غرفتك يا جايك ، اليس كذلك ؟

-نعم ، شكرا لك . ارانى اياها داين فى وقت سابق .

-حسن ، اتمنى لكما نوما هنيئا .

ردت مرلينا بسرعة : شكرا يا امى . تصبح على خير يا ابى .

فقال والدها وهو يحتضن امها ليتوجها معا الى داخل البيت : ليت الشباب يعود ، اليس كذلك يا ماريا ؟

فردت بنبرة حملت معنى مبطنا ماكرا : تظن انك لا تزال شابا يا انجيلو .

ضحك جايك لهذا التلميح فيما قادته نحو الجهة الجنوبية للمنزل الجهة المقابلة للكروم . سالها والضحكة لا تزال فى صوته : كم يبلغ عمر والدك ؟

-اربع وستون سنة .

ضحك مجددا وعلق : جدى يظن انه لا يزال شابا وهو فى الثمانين .

وحرك ذكر جده عش دبابير فى ذهن مرلينا ، فقالت على الفور : ثمة فرق واحد كبير . فوالدى مخلص لوالدتى وهو لن يتركها يوما من اجل امرأة اخرى .

واخذت نفسا عميقا قبل ان تضيف موضحة رغبتها وحاجتها : اريد ان يكون شعور زوجى حيالى مماثلا لشعور ابى يا جايك .

قال بسهولة وكأن الامر لا يعنيه شخصيا : افهمك .

سارا فى الدرب المؤدية الى الكرم . حاولت مرلينا ان تكظم غيظها من رده لكنها لم تتمكن من كبح رغبتها فى الكلام طويلا ، فقالت بحماسة : لا اريد ان اتزوج فيما شرط الطلاق مسلط كالسيف فوق راسى .

وجاء الرد المغيظ : اتفهم هذا ايضا .

لم يات هذا الرد بشئ من ايجابى بالنسبة اليها وفقدت الامل فى ان تستمر علاقتهما مهما كان نوعها . فهذه العلاقة ستمزقها فى النهاية لانها تريد ما لدى والديها واخوتها واخواتها فيما جايك غير مستعد للالتزام بهذا الطريق .

اجبرت نفسها على ان تقول : من الافضل ان نوقف هذا فى الحال .

كلماتها هذه حطمت فؤادها لكنها شعرت بحاجة ملحة لان تقولها .

-نوقف ماذا ؟

جمدت مكانها بعد ان رفضت قدماها التحرك بسبب عدم احساسه هذا الذى يثير الحنق . سحبت يدها من يده واستدارت لتواجهه . وبالرغم من ان الشفق مازال يضئ السماء ، الا ان النباتات المتعرشة فوقهما جعلت المكان مظلما ما حال دون قدرتها على قراءة التعبير المرتسم على وجهه .

-لقد قابلت اسرتى واصبحت تعرف ما هو عليه وانا واحدة منهم . لذا ، لا تدعى انك مازلت تريد ان تتزوجنى .

وقف وقفة مستعدة وشعرت بأنه ينظر اليها نظرة جادة . سالها بهدوء : لمِ تظنين اننى ادعى ؟

صرخت وهى تلوح بيديها راسمة الصورة التى تفسر اصراره : لانك لم تتم ربحك لما تريده . تريد ان تبقى على علاقتك بى ، وتريدنى ان اعود الى العمل معك . رتب حياتك كما يحلو لك .

-اهذا هو رايك بى ؟

عكست نبرته شعورا بالالم ما زاد من استيائها .

-انها غلطتى . اعلم انها غلطتى . لقد جلبت هذا على نفسى ، بمشاركتى فى تلك اللعبة السخيفة والغبية مع جدك . انا اسفة لانى فعلت هذا . اسفة لانى بدات بدحرجة كرة الثلج هذه . كان على ان ارحل بدلا من ....

اكمل جملتها كتقرير لامر واقع : بدلا من ان تخرجى من قالب الحلوى لتتحدينى اسلوب حياتى كزير نساء .

-نعم .

شعرت بالارتياح لانه فسر الوضع بشكل سطحى ، ولم يبحث بعمق ليكتشف دوافعها ... ليكتشف رغبتها الجنونية فى ان تجعله يرغب فيها ويندم على انه لم يفكر فيها قبل فوات الاوان وخروجها من حياته .

-وقرارك الزواج من جدى ؟ اكان محاولة لاغاظتى ايضا يا مرلينا ؟
هزت راسها بالم معترفة بذنوبها : ما كنت لاتزوج بايرون ابدا . رد ... ردود فعلك على انكارك اى علاقة لى بك سلته واضحكته ، فاراد ان يستمر باللهو ليرى كيف تتصرف . بدا جليا ان ثمة ... مسائل ... عالقة بيننا ، و ...

-وجاريته فى خطته لان ...

-لانى اردت ...

لم تستطع ان تنطق بالكلمة . منعتها كبرياؤها من الاعتراف بانها احبته منذ وقت بعيد ، وانها تاقت لان يدرك انه يحبها ايضا . لكن الامر لم يكن على هذا النحو ، فالرغبة لا علاقة لها بالحب الابدى . وشددت بعنف على الكلمات التى استخدمتها : نعم ، اردت ان اغيظك . خدعتك ، واحتلت عليك وسخرت منك ... لهذا السبب ، رحيلك الان مبرر جدا . لننهى المسالة الان . ارجوك ؟

غمغم وهو يتقدم منها ويضم جسدها اليه : ايتها الكاذبة الصغيرة ! اردتنى ان اهتم ، ان اتى اليك . اردت هذا !

وعانقها بشغف غاضب ، تدفعه اليه رغبة فى السيطرة عليها وفى جعلها تستسلم قلبا وقالبا .

وتجلى غضبها بتجاوب شرس فيما راح عقلها يصرخ بها بان ما تفعله خطا ، لكنها لم تستطع ان تكبح مشاعرها او ان تبتعد عن هذا الرجل الذى سيطر على حياتها .

همس : لا يمكنك ان تنكرى هذا التجاذب بيننا يا مرلينا .

لا ، لا يمكنها ذلك ، لكنها ارادت بشدة ان تسمع كلاما من نوع اخر . وبتنهيدة ثقيلة ، اخفت وجهها فى عنقه تتنشق عطره ، متمنية لو ينتميان الى بعضهما البعض بكل ما للكلمة من معنى .

وتابع يقول بنبرة ساخرة : اما بالنسبة الى ارتباطك بجدى ، فادركت انه مجرد خدعة بمجرد ان التقيت اسرتك بعد ظهر اليوم . من المستحيل ان تقدمى جدى لهم على انه عريسك . انا مقبول اكثر كصهر .

سخرت منه : هذا لانك بذلت جهدا كبيرا . انت لا تتناغم مع عائلتى ، على المدى الطويل ...

ثم رفعت راسها ونظرت الى عينيه مباشرة وتحدته قائلة : ... لكنك لا تفكر فى المدى الطويل ، اليس كذلك ؟ كل ما فعلته منذ جئت الى منزل جدك تلك الليلة ... يتعلق بالفوز والانتصار ، تسجيل الهدف . الا ان هذه اللعبة ينبغى الا تصل الى حد الزواج لان هذا يعنى ان اللعب غير عادل . على الاقل بالنسبة الى يا جايك . ولهذا ينبغى ان نتوقف .

لم يسارع للاجابة . وشعرت به مرلينا يقيم حجتها فيما عيناه لم تفارقا عينيها وقد بدا مصمما على ان يصل الى ما هو ابعد من رايها فيه ، ليجد نقطة ضعف تمكنه من مهاجمتها . رفع يده وابعد غرتها بلطف عن جبينها وكانه يريد ان يجد طريقه نحو عقلها .

قال بنبرة هادئة : احب عائلتك يا مرلينا . احب العلاقة التى تربطكم ببعضكم البعض . انها جيدة . لمَِ انفصلت عنهم وابتعدت ؟ لمِ اخترت العمل فى سيدنى ؟

سؤاله هذا فاجاها فردت من دون تفكير : اردت ان اعيش حياتى على طريقتى . بدا لى افق العيش هنا ضيقا جدا ، محددا جدا . فى مراهقتى كنت اجد الحياة هنا سخيفة ومحبطة .

-اردت ان تطيرى بجناحيك .

-نعم .

-لكنك لم تكملى الدورة يا مرلينا ، وقد تبين لك ان ما تريدينه هو ما لديهم ... الروابط الاسرية الوثيقة ، الانتماء الى بعضهم البعض ، الاهتمام والرعاية والمشاركة ، الامان لعلمك بان لديك من تلجاين اليه فى السراء والضراء .

وافقته الراى وقد شعرت بالارتياح لانه فهم موقفها رغم انه لم يربط نفسه به : انها امور جيدة .

واردف يقول : لم اعش يوما فى كنف اسرة كاسرتك . فانى لى ان اتناغم معها منذ اللقاء الاول يا مرلينا ؟

كانت تعلم ان هذا مستحيل . فهو ليس ايطاليا ، وحياته الاسرية مفككة ، ما جعله يفقد الثقة فى اى ارتباط وفى استمراريته . واستنتجت انه حاول طوال حياته ان يتجنب اى ارتباط جدى وعميق باى كان .

على اى حال ، لن يتعرض لاى نكسة عاطفية اذا ما ابقى مشاعره مكبوتة ، ومضبوطة ، وهذا ما اعتاد ان يفعله . وها هو يتعرف الان الى عائلتها التى لاتتردد فى اظهار عاطفتها والتعبير عنها ، عائلتها التى يعتبر كل فرد فيها نفسه معنيا بالاخرين . هذا التناقض بين الطرفين جعلها تتساءل كيف تمكن من ان ينسجم معهم كما فعل .

قالت بصدق : علىّ ان اقول انك واجهت التحديات بنجاح . وانا ممتنة لك لانك ... لانك جعلت الامسية امسية سعيدة يا جايك . اعلم انها كانت مصدر توتر فى بعض الاحيان .

-فى البداية فقط يا مرلينا . تطلب الامر منى بعض الوقت لاقدر صلابة ما نشات عليه . ويمكننى الان ان اقدر قيمة ما
تسعين اليه .

-لكن هذا الدرب ليس دربك ؟

عكست كلماتها مدى حزنها . واغروقت عيناها بالدموع فاشاحت بنظرها عنه لئلا يرى دموعها او يشعر بالياس الذى تخفيه . عادت تنظر الى البيت الذى يمثل البيت الذى تود ان تبنيه مع جايك ، فتسارعت دقات قلبها حزنا .

قال بنعومة : انا هنا معك ، حيث اريد ان اكون .

حتى الساعة !

-ولا اريد ان ينتهى ما بيننا .

ليس الان ، فالملل لم يساورك بعد !

وانت ايضا يا مرلينا لا تريدين هذا .

ومنعتها الغصة فى حلقها من ان تتكلم .

امسك بذقنها وادار وجهها نحوه مجددا . اخفضت مرلينا اهدابها بسرعة لئلا يرى الحقيقة فى عينيها ورغبتها الشديدة فى الا ينتهى ما بينهما . عزز هذه الحقيقة بعناق بدا كالحب ، عناق آسر بنعومته واهتمامه ما جعل اى مقاومة خيارا مستحيلا .

لم تبال اذا كان هذا جزء من لعبة – مخطط وضعة جايك بهدف ابقائها مرتبطة به فى المستقبل القريب على الاقل . ارادت ان تنغمس فى الشعور الذى يثيره ... حبه لها ورغبته فيها . يمكنها ان تسمح لنفسها بهذا القدر منه ولو الليلة . غدا يعودان الى سيدنى ، ستنفصل عنه .

غدا ... عندما ستتمكن من التفكير بشكل واضح ومنطقى مجددا .




****



انتهى الفصل الثالث عشر .

الفصل الرابع عشر ( وخرج من حياتها )



*************


اوصلهما والدها الى المطار فى سيارته الالفا المحبوبة . قال لجايك بشكل محدد : انها سيارة عائلية جيدة جدا .

لايزال الاطفال فى بال انجليو روسى ، ما جعل هذا الموضوع يشغل بال مرلينا مجددا .

جلست والدتها قرب والدها بعد ان قررت مرافقتهم رغم ان الوقت مبكر جدا . بدا تصرفها هذا دعما جليا لهذا الزواج كى يكتمل . وعند وصولهم الى المطار ، احتضنت مرلينا وهمست لها : احتفظى بهذا الخاتم يا مرلينا وعالجى المشاكل مع جايك . فانت لم تعودى شابة .

ما يعنى ان جايك قد يكون املها الاخير لتلعب دور المرأة الحقيقي والمناسب .

واحتضنته هى ايضا ، فلم يكتف بالخضوع مسرورا وحسب بل قبل وتالدتها على خديها ، معتمدا الطريقة الايطالية من دون اى مشكلة .

ناشدته : ستعتنى بابنتى يا جايك ، اليس كذلك ؟

فوعدها : سافعل يا ماريا .

لقد منح والداها مباركتهما لهذا الاتحاد ، ما اقنع مرلينا بوجوب اعطائه مزيدا من الوقت ، وبعدم الاستعجال فى اتخاذ قرار قطع العلاقة . الليلة الماضية قال جايك انه لا يرغب فى انهاء علاقتهما . لعله يحبها لكنه لم يدرك ذلك بعد . ودت لو تكون الامور على هذا النحو ... ودت ذلك الى حد انها لا ترغب فى ادارة ظهرها له فى هذه المرحلة .

وعندما ارتفعت بهما الطائرة ، فى طريق العودة الى سيدنى ، التفتت اليه وقالت : ساعود الى العمل معك يا جايك .

ارتسمت على وجهه ابتسامة سرور : عظيم !

ومد يده ليمسك بيدها مضيفا : لا يمكن لاحد ان يحل مكانك يامرلينا . المساعدة المؤقتة التى اخترتها تمكنت من اثارة اعصابى سريعا .

-انها شقراء نحيلة .

-فجاة ، اصبحت اهوى النساء ذوات الشعر الداكن ، والجسم الممتلئ .

رفعت حاجبيها : انه تغيير جذرى يا جايك .

تراقصت عيناه مكرا : لقد ولدت من جديد . او لاكون اكثر دقة ، شعرت بالحياة من جديد ، وهو شعور جيد جدا . فى الواقع ، بالكاد استطيع ان انتظر لاختبر الامر مجددا .

حاولت ان تغير الموضوع ، فقالت : اتعلم انى لم اقابل اصدقاءك ابدا ، كما لم تقابل انت اصدقائى .

اقترح وقد سره ان يجاريها : حسنا ، سنظهر على الساحة الاجتماعية فى نهاية الاسبوع المقبل . حاولى ان ترتبى الامر مع اصدقائك وساحاول ان اتصل باصدقائى لنجتمع فى ما تبقى لنا من وقت .

تبقى من اجازتها حوالى اربعة اسابيع ، لكن اذا ما استغلتها فهذا يعنى ان تبقى بعيدة عن جايك معظم الوقت . ابتسمت له : لن اعود الى العمل قبل الاسبوع المقبل . سانقذك من التعامل مع بديلتى وان كنت ستضطر لدفع تعويض مالى لها .

اعلن بنبرة ارتياح : ما من مشكلة ! كما يمكننى ان اتصرف معها بشكل متمدن بعض الشئ اذا ما اقتصر الامر على بضعة ايام . ما الذى تنوين فعله خلال هذا الاسبوع ؟

بدا غريبا ان يتحدثا عن نشاطات لا تتعلق بالعمل ، فهى لم تفعل هذا قط من قبل . على اى حال ، لم يمر يومان كاملان على انتهاء علاقتهما المهنية البحتة كموظفة ورب عمل ، كما ان لقاء عائلتها شغل معظم هذا الوقت . وها هما الان وحدهما ، يتوجهان نحو ارضِ مجهولة .

هل ستتناغم حياتاهما بسهولة ام سيواجهان عقبات عدة تجعل المشاركة صعبة ؟

نصحتها امها بان تمنح ارتباطهما بعض الوقت ، وان تعمل على معالجة المشاكل .
كانت عائلتها عقبة كبيرة لكن جايك نجح فى تجاوزها . وقالت مرلينا لنفسها ان عليها ان تنفتح على تجارب مختلفة ايضا ولا تصدر احكاما مسبقة على طرق التسلية التى يختارها . ما من خطا فى ان يتسلى المرء بمواجهة التحديات ، فهى تستمتع بمواجهتها بقدر جايك .

فى الواقع ، وسعت علاقتها به افاق حياتها اكثر مما كان ليحصل لو طارت بجناحيها وحدها . لقد افادها من نواح عديدة ، فدفعها للاستمتاع بكامال طاقتها ، ما منحها ثقة كبيرة فى قدرتها على النجاح فى كافة الميادين كما انقذها من الوقوع فى مشكلة مع اهلها ، بعرض الزواج اولا ، ثم يتجنب اى خطا فى حفل الشواء اذ تجاوز اللحظات المربكة والمحرجة وسحر الكل بشخصيته . وهذا يعنى ان عائلتها لا تشكل عائقا امام علاقتها به . كما انه احب التواجد معهم ، ما اراحها الى حد كبير .

فى الواقع ، لم تكرهه يوما ، فشعورها نحوه مجرد احباط من مقاربته العابثة لكل ما يدور حوله ، بما فى ذلك هى .

لكنه لا يلهو بها الان ، وهى تحبه لكل ما فعله من اجلها ، تحبه لكرمه ، ولتحدياته الاستفزازية ، وحتى ميله الفظيع الى الازعاج .

الا انها تحتاج لجواب على مسالة الاطفال التى تهمها كثيرا . لم يعطها جايك الرد الذى ترغب فى سماعه ، بل قال انه يتفهم رغبتها فى تكوين اسرة ، لكنه تهرب حتى الساعة من اى التزام بالابوة . هل الوقت مبكر لاثارة هذا الموضوع ؟ ما يربطهما الان جديد جدا . ربما عليها ان تمنح هذا الموضوع الحساس بعض الوقت ايضا .

ما ان حطت الطائرة فى ماسكوت حتى اتجها سريعا نحو مرآب السيارات ليخرجا الفيرارى ويتوجها الى شاتشوود . وجودهما معا فى السيارة الرياضية ، بعيدا عن الناس ، اشعرهما بالحميمية . ولم تستطع مرلينا ان تمنع نفسها من استراق النظر الى يدى جايك اللتين تتحكمان بالمقود وتعدلان السرعة .

لم ينطقا باى كلمة .

عندما توقفت السيارة عند الاشارة الضوئية الحمراء ، رمقها جايك بنظرة ذابلة عكست بوضوح ما يتوقعه ويينتظره . وخطر لمرلينا ان عدم الحاجة الى ادعاء عدم المبالاة امر رائع ، فمشاعرهما حقيقية ومتبادلة .

ركن جايك السيارة قبالة شقتها ، فسارعت للترجل حاملة مفتاحها بيدها . اخرج جايك حقيبتها من صندوق السيارة ولحق بها فيما كانت تفتح الباب . وضع الحقيبة فى غرفة الجلوس واقفل الباب قبل ان ياخذها بين ذراعيه . تعانقا وضحكا للجنون الذى تملكهما ، جنون المشاعر الجارفة التى تئز بينهما .

الا ان الشكوك والمخاوف عاودتها وتعاظمت فى داخلها لتدفع بالمشاعر جانبا وتحل محلها . ارتجفت وحاولت الابتعاد عنه فسالها : ما الخطب ؟

ردت بصراحة ووضوح : نحن .

قطب عاجزا عن فهم ما تقوله .

قالت بلهجة اقرار امر واقع وليس سؤال : انت لا ترغب فى الانجاب يا جايك ، اليس كذلك ؟

رد على الفور : انا لم اقل هذا يا مرلينا . الوقت لا يزال مبكرا وحسب . سنفكر فى المسالة بعد الزواج .

سخرت من كلامة : كم من الوقت سيتطلب التفكير فى الامر ؟ سنة ؟ سنتان ؟ خمس سنوات ؟ عشر سنوات ؟ حتى اصبح عجوزا فلا اتمكن من تاسيس الاسرة التى اريد ؟

ناقشها : مسالة التخطيط لبناء اسرة ، مسالة حساسة .

-لقد بلغت الثلاثين من عمرى يا جايك . ومن وجهة النظر الاحصائية ، بدا العد العكسى لامكانية ان انجب اطفالا اصحاء . وكلما تاخرت كلما زادت امكانية انجابى لطفل صاحب اعاقة .

اعترض على كلامها وكانه غير منطقى : لكن بعض النساء فى ايامنا هذه ينجبن وهن فى الاربعين .

-انهن نساء يرغبن بشدة فى الانجاب قبل فوات الاوان ، وغالبا ما يخضعن لعلاجات طويلة ليحملن . لا اريد ان اجد نفسى فى هذا الموقف .

-حسنا .
وقطب مجددا ، اذ لم يعجبه هذا الحوار على الاطلاق .

تنهدت لتخفف الضيق المؤلم الذى تمركز فى صدرها . حلم الزواج بجايك انتهى ، فهى لم تعد تستطيع ان تحتمل .

وقالت بعد حين : انت تعتبر الانجاب عبئا ، وليس حياة جديدة رائعة تجمعنا معا . حياة لنرعاها معا ونكون جزء منها ، فنشارك الطفل رحلته ومغامراته وتحديات كل تجربة جديدة يمر بها . على غرار تسجيل روزا لهدفها الاول .

وصمتت لحظة وقد ملا الحزن قلبها كحمل ثقيل : اتظن انها لم تكن لحظة رائعة لوالديها ؟

امال راسه يفكر فى كلامها : لم افكر على هذا النحو . لكنى لا اعتبر الانجاب عبئا بقدر ما اعتبره مسئؤولية يا مرلينا . الابوة مسالة لا تؤخذ باستخفاف او عدم مسؤولية .

-هذا صحيح . الابوة تتطلب التزاما تاما . واشعر بانك لا تتمتع بهذا الالتزام فى قلبك .

رفع يده محتجا : لا تستعجلى الامور ودعيها تاتى بشكل طبيعى .

لم تستطع ان تلزم نفسها بتصديقه . انها محاولة لتاجيل الموضوع ، فوبخته قائلة : حسنا ، حين تشعر انك جاهز ، اعلمنى .

وابتعدت عنه ثم توجهت نحو الباب ، فسالها : ماذا تفعلين ؟

-اريدك ان ترحل الان .

-لا يمكن ان تعنى حقا ما تقولينه .

-بلى . انى اعنيه تماما .

-مرلينا ...

وراح يتقدم منها وقد رفع يديه مناشدا ، فيما بدت عيناها ملتهبتين .

التفتت نحوه وقالت بشراسة : انا اعنى ما قلته ! ولا تقترب منى يا جايك !

ووقف جامدا لشدة دهشته .

خرج الكلام الدفاعى من فمها كالسيل الجارف : كل هذا الوقت الذى امضيته وانا اعمل كمساعدة شخصية لك ... حولك الى هوس عندى . هذه هى الحقيقة . هوس ! لم استطع ان اخرجك من عقلى . اصبحت محور احلامى وعندما جئت من اجلى الى منزل جدك ، اردت ان تتحول هذه الاحلام الى حقيقة . لكنى اواجه الان الحقائق يا جايك ، ولن ادع الاحلام تعمينى مجددا .

-ما نشعر به معا ليس حلما .

-لكنه لا يتطلب اى التزام ، اليس كذلك ؟ انا لست مختلفة عن اى امرأة اخرى عرفتها .

اصر بشدة : لكنك مختلفة !

-اثبت لى ذلك اذن . خذ ، استعد خاتمك .

ونزعت الخاتم من اصبعها وقدمته له ، فيما راح صوتها يرتجف وهى تضيف : هذا الخاتم لا يعنى شيئا الا اذا التزمت بانشاء اسرة معى . اذهب وفكر فى الموضوع يا جايك . خذ الوقت الذى يلزمك ، لكن لا تقدمه لى مجددا الا اذا ترافق مع التزام تام لانى لن اقبل باقل من هذا .

-حسنا .

وانتزع الخاتم من راحة يدها من دون ان يضيف اى كلمة اخرى فيما وقفت مرلينا جامدة كالصخرة ، لا تجرؤ على الحركة .

انتهت اللعبة وقد خسر .

لكن الحقيقة المؤلمة هى انها خسرت ايضا .

رمقها بنظرة قاسية وطويلة قبل ان يقول : سافوز بك فى النهاية . لا تظنى انى لن افعل يا مرلينا روسى .

فخطر لها بالتصميم الشرس نفسه الذى عكسته كلماته : بشروطى فقط .

رمى الخاتم المرصع بالماس والياقوت فى الهواء ثم عاد والتقطه فى حركة تملك شرسة قبل ان يتوجه الى الباب ويخرج من الشقة ، وعلى الارجح من حياتها .



****



انتهى الفصل الرابع عشر

الفصل الخامس عشر والاخير

( ما من خير )



*********



ومرت الايام ...

ولم تسمع اى خبر عن جايك .

حاولت مرلينا ان تعيد حياتها الى المسار الذى حددته لها عندما قررت ترك عملها فى الشركة . فالعودة الى العمل مع جايك مستحيلة بعد ذاك الانذار الذى اعطته اياه ، ولابد انه يدرك ذلك . ولهذا ، امضت الساعات امام شاشة الكمبيوتر تبحث عن وظيفة مناسبة . راجعت سيرتها الذاتية لكنها لم تكن تملك الشجاعة الكافية كى ترسلها . ليس بعد ...

وحلت عطلة نهاية الاسبوع .

وما من خبر من جايك !

هل يتوقع منها ان تستسلم وان تحضر الى العمل يوم الاثنين ، غير قادرة على مقاومة الرغبة الشديدة فى ان تكون معه مجددا ؟ قالت مرلينا لنفسها انها مصنوعة من مادة اقسى واصلب ، لكن الليالى مرت عليها اشبه بالجحيم حيث كانت تستلقى فى السرير لساعات وقد جافاها النوم .

حاولت ان تشغل نفسها طوال الوقت ، فتسوقت واتصلت بصديقاتها واجتمعت ببعضهن حيث استمعت الى ما يجرى فى حياتهن وتجنبت الاسئلة عن حياتها الخاصة ، وشعرت بالبؤس طيلة الوقت .

وحل نهار الاثنين ومضى .

وما من خبر من جايك !

يبدو ان من الممكن استبدالها بما انه لم يطاردها لتستعيد عملها كمساعدة شخصية له . حاجز الانجاب كان اكبر من ان يتمكن من تجاوزه ، ولم تكن مستعدة للتنازل . اذا اراد ان يلعب دور زير النساء لما تبقى من حياته فليسلك الدرب وحده .

نظفت شقتها ، رغبة منها فى ان يصل بها التعب الى حد النوم بشكل عميق عندما تستلقى فى سريرها . لكن محاولتها لم تنجح ، فالاضطراب العاطفى طغى على التعب الجسدى . وراود جايك احلامها .

وبدات تشك فى قرارها حين رات ان تاسيس اسرة خاصة بها اهم لسعادتها فى المستقبل من البقاء معه . لعلها لن تعرف اى سعادة فى المستقبل ، لا سيما وهى تتوق لان يكون جايك بجانبها . وهل سينتهى هذا يوما ؟

ماذا لو لم تكن حياتها طويلة ؟ قد تموت فى حادث او تصاب بمرض عضال . ما من شئ يضمن عدد السنوات التى ستعيشها . هل عليها ان تتمسك بما يمكنها ان تحصل عليه اليوم بدلا من ان تستمر فى التفكير فى الغد ؟ كانت تعلم انها تحب جايك وان عودته اليها لا تتطلب سوى اتصال هاتفى منها ، ما جعلها تعانى الامرين .

عندئذ ، سيفوز .

وهل هذا مهم فعلا ؟

وبقيت هذه الاسئلة المعذبة تدور فى ذهنها . وعندما رن جرس الهاتف مساء يوم الاربعاء ، ارتمت على السماعة وكانها قشة الخلاص ، آملة ان يكون المتصل جايك .

لكنه لم يكن جايك .

بل جده الذى نسيته تماما لفرط انشغالها بجايك .

-عزيزتى مرلينا ، كنت افكر فيك واتساءل كيف جرت الزيارة الى عائلتك .

تملكها شعور بالذنب : انا اسفة بايرون . كان على ان اطلعك على ما جرى .

فقال بنبرة متسامحة : انا واثق من ان امور عديدة كانت تشغل بالك . انها مجرد حشرية رجل عجوز ، غذاها واقع انى حرضت على هذا الارتباط مع حفيدى .

اعترفت بمرارة : اخشى ان هذا الارتباط لم ينجح يا بايرون .

-لا !
بدا مشدوها فيما هو يضيف : كنت واثقا جدا ... ماذا حصل ؟ الم تحبه اسرتك ؟

-هذه ليست المشكلة . لقد نال رضا الجميع ومباركتهم .

وكشرت وهى تضيف : انا هى المشكلة .

-ماذا تعنين ؟

-اردت اكثر مما كان مستعدا لمنحه . ليس تؤاقا للالتزام باسرة .

-اهذه هى العثرة ؟ امنحيه فقط بعض الوقت يا مرلينا . على اى حال ، انه يدرك انك امرأة من حديد خلافا لامه التى لا تتبع سوى اهوائها . عندما تتحملين مسؤولية ما تتحملينها حتى النهاية ، ومهما حصل عليه فقط ان يفهم هذا ويدرك انه يستطيع ان يثق بك كى ...

قاطعته صارخة : انا من لا يثق به بايرون .

-لا تثقين بجايك ! صدقينى يا مرلينا ، ان جايك رجل يحترم كلمته ، ولطالما كان كذلك . ولعل السبب فى ذلك يعود الى ان اولئك الذين كان ينبغى عليهم ان يحترموا كلمتهم ويحافظوا عليها لم يفعلوا .

-لكنه لم يقطع لى اى وعد ، بل اجل الموضوع الى وقت لاحق .

-حسنا ... قد يعود السبب الى ان احدا فى عائلتنا لم يخطط لمسالة الابوة . كان الحمل يحدث فتقوم المربيات برعاية الاطفال ثم يرسلون الى مدار داخلية ، حيث يتحمل مسؤوليتهم اشخاص اخرون . اميل الى الاعتقاد ان جايك سياخذ مسؤولية الابوة بشكل جدى جدا .

راح عقل مرلينا يحلل ما قاله بايرون للتو ، ويربطه بما حصل بينها وبين جايك . لقد شعر بان والديه اعتبراه عبئا عند الولادة ، ولم يتحمل اى منهما مسؤولية تربيته . كما لم يشاركوه اللحظات الهامة فى حياته . ان ولادة جايك وفى فمه ملعقة من ذهب لا تعنى انه حصل على كل ما يرغب فيه .

ماذا حصل لطفل لم يتلق الحب والحنان والرعاية ؟ هل حصّن جايك نفسه ضد الحاجة الى هذه العواطف ؟ فزير النساء لا يتالم ، وهو لا يتورط بما يكفى كى يتعرض للاذى .

لكنه تجاوز الخطوط التى وضعها لنفسه معها ، ووصل الى حد مقابلة اسرتها . كما انه احب تركيبة اسرتها . لابد انها كانت مفاجاة بالنسبة اليه . لكن ، وعلى الرغم من ذلك ، دفعته غريزته الى تجنب التورط فى مسالة الابوة . كان عليها ان تمنحه مزيدا من الوقت . لقد رحل غاضبا من انذارها .

الخوف من ان تكون قد فقدت ما كان لديها جعل صوتها يرتعش وهى تقول : لا اعلم الى اين وصل جايك فى هذا يا بايرون . قلت له ان يفكر فى المسالة لكنه لم يعد الى .

وتملكها الذعر حين ادركت انه ما كان عليها ان تخلع خاتمه من اصبعها ، وان تتحدث عن انه تحول الى هوس فى حياتها . يا لكبريائها الغبية ! كان عليها ان تقول له انها تحبه ، كان عليها ان تهتم اكثر بمشاكله وهمومه بدلا من ان تطلق الاحكام ، وتطرده ...

غمغمت بنبرة يائسة : لقد افسدت الامر كليا .

قال بايرون بلهجة مهدئة : لا ، لا ... انا واثق من ان جايك يفكر فى المسالة . قد تلعب الكبرياء دورا ، لكنه لن يتخلى عن ملاحقة ما يريده ، ولاشك لدى فى انه يريدك يا مرلينا .

تنهدت املة ان يكون كلامه صحيحا .

ونصحها بايرون : انتظرى بعض الوقت .

نظرت الى يدها اليسرى التى بدت لها عارية جدا ، فتذكرت فجاة ان خاتم بايرون لايزال فى كيس البازيلا فى الثلاجة .

دعاها قائلا : تعالى لتتناول الشاى معى عصر السبت . سنضع خطة جديدة ، فانا خبير فى مسائل الخداع كما تعلمين .

لم تعد ترغب فى التلاعب بجايك . وفكرة الخداع جعلت معدتها تنقبض اذ عليها ان تسوى الامور معه وتضع النقاط على الحروف بدلا من ان تخدعه مجددا .


واردف بايرون : سارسل لك السائق فى سيارة الرولز رويس الساعة الثانية . فهل انت موافقة ؟

انها فرصة كى تعيد له خاتمه الماسى الذى حثّ جايك على التعبير عن مشاعره نحوها .

ارادت ان تتخلص منه . ومهما حصل مع جايك فى المستقبل ، اذا ما حصل شئ ما ، فهى تريد ان تكون الامور واضحة وصريحة ومستقيمة .

قالت : نعم . الساعة الثانية موعد مناسب . ساتى بخاتمك معى .

-رائع ! اتكطلع قدما الى رؤيتك مجددا يا عزيزتى .

-شكرا يا بايرون .

انه رجل رائع حقا ! فهو لم يطلعها على خلفية جايك ودوافعه المحتملة وحسب بل علمت انه سيتصرف بلطف واهتمام بالغين يوم السبت . لعله سيزودها بمزيد من المعلومات المفيدة عن حفيده ، لكن . اذا ما وضع اى مخططات لاعادة المياه الى مجاريها بينها وبين جايك ، فلن تشارك فيها . وهذا قرار نهائى وحاسم .

ما من مكائد جديدة ...

ما من افخاخ !

اذا قدر لها ولجايك ان يكونا معا ، فينبغى ان يحصل هذا برغبة منهما وليس بسبب شخص اخر .

وام تسمع باى خبر منه يومى الخميس والجمعة ، ما يعنى ان صمته دام عشرة ايام . وها هو اليوم الحادى عشر يحل مع حلول صباح السبت . وهذا يعنى بالتاكيد انه لا يرغب فى انجاب اطفال . لذا ، عليها هى ان تقوم بخطوة لراب الصدع بينهما ، اذا ما استطاعت ان تقنع نفسها بالتخلى عن فكرة انشاء اسرة .

وفى محاولة لرفع معنوياتها قليلا ، ارتدت الفستان الاحمر والحزام الابيض لتلبى دعوة بايرون لشرب الشاى . وذكرها هذا الفستان بالطبع بخروجها مع جايك لشراء الخاتم المرصع بالماسى والياقوت . لكنها على اى حال ستتذكر كل ما جرى اذ ستناقشه مع جده .

وصلت سيارة الرولز رويس فى الموعد المحدد ، عند الساعة الثانية . واقلتها الى منزل بايرون . لاحظت فى الممر حافلة سياحية كبيرة ، فخمة ، بدت غريبة جدا وفى غير مكانها هنا .

سالت السائق ، غير مصدقة ان بايرون فتح منزله واراضيه للسياح : لم هذه الحافلة هنا ؟

وجاء الرد المتحفظ : علمت ان السيد بايرون سيحتاج اليها لوقت لاحق هذا المساء .

وخطر لمرلينا انه سيحتاجها على الارجح ليحضر ضيوفا ويقودهم الى حفل فى مكان ما . انه نوع من الامور المسلية التى قد يفكر بايرون فى القيام بها . وقررت الا تشغل بالها بهذا الموضوع مع وصولهما الى المدخل الرئيسى . ساعدها السائق على الترجل من السيارة فيما سارع رئيس الخدم الى فتح الباب الرئيسى ليرحب بها .

قالت بابتسامة عريضة بقدر ما استطاعت : مساء الخير يا هارولد .

-يسرنى ان اراك مجددا يا انسة روسى . السيد بايرون فى قاعة الاستقبال الرئيسية وساقودك اليه مباشرة .

-شكرا لك .

انحنى فى ايماءة تقدير معلقا : اسمحى لى ان اقول ان ثوبك الاحمر يليق بك تماما .

ردت وقد فاجاها الاطراء بقدر ما سرها : يسرنى ان تظن ذلك .

رافقها عبر المنزل تالكبير الى الغرفة حيث ينتظرها بايرون ، قائلا : اظن ان ارتداء اللون الاحمر يعتبر طريقة للتعبير عن الشخصية وعن الذات ، ومحاولة للفت النظر .

فقالت بمرح : على اى حال ، لن الوح بقطعة قماش للثور اليوم يا هارولد .

-اشك فى ان يكون ثمة حاجة الى ذلك .

واتسعت ابتسامته وهو يضيف : فنظر الثور مركز عليك .

-استميحك عذرا ؟

قال وهو يفتح الباب المزدوج باناقة : الكل بانتظارك .

رمقت مرلينا رئيس الخدم بنظرة حيرة وهو يدفعها الى الامام . وانحنى لها انحناءة طفيفة ، فادركت انه غير مستعد لتفسير كلامه . وهكذا ، دخلت الى الغرفة .

كانت مكتظة بالناس .

جمدت قدماها فى مكانهما . وانتفض قلبها فى صدرها .
بالكاد استطاعت ان تصدق ما راته عيناها .

كانت اسرة روسى باكملها مجتمعة حول جايك وبايرون . والداها ، اشقاؤها وزوجاتهم ، شقيقاتها وازواجهن واولادهم ، يبتسمون فى وجهها وكانها حفلة اعدت خصيصا كمفاجاة لها .

وهذا ما هى عليه فعلا !

كان جايك يحمل ابن ماريو وجينا بين ذراعيه .

وكانت روزا تتمسك باحدى ساقيه ... انه بطلها !

قال بايرون باسلوبة الساحر المعتاد : مرحبا بك يا عزيزتى . بما انك اقمت حفل خطوبة فى منزل والديك ، خطر لى ان نقيم حفلا اخر هنا .

والتفت الى حفيده ، مشيرا اليه ان يستسلم زمام الامور : لك حق الكلام يا جايك .

-شكرا لك يا جدى .

ونظرت عيناه الداكنتان الى عينى مرلينا قبل ان يتابع كلامه : بادئ ذى بدء ، هذا هو الدليل على انه ليس لدى اى اعتراض على ان ارزق بطفل . يمكننى ان اتعامل بشكل جيد مع الاطفال ويشهد على ذلك جينا وماريو .

سانده ماريو وهو يربت على ظهره : انه قادر على ذلك كقدرة البط على العوم .

-والاطفال يعرفون بالغريزة الراشدين الذين لا يحبونهم . ولا تواجه روزا اى مشكلة معى .

تدخلت روزا : انا اساند جايك .

فقال جيتارو لابنة عمه الصغيرة : سيساعدنى انا فى مباراة كرة القدم القادمة .

امرتهما والدة مرلينا : اسكتا .

اوما لها جايك براسه : بعد الزواج ، ساتعاون معك بشكل كلى فى مسالة الانجاب .

سمعت ضحكات مكبوتة فى الغرفة .

وتابع جايك كلامه : يقول والدك ان الزواج فى شهر ايلول يناسب الجميع ، شرط ان يناسبك هذا الموعد .

لم تجد مرلينا ما تقوله ، بعد ان اذهلها ما سمعته .

اما جايك فلم يعقه شئ عن الكلام ، فاردف : لا ادرى ما هو عدد الاطفال الذين ترغبين فى انجابهم ، لكنى اتصور ان بامكانك انجاب ثلاثة او اربعة قبل ان تبدا احصائيات المواليد الاصحاء باثارة قلقك .

اهو مستعد لانجاب ثلاثة او اربعة اطفال ؟

شعرت مرلينا بدوار لهذا الاستعداد الصادق للابوة .

-جمعت اسرتك هنا ليشهدوا على ما اقوله لك يا مرلينا ، واظنهم يثقون بكلمتى . ويبقى السؤال ....

وصمت ، مستجمعا طاقته لينفذ الى قلبها ثم اضاف : ... هل ستثقين بى ؟

شعرت بغصة فى حلقها . لقد تكبد الكثير من العناء ، فجلب اسرتها كلها من غريفيث ، ليثبت لها ان بامكانها ان تثق به وانه سيكون كما ترغب . شعرت بالخجل لانها حكمت عليه بهذا الشكل السئ ، ما جعل عيناها تغرورقان بالدموع . لكم اخطات حين لم تعطه مزيدا من الوقت ، وحين ربطت نفسها بنسائه الاخريات ، وحرمته من الحب الذى كان بامكانها ان تفصح عنه . فلا بد ان الحب هو الذى دفعه لتنظيم لحظة الحقيقة هذه .

اعطى الطفل لماريو ثم تقدم منها ، حاملا الخاتم الذى رفضته : انى اقدم لك هذا الخاتم مجددا يا مرلينا . فهى قبلت به ووضعته فى اصبعك ، مدركة انه يعنى كل ما ينبغى ان يعنيه لحياتنا معا ؟

تركز نظرها المشوش على الخاتم اللامع فى راحة يده المفتوحة . مدت يدا مرتجفة لتلتقطه ثم وضعته ببطء فى الاصبع الثالث من يدها اليسرى .
وتمكنت من ان تهمس فيما نظراتها تتعلق بنظراته طالبة منه العفو : شكرا لك . انا اسفة لانى لم اثق بك من قبل يا جايك .

فقال بصوت اجش وهو ياخذها بين ذراعيه ويضمها بشدة : مايهم هو الوقت الحالى .

اخفضت وججهها الذى غسلته الدموع فى كتفه فيما تعالى التصفيق وتجمعت اسرتها من حولهما ، مطلقة التعليقات السعيدة .

قال والدها : رجل جيد !

وعلقت امها : ولا تنزعى ابدا هذا الخاتم من اصبعك يا مرلينا .

وتدخل بايرون : اظن انه ينبغى ان اعين عريفا لحفل الزفاف . ما يذكرنى بان الشاى فى انتظارنا فى غرفة الطعام . تعالوا جميعا فلندع طيرىّ الحب هذين وحيدين . يمكنهما ان يحتفلا معنا عندما يصبحان جاهزين .

سمعتهم مرلينا يغادرون وسط تعليقات ضاحكة ، وسمعت الابواب تغلق ثم سمعت جايك يهمس : هل هذا يعنى انى فزت يا مرلينا ؟

اخذت نفسا عميقا لتهدئ مشاعرها المضطربة ، ثم رفعت راسها رغبة منها فى ان يرى انها تعنى كل كلمة تقولها : لن اشك بك بعد اليوم يا جايك . انه وعد منى .

رفع يدا ليمسح بحنان اثار الدموع عن خديها . بدت عيناه ناعمتين ودافئتين : انت مختلفة يا مرلينا . كنت مهووسا بك انا ايضا ، افتش دوما عن طريقة لاعرف الشخص الذى يختبئ خلف الحواجز التى وضعتها بيننا . اعلمتنى غرائزى انك تملكين شيئا اريده ، وعندما فتحت قلبك لى اخيرا ، تبين انه يلبى الحاجات التى لطالما دفنتها فى قلبى . انا اسف لانى احتجت الى وقت طويل كى ادرك الحقيقة . كل ما كنت واثقا منه هو انى لم اشأ لهذا ان يخرج الى العلن .

تنهدت بقوة : جايك ! كنت على وشك ان اتخلى عن فكرة انشاء اسرة . كل ما اردته هو ان اكون معك .

هز راسه : لن تكونى انت يا مرلينا ، وانا احب كل ما فيك . لا اريد ان اغير فيك شيئا . اى شئ ، اريدك زوجة لى ، واما لاولادى ، وشريكة لى فى كل تفاصيل حياتى .

وابتسم فظهرت الغمازتان عميقتين فى خديه : يمكنك ان تدعى شعرك يطول مجددا . اود لو تفعلى .

الحب ....

قال الحب !

واتت البقية لتثبت ذلك بالدليل القاطع .

امتلا قلب مرلينا سعادة وهى ترفع يديها لتعقدهما حول عنقه : وانا احبك ايضا يا جايك . ساترك شعرى يطول بقدر ما تشاء وسافعل ما بوسعى كى اجعل حياتنا معا رائعة .

راى جايك الشرارات الذهبية فى عينيها الكهرمانيتين وادرك انه لن يمل يوما من رؤيتها . مرلينا امرأة مميزة جدا ، اجمل حلم يمكن للرجل ان يحظى به ، لكنها حقيقية جدا ، جدا .

انها امرأته .

ضمها اليه اكثر ، يستمتع بقربها وبسماع قلبها يدق قرب قلبه ، معلنا حبه ، سابغا حنانه . وهذا ما تفعله مرلينا دوما 0
وادرك كم هو محظوظ لانه عرفها ، وكم هو محظوظ لانه نال ثقتها . ارادها ان تقوده على دربها ، درب ما كان ليرى انها الافضل لو لم تساعده ليكتشف ذلك ، درب تقود الى ما ينبغى ان يكون عليه البيت .

انها الدرب الصحيحة .

انها درب جيدة .

شعر مع مرلينا بسعادة لم يختبرها قط من قبل ، وما من عائق فى العالم يمكن ان يوقف هذه الرحلة التى سيقومان بها معا .

قال : لعبة الزواج والانجاب هى اكبر لعبة . سنواجه كافة التحديات وسنفوز . اتفقنا ؟

ضحكت وقد اضاء السرور وجهها الجميل وهى تجيب : سنلعب كفريق ... وحتى النهاية .

عانقها ، فبادلته العناق .

انهما يشكلان فريقا مميزا .

فريق لا يهزم .




****


تمت بحمد الله

الموضوع الأصلي: لن اكون لعبتك - ايما دارسي || الكاتب: lorry_jon || المصدر: منتديات همسات روائية

كلمات البحث

رواية، مصور، رومانسية، مترجم، احلام، عبير، عالمي، ابداع، قلوب، كوري



ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك




gk h;,k gufj; - hdlh ]hvsd hdlh h;,k


التعديل الأخير تم بواسطة حفصه ; 08-14-2014 الساعة 12:03 PM
lorry_jon غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-11-2013, 12:46 PM   #2

همسات دافئة
alkap ~
 
الصورة الرمزية همسات دافئة

  عَضويتيّ : 4
  تَسجيليّ : Mar 2012
مشآركتيّ : 32,647
مَلآذي :  القاهرة
 نُقآطِيْ : همسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond reputeهمسات دافئة has a reputation beyond repute
أنـٍُا :
منٌ : دولتي Egypt
مزاجي : مزاجي
 ﭠآﺑﻋﻧي: My Facebook My Twitter My Flickr My Fromspring My Tumblr My Deviantart
 
مشروبك   pepsi
قناتك mbc
мч ммѕ ~
My Mms ~
شكراً: 855
تم شكره 8,146 في عدد 2,547 مشاركات

Awards Showcase

افتراضي رد: لن اكون لعبتك - ايما دارسي

شكرا يا قمر علي الرواية ..
في انتظار المزيد من مشاركاتك الرائعة
همسات دافئة متواجد حالياً  
التوقيع


شكرا تماضر علي هديتك الرقيقة ..وشكرا dodyعلي التصميم الرائع


شكرا الجميلة ساندورة علي هديتك الرائعة التوقيع و الصورة الرمزية



شكرا نورسين اختيارك الرائع للتوقيع و شكرا سعد علي التصميم الرائع
رد مع اقتباس
قديم 05-08-2013, 05:57 PM   #3

فدوي علم الدين

  عَضويتيّ : 3166
  تَسجيليّ : May 2013
مشآركتيّ : 371
 نُقآطِيْ : فدوي علم الدين is on a distinguished road
شكراً: 0
تم شكره 0 في عدد 0 مشاركات
افتراضي رد: لن اكون لعبتك - ايما دارسي

17-3017-3017-30
فدوي علم الدين غير متواجد حالياً  
من مواضيعي
رد مع اقتباس
قديم 05-10-2013, 12:47 AM   #4

AHOOOOD

  عَضويتيّ : 546
  تَسجيليّ : Sep 2012
مشآركتيّ : 612
 نُقآطِيْ : AHOOOOD is on a distinguished road
شكراً: 0
تم شكره 7 في عدد 6 مشاركات
افتراضي رد: لن اكون لعبتك - ايما دارسي

يسلموووووووووووو
AHOOOOD غير متواجد حالياً  
التوقيع
رد مع اقتباس
قديم 10-15-2013, 07:34 PM   #5

بيبا

  عَضويتيّ : 4546
  تَسجيليّ : Oct 2013
مشآركتيّ : 599
 نُقآطِيْ : بيبا is on a distinguished road
شكراً: 0
تم شكره 0 في عدد 0 مشاركات
افتراضي رد: لن اكون لعبتك - ايما دارسي

روايه روعه يسلمو ايديكي
بيبا غير متواجد حالياً  
من مواضيعي
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
لعبتك, ايما, اكون, دارسى

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية

Bookmark and Share


الساعة الآن 12:26 PM

أقسام المنتدى

الأقــســـام الــعـــامــة و الثـقافـية | همسات الاسلامي | همسات العــــام | همسات للبحوث و المعلومات العامة | الأخبار الخفيفة | همسات للسياحة و السفر | الأقــســـام الرومـانســية | همسات رومانسية العام | همسات روايات عبير | روايات عبير المكتوبة | همسات روايات أحلام | روايات احلام المكتوبة | قلوب همسات الرومانسية | همسات للروايات الرومانسية المترجمة | همسات للقصص المترجمة القصيرة | ورشة عمل مشرفي المترجم | همسات للقصص الرومانسية المترجمة المصورة | همسات للاقترحات و الطلبات و المواضيع الجانبية | قسم خاص لهمسات الرومانسي | همسات للقصص و الروايات المنقولة | نبض المشــاعر | همسات للخواطر و الأشعار المنقولة | الأقــســـام الأســرية | همســات لتربية الطفل | همسات للاشغال اليدوية | همســات للديـكور | مطبخ همســات | همسات للرشاقة و الرجيم | همســات للطب و الصحة | كتب و مجلات الطبخ | استشارات فى الوصفات | اكلات لأشهر الشيفات | الاكلات الرئيسية | المعجنات والمخبوزات و البسكويت | للحلويات الشرقية و الغربية | السلطات والمقبلات | المشروبات والمربات | اكلات خاصة للاطفال | أقــســـام المكتبة الادبـية | همســات للكتب العـالمية | همســات للكتـب و المؤلفات العربية | مكتبة الطفل | قصص و مجــلات ديزني | ورشة عمل مشرفي قلوب همسات | الأقــســـام الفنـية | الأقــســـام الترفيهية | الأقــســـام التقنية | الأقــســـام الاداريــة | همسات للأفــلام | الافــلام العربية و المسرحيات | الافــلام الاجنبية | همســات للأغـاني و الموسيـقي | الاغـاني العربـية | English Songs | همســات للـدرامـا التركـية | همســات للـدرامـا الاسـيوية | الافــلام الاسيوية المترجمة للعربية | المسـلسـلات الاسيـوية المترجمة للعربية | همسـات للانـمي | مقهى همسات | ملـتـقي الاعضـاء | العاب خفيفة و مسابقات | همسـات لبـرامـج الكمبـيوتـر و الجوال | همسات الفوتوشوب و التصمـيم | ورشة عمل خاصة بفريق اميرات الابداع | همســات للألعـاب الالكترونية | الارشـيف | الشكاوي و الاقترحات | المشرفين | الادارة | ورشة عمل مشرفي المترجم المصور | روايات عبير الجديدة | افلام الانمي | اكلات للرجيم واطباق صحية | همسات للمسلسلات | المسـلسـلات العـربـية | المسـلسـلات الاجـنبية | الافــلام الهـنديـة | المحـذوفــات | الافــلام التـركـية | روايات عبير دار النحاس | روايات عبير دار ميوزيك و المركز الدولي | روايات عبير القديمة و مكتبة زهران | روايات عبير مكتبة مدبولى و دار الحسام | روايـات بوليسية عالمية | همسات للكتب العربية الحصرية | همسات للاخبار السياسية | سلسلة أحلام من 1 الى 100 | سلسلة أحلام من 101 الى 200 | سلسلة أحلام من 201 الى 300 | سلسلة أحلام من 301 الى 400 | سلسلة أحلام من 401 الى 500 | همسات للروايات الرومانسية المكتوبة | المكتبة الخضراء | قصص ديزني الاجنبية | همســات للكتب العـالمية الحصرية | الأنمى المترجم-ANIME TRANSLATOR | مسلسل ما ذنب فاطمة جول؟ | المسلسلات التركية | فعاليات رمضان | دروس رمضانية | كتب و مجلات الطبخ الحصرية | سفرة رمضان 1434 | ورشة عمل أميرات الرومانسية | أخبار الصحة و الطب | شروحات البرامج و الكمبيوتر | سلسلة ارسين لوبين | تعالوا نتعارف | تعالوا نتعارف | همسات الاخبارية | همسـات للتاريخ و الحضارة | همسات للتنمية البشرية | الاخبار الثقافية و الادبية | دورات و دروس التصميم | ملحقات برامج التصميم | تصميمات الاعضاء | همسات للموسيقي | انظمة التشغيل | برامج الحماية | برامج الفيديو و الصوتيات | طلبات واستفسارات الكمبيوتر | برامج المحادثة و ملحقاتها | برامج الصور و التصميم | ورشة الاسيوي | روايات باربرا كارتلاند | مجلة اميرات ديزني | قصص و مجلات وينى الدبدوب | قصص الاطفال المكتوبة | الأقــســـام الاجـنـبـية والـمترجـمة | قلوب همسات المصورة | ورشة عمل قلوب همسات المصورة | الدراما الاسيـوية المترجمة للانجليزية | القصص القصيرة المنقولة | القصص والروايات الطويلة المكتملة | همســات لتعليم الاطفال | الأقــســـام الأدبية من ابداع الاعضاء | همسـات للمانجا | Hidden Object Games | Puzzle & Match 3 Games | Action/Adventure Games | Dash/Strategy/Time Management Games | Tycoon/Build Games | ورشة فريق الفراشات | Harelquin English Manga | Shooter Games | مانجا One Shot | Racing Games | المسـلسـلات المدبلجة | الكتب الإسلامية | اجاثا كريستى | سلاسل روايات مصرية للجيب | سلسلة رجل المستحيل | سلسلة ملف المستقبل | سلسلة ما وراء الطبيعة | روايات زهور | روايات غادة | English Library | Romance | Action - Crime - Suspense | Paranormal - Horror | الدواوين والدراسات الشعرية | سلسلة اجمل حكايات الدنيا | دورة الوان ( منتهية ).. اعداد moony | منتدى الاقتراحات والطلبات والمواضيع الجانبية | ورشة عمل فريق الموج الأزرق | احتفال همسات روائية بعيد ميلادها الخامس | روايات عبير المكتوبة بواسطة فريق الفراشات | روايات أحلام المكتوبة بواسطة فريق الفراشات | همسات حب | منتدى الاقتراحات والطلبات والمواضيع الجانبية | رحلات إلى بلادنا العربية الجميلة | مــول همسـات روائية | مــول همسـات روائية | Forum Français | Romance | Drama et Humor Comedie | Action et Policier et Crime | كتب التنمية البشرية وإدارة الأعمال | Divers à Classer | Cuisine et Recette | تصميمات إسلامية | تصميمات عامة | روايات أحلام بصيغة txt ـ للقراءة بواسطة الجوال | روايات عبير بصيغة txt ـ للقراءة بواسطة الجوال | ورشة عمل للاشغال اليدوية | مجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية | همسات للصور | صور و توبيكات الماسنجر | فواصل وايقونات لتزيين المواضيع | صور المناظر طبيعية | همســات لنغمات الجوال | نغمات دينية | نغمات الزمن الجميل | نغمات حديثة | الموسيقي العربية | الموسيقي الأجنبية | همسات للاستشارات القانونية | القرارات الادارية | صور رومانسية | الاخـبار الرياضية | نغمات موسيقية | دار الأزياء و الأناقة | المسابقة الرمضانية 1434 | ورشة عمل همسات ميكس | همسات ميكس للمترجم | القصص الرومانسية المترجمة المصورة القصيرة | مملكة همسات الخيالية | ورشة عمل مملكة همسات الخيالية | سلسلة أحلام القديمة | اشهي الوصفات فيديو | فريق قلوب همسات الروائي | دورات تعليم الفوتوشوب | دورة تعليم فوتوشوب cs6..اعداد dody | قلوب همسات الزائرة المكتملة | فريق همسات السرية | عالم أدم | العناية والجمال | القصص الخيالية الرومانسية المترجمة المصورة | قسم للاقتراحات و المواضيع الجانبية | سلاسل الروايات الرومانسية المترجمة | سلاسل القصص الرومانسية المترجمة المصورة | همسات لطلبات الكتب | أدوات إصلاح الويندوز و تحسين أداؤه | احتفال همسات روائية بعيد ميلادها الاول | برامج الجوال | متصفحات الانترنت و برامج التحميل | ارشيف المصور | أخبار مصر | أخبار عربية و عالمية | روايات عبير الجديدة الحصرية | روايات عبير مكتبة مدبولى و دار الحسام الحصرية | ورشة خاصة | مجلس الادارة | ارشيف المسابقة الرمضانية 1434 | رمضان 1435هــ (2014م) | همسات روحانية | المسابقة الرمضانية 1435 | صحتك في رمضان | ورشة عمل رمضان | ارشيف قلوب همسات | قصص الليالى العربية الرومانسية المترجمة المصورة | القصص التاريخية الرومانسية المترجمة المصورة | همسات للكنوز الرومانسية المفقودة | ورشة عمل كنوز رومانسية مفقودة | قصص رومانسية مصورة مترجمة منقولة | روايات رومانسية منقولة | تدريب المشرفين | اقسام الأنمي و المانجا و الكرتون | همسات للكرتون | مسلسلات الأنمي | قسم المانجا المستمرة | قسم المانجا المكتملة | افلام الكرتون | مسلسلات كرتون | عالم اطفال همسات | علوم اللغة والبلاغة | قسم المخللات | ورشة همسات للديكور | ورشة عمل للمقهى | مسابقة همسات روائية للنشر | الروايات المشاركة في مسابقة النشر | سلسلة صرخة الرعب | ورشة خاصة بالمطبخ | ورشة عمل قصص و روايات منقولة | قلوب همسات الغير مكتملة | دورة لتعليم أغلفة الروايات .. اعداد anvas_alwrd | احتفال همسات روائية بعيد ميلادها الثاني | افلام رومانسية | أفلام الاكشن و الخيال العلمي | أفلام الرعب | فريق جنيات همسات | فريق اميرات همسات | صور نجوم ونجمات | صور فنانين و فنانات عالم الغناء | صور دراما و افلام | أماكن و روايات | Saga et Serie | ورشة المكتبة الفرنسية | Written Romantic Novels | رمضان 1436هــ (2015م) | المسابقات الرمضانية | همسات روحانية | صحتك في رمضان | أرشيف رمضانيات | مسابقة مساجد حول العالم - اعداد marwa tenawi | مسابقة معالم تاريخية - اعداد زهرة الاقحوان | سفرة رمضان | مسابقة الكلمة المفقودة - اعداد تماضر | المسابقه الثقافيه العامه - إعداد روحي الأمل | ختم القران في رمضان - برعاية الوجس | رمضان أحلي مع سوما - إعداد سما عماد | حدث في رمضان - اعداد Shaymaa | منوعات قلوب همسات واقعي اجتماعي | الحياة الزوجية والاسرية | عروس همسات | فساتين زفاف وخطوبة | اكسسوارات العروس | نصائح وترتيبات | طرق التخسيس وانقاص الوزن | زيادة الوزن والتخلص من النحافة | التمارين الرياضية | فن الاتيكيت والتعامل مع الآخرين | التوجيهات الزوجية | العناية بالبشرة | العناية بالشعر و تسريحاته | العناية بالجسم | المكياج و العطور | Video Clips With Lyrics | قلوب همسات الغربية الحصرية المكتملة | قلوب همسات الغربية الحصرية القصيرة | قلوب همسات الشرقية الحصرية القصيرة | قلوب همسات الشرقية الحصرية المكتملة | روايات رومانسية مترجمة منقولة | ألغار وقصص بوليسية للأطفال | القصص والروايات بلهجة مصرية المكتملة | احتفال همسات روائية بعيد ميلادها الثالث | همسات للروايات الخيالية الرومانسية المترجمة | منتدى الاقتراحات والطلبات والمواضيع الجانبية | ورشة عمل مشرفي المترجم الخيالي | ورشة خاصة لقسم الصور | احتفال همسات روائية بعيد ميلادها الرابع |



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc.

Ramdan √ BY: ! Omani ! © 2012
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2018 DragonByte Technologies Ltd.
This Forum used Arshfny Mod by islam servant
Alexa Group By SudanSon